روايات

رواية خطايا بريئة الفصل السادس والعشرون 26 بقلم ميرا كرم

رواية خطايا بريئة الفصل السادس والعشرون 26 بقلم ميرا كرم

رواية خطايا بريئة الجزء السادس والعشرون

رواية خطايا بريئة البارت السادس والعشرون

رواية خطايا بريئة
رواية خطايا بريئة

رواية خطايا بريئة الحلقة السادسة والعشرون

ولو كانوا يعرفونك حقاً، لعرفوا أن تغيرك هذا لم يأتي من فراغ، لعلموا أنك متعب جداً، وأنك تعلمت دروساً قهرية كان ثمنها غالياً من نفسك، لكنهم يعرفون فقط أنك أصبحت إنساناً آخر، ويعرفون كيف يستنكرون ذلك منك ويلومونك عليه باحتراف، هذا ما يعرفونه فقط.”
– دوستويفسكي
—————–
-أنتِ أزاي مهملة كده وسمحتي للولد ينزل يلعب ويقف يتكلم في الشارع مع كل من هب ودب
قالها هو بسخط غريب وبصوت حاد وكأن لم يغيره شيء
لتجيبه هي بشراسة هجومية اكتسبتها بعد نكبتها بعدما طيبت خاطر صغيرها و أمرته أن يلزم غرفته:
-أنا مش مهملة والولد مكنش في الشارع ده كان في جنينة البيت والمربية كانت معاه وانا كنت متابعه من البلكونة واللي كان واقف معاه ده جارنا وبعدين انت مش من حقك تتهمني بالإهمال دول ولادي و حتة من قلبي ومحدش هيخاف عليهم أدي
زاغت نظراته ودافع عن ذاته بنفس الحدة:
-أنا كمان ابوهم ومن حقي اخاف عليهم ولا انتِ مكنتيش عايزاني أجي كمان وهتحرميني منهم
تهكمت بنظراتها وقالت ساخرة:
-ابوهم…طب كويس انك لسه فاكر يا بشمهندس!
ده أنت اول حاجة عملتها جنابك أو ما افتكرتهم أنك زعلت الولد وزعقتله ورميت كورته اللي بيحبها بدل ما تخدوا في حضنك وتطبطب عليه وتقوله وحشتنى
بس طبعًا معرفتش تفصل مشاكلك معايا وبولادك اللي لازم يحترموك ويفضلوا يحبوك علشان ببساطة انت ابوهم و دي الحاجة الوحيدة اللي مش هعرف اغيرها
ابتلع رمقه بتوتر واعتلى الندم معالم وجهه وهو يجلس على الاريكة ويخرج علبة سجائره يشعل احدهم وينفث دخانها قائلًا بنبرة تستشيط غيظًا:
– أنا اتعصبت لما لقيته واقف مع الدكتور الزفت ده اللي طردني ومعرفتش اتحكم في اعصابي انا كنت مستنيه بس يتكلم علشان كنت هطلع غل اليوم ده كله فيه
نفخت بضيق ولم تعقب فقط تنظر له نظرات مشتعلة غير راضية فهو كما هو لا شيء يغيره همجي، أناني، متعجرف لا يفكر سوى بذاته وبرغباته ولا يهمه مشاعر الآخرين.
-مكنش قصدي ازعل “شريف” يا “رهف” صدقيني ولا كان قصدي اتعصب عليكِ أنا حتى كنت جاي اشكرك علشان اتنازلتي عن القضية
برر هو بخزي من نفسه بعدما جلدته بنظراتها وجعلت يتيقن أنه بالفعل اندفع بتصرفه.
تنهدت هي وربعت يدها اسفل صدرها وهزت رأسها بلا فائدة قائلة:
-متعتذرش دي حاجة مش غريبة عليك طول عمرك كده ومش هتتغير
وإذا كان على القضية انا اتنازلت علشان انا مش قليلة الأصل زي ما حضرتك فاكر ولا مؤذية وعلشان مهما عملت هتفضل أنت أبو ولادي اللي شايلين اسمه ومش عايزة يعاتبوني في يوم من الأيام إني سجنتك.
زفر انفاسه دفعة واحدة وهو يطفئ سيجارته في المنفضة التي تعتلى المنضدة ثم نهض يقترب منها بخطوات حثيثة قائلًا بعتاب وبنظرات ملتاعة معاتبة تفضح اشتياقه لها:
-علشان خاطر الولاد بس! …للدرجة دي يا “رهف” كرهتيني ومبقاش ليا حاجة جواكِ طب إزاي وديتي حبك الكبير ليا فين؟
وخزة قوية من الألم انتابة قلبها حين اجابته بثقة:
-مبقاش ليك حاجة جوايا خلاص يا بشمهندس انت دلوقتي ابو ولادي وبس
قالت جملتها بثقة استغربها كثيرًا، فمن تلك و أين “رهف” خاصته الحائرة التي كانت تستجدي حبه!
لم يفكر بالأمر حين وجد ذاته يقترب منها قائلًا بحسره وبعتاب ليس بمحله بتاتًا:
-يااااااه بالسهولة دي يا “رهف” ده حتى اسمي مش عايزة تنطقيه!
اسمي اللي كان بيطلع من بين شفايفك بحب ويرشق في قلبي وعمري ما حسيت بحلاوته غير وهو طالع منك أنتِ…
ارتعش فمها، ولم تجيبه وظل رأسها شامخ تطالعه بثبات رغم هشيم قلبها وذلك الجرح الغائر الذي مازال ينبض بالألم بفضل أفعاله، مما جعله يقترب بتردد يحاول أن يؤثر عليها كما كان يفعل بلمساته التي كانت تذيبها فقد حاوط ذراعيها وأسبل عينيه هامسًا بنبرة ملتاعة تفيض بالاشتياق لم تتأثر بها:
-“رهف” أنا اعتذرت مرة واتنين بس انتِ مش عطياني فرصة حتى ادافع عن نفسي أنا مش عارف اعيش من غيرك وحاسس أن حاجة كبيرة ناقصاني…
نظرت له نظرة محملة بالكثير من خيبة الأمل ولم تعطيه مجال ليكمل حديثه حتى فقد انتفضت كالملسوعة من لمسته وصرخت به بشراسة لم تكن ابدًا من طباعها:
-إياك تفكر تلمسني انت فاهم …
لتثور انفاسها وتسترسل وهي تستغرب كيف يتقرب منها ويخبرها بإشتياقه لها بعد ذلك العرض السخي الذي أوكل خالته به:
-انت انسان متناقض مش طبيعي…
زمجر غاضبًا وهو يشعر بقهر من تغيرها المبالغ به، ويستغرب بشدة ما اصبحت عليه ف “رهف” خاصته التي كانت تتمرمغ به مثل القطط الآن تنفر منه ولا تطيق لمسته:
-” رهف” انا مش متناقض أنتِ لسة مراتي وعلى ذمتي ولو على الكلام اللي قولته لخالتي فأنتِ اللي اضطرتيني لكده رفضك ليا وجرحك لكرامتي كل ما اجيلك
-لو حجتك إني لسه على ذمتك فهانت يا بشمهندس كلها كام شهر واخلص منك
زفر بنفاذ صبر، وهدر وهو يمرر يده بخصلاته الفحمية بعنف يود لو أن ينزعهم:
-تخلصي مني للدرجة دي كنت عبء عليكِ يا “رهف”
لوحت بيدها باستخفاف لطالما كان يخصها به بالماضي و تأففت بنفس السأم:
-يووووه انا زهقت مش كل شوية هنكرر نفس الكلام…لو سمحت انا معنديش أزيد من اللي قولته قبل كده …
زفر بضيق واحتل اليأس معالم وجهه ثم تناول علبة سجائره من جديد يتناول واحدة منها ثم يشعلها ينفث دخانها على مهل وظل صامت لبرهة يسلط نظرات مبهمة نحوها وبعقله يدور حديث “منار” التي اقنعته به ليقول هو بتناقض وبنبرة رغم كل شيء لم يستطيع اخفاء الندم واليأس بها:
-انا عارف أني قسيت عليكِ وظلمتك بس ندمت وحاولت كتير اراضيكِ بس أنتِ رافضة وانا كرامتي متسمحليش افرض نفسي عليكِ اكتر من كده خلينا نتفق، رجعيلي جزء من الفلوس
وانا مستعد انفذ كل طلباتك
قهقهت هي بكامل صوتها الأنثوي وردت ساخرة من ذلك التناقض الغريب الذي هو عليه:
-نتفق على ايه؟؟
أنت مصدق نفسك للدرجة دي!
بجد مشوفتش في بجاحتكم أنت والصفرا بتاعتك…أنا عارفة أنها هي اللي اقنعتك بالفكرة العظيمة دي وعارفة كمان انها هتتقهر علشان عرفت ان الثروة اللي رسمت عليها راحت من بين ايديها.
دافع دون تفكير وبكل عجرفة غير عابئ بمشاعرها ولا بأنين قلبها رغم صمودها التي تدعيه امامه:
-“منار” بتحبني بجد واكتر حد خايف عليا وبلاش تظلميها دي اتنازلت وجاتلك وأنت بهدلتيها علشان هي عايزة مصلحتي مش زيك عايزة تخرب بيتي وتبوظ شغلي
اللعنة عليك وعليها ألف مرة ايها الساخط اللعين ألن تكف عن تقمص دور الضحية، الآن تدافع عنها باستماتة، وأنا السيئة الشريرة بقصتك حسناً لا يهم أنا لا أبالي، ولكن دعنا نتراهن هل حقًا ستكون جديرة بدفاعك عنها أو ستصبح أنت الخاسر الكبير بعد أن تصيبك لعنتها.
ذلك ما كانت تود أن تصرخ به في وجهه ولكنها كعادتها صمدت و قالت بثبات وبنبرة خالية تمامًا من أي مشاعر وبتهكم تقصدته كي تستفزه وتثير اعصابه كما فعل معها:
-ربنا يهنيكم ببعض يا بشمهندس فعلًا هي تستحقك بجدارة، بس أنا مستحيل هقبل بالعرض السخيف بتاعك أنا في الحالتين هطلق منك…وفلوسي ورجعتلي و ولادي ومعايا ومتقدرش تاخذهم مني، تفتكر ايه اللي هيخليني أقبل عرضك وأنا مش مستفيده منه
حاول استعطافها والتحايل عليها من جديد:
-“رهف” هخسر شغلي واكيد ده ميرضكيش أنتِ اكتر واحدة عارفة أنا تعبت أد ايه علشان اكبره واحافظ عليه
نعم اعلم ! ولكن ليتك تعلم أنت دوافعي حينها والغرض من فعلتي…نفضت افكارها اللينة سريعًا و أجابته:
-مش مشكلتي وزي ما قولتلك قبل كده اللي بيني وبينك المحاكم والولاد في أي وقت هتحب تشوفهم انا مش هعارض وده علشان خاطر نفسية ولادي مش علشان جنابك واللي بيني وبينك انتهى بالنسبالي
تأفف بسخط وصرخ بها:
-أنتِ بتعملي فيا ليه كده…جبتي قسوة القلب والجبروت ده منين
ايه المشكلة يعني خلافتنا ملهاش علاقة بالفلوس
وهنا طفح الكيل بها ولم تستطيع الصمود أكثر:
-عارف ايه مشكلتك أنك ناقم وطماع واناني عمرك ما حمدت ربنا عايز كل حاجة تبقى معاك ومتخسرش حاجة ومش مهم أن كل اللي حوليك يتنزلوا علشانك طز في مشاعرهم وحياتهم اللي أنت دمرتها الأهم انك ترضي غرورك وكبريائك وتنفذ رغباتك على حساب كل اللي حوليك…
زمجر غاضبًا من حديثها وجز على نواجذه بقوة يكاد يهشم أسنانه من شدة جزه عليها ثم هدر بعصبية متهورة وهو يجذبها من ذراعها:
-متنسيش إني لسة جوزك وغصب عنك لازم تحترميني وتقدري أني مش هتنازل عن كرامتي واقبل اهانتك ليا اكتر من كده
صدر صوت ساخر من فمها ذكره بمواقف مشابهة وقالت وهي تنفض يده مشمئزة و تصنع مسافة أمنة بينها وبينه جعلته يستشيط غيظًا:
-كرامتك… واللهي
-“رهف” بلاش تستخفي بكلامي اه أنا كرامتي فوق أي شيء وبفكرك أنتِ لسة مراتي وانا جوزك ولو عايز اقرب منك مش هتعرفي تمنعيني بس انا مش هعمل كده وعندي أمل تعقلي.
نعم مازال زوجها ولكن عن أي تعقل يتحدث هو وهي كلما تنظر لوجهه تتذكر خسارتها و كل ما مرت به معه يأن قلبها وكأن طعنته التي تسببت بذلك الجرح الغائر بصميمها مازالت تقطر دمٍ ولن تندمل… فحقًا تشفق على ذاتها فيعلم الله أنها لم تتصيد له وقاومت وتهاونت حتى انهكت فما مرت به ليس بهين وكان فوق احتمالها.
-متقدرش تعمل كده؟
نبرتها كانت متحدية لكبرياء رجولته مما جعله يندفع بأنفاس غاضبة وبملامح لاتبشر بالخير وهو يقلص المسافة بينهم ويجذبها من خصرها بغل لصدره و يميل يحاول تقبيلها كي يثبت لها عكس حديثها، مما جعلها تصاب بحالة من الهلع بين يده تنفي برأسها كارهة انفاسه الثائرة التي تلفحها ومتألمة من تطويقه لخصرها تشعر يده طوق من حديد منصهر يضيق عليها، لتدفعه بصدره بقوة كي تزيحه عنها ولكنه كسد منيع لا يحيد عن غايته حتى يذكرها بهيمنته عليها فقد جذبها من مؤخرة رأسها وانقض بغل على شفاهها بقبلة قاسية ، خالية من أي رحمة أو عاطفة و لا تَمُت للندم والأشتياق الذي كان يتشدق به بأي صلة، مما جعلها تنفر بقوة و تود لو ان تتقيأ روحها، أما هو كان في قمة سعادته من شراستها التي لم يتعود عليها وكأن دفاعاتها تلك جعلته يتلذذ بضعفها وقلة حيلتها وهو يسيطر عليها
،صرخت هي صرخة مكتومة تستغيث ولكنه لم يعير شيء أي أهمية وترك شيطانه يعبث برأسه
ويتحكم به إلى أن باغتته هي بلكمة ببطنه جعلته يتأوه مبتعد عنها وقبل أن يتدارك الأمر كانت بكل ما فيها من قوة تصفعه صفعة قوية من شدة قهرها صارخة بأنفاس متقطعة وبنبرة هستيرية جعلت اطفالها يهرولون إليها:
-بكرهــــــــــــــــــــــــك …بكرهك…منــــــــــــــك لله
كان مصدوم من ما صدر منها فإلى هنا وكفى فقد زمجر غاضبًا وزادت قتامة عينه و احتدت ملامحه بشكل لا ينبئ بالخير بتاتًا وهو يقترب يرفع يده ينوي صفعها كما فعلت معه لولآ صرخ الصغار بأسمه، لتهتز نظراتها بتأهب بين يده وملامحه الموحشة وهي تعلم أنه لن يتردد في فعلها، ولكن لأول مرة يخلف ظنونها حين أعتصر قبضته التي علقت بالهواء وهو ينظر لأطفاله الذين يقفون بزاوية الغرفة يشهقون بالبكاء ويحتضنون بعضهم، وفي غمضة عين كان يتدخل شيطانه ويدفعه ناطقًا بكل تهور:
-أنتِ طالق يا “رهف”
اغمضت هي عيناها بقوة وارتعش فمها تجاهد تلك الغصة بحلقها، بينما اقترب “شريف” قائلًا بنبرة باكية:
-انت وِحش عايز تضرب مامي و بتزعقلي انا مش بحبك
مش بحبك…
لتحتضن “شيري “ساق والدتها وتحاوط خصرها وترشقه بنفس النظرات الكارهة، ليزمجر هو بجنون:
-برافو عليكِ حتى ولادي عرفتي تكرهيهم فيا… ليوجه حديثه لأبنائه دون مراعاة ما سيخلفه حديثه في نفسيتهم وسلوكهم:
-امكم السبب وهي اللي بوظت حياتنا وسرقت فلوسي وكانت عايزة تسجني…مفروض تعتبوا عليها مش عليا هي اللي وصلتني لكده وكرهتكم فيا…
لم تستطيع الصمود أكثر فقد أجهشت بالبكاء بكل قهر وصرخت به:
-كفاية بقى …اطلع بره….اطلع بره…والبيت ده اياك تدخله بعد كده
بــــــــــــــــــــــــــــــــره
كور قبضة يده بقوة يتحكم في زمام نفسه كي لا يفعل ما يخشى عقباه ثم توجه لباب الشقة الذي كانت تتعمد ان تتركه مفتوح على مصراعية حين اتى
وغادر بخطوات واسعة تفتك الارض تحت قدميه وهو يلعنها ويلقي باللوم عليها ويقنع ذاته انها هي من اوصلتهم لهنا، أما هي فقد اندفعت تغلق الباب خلفه بكل قوتها ثم استندت بظهرها عليه وشهقت شهقة ممزقة كانت تجثو على صدرها تزامناً مع انزلاق جسدها على الأرض بكل هوان… ليقتربوا اطفالها منها وتجذبهم يفترشون الأرض مثلها وتحتضنهم هامسة من بين شهقاتها بنبرة متألمة حارقة نابعة من هشيم قلبها:
-متزعلوش هبقى كويسة…وهنبقى كويسين متصدقوش كلامه انا بحبكم ومعنديش في الدنيا اغلى منكم علشان خاطري متصدقوش…
هزوا الصغار رؤوسهم وقال” شريف”:
-مش مصدقين يا مامي و احنا كمان بنحبك
بينما مدت “شيري” يدها الصغيرة تجفف دمعات والدتها وتربت على ظهرها بتضامن، أما هي فقد رفعت نظراتها لأعلى دعت ربها ان يمدها بقوة مضاعفة بعد خلاصها.
—————-
مرت عدة أيام بسلام عليها وها هو اليوم الأخير لاختباراتها وكم تمنت أن يمر بسلام ايضاً
فقد انتهت وخرجت تتأبط ذراع “نغم” التي قالت بتنهيدة مرتاحة:
-اخيرا خلصنا والله ما مصدقة
ابتسمت هي وتشبثت بذراعها أكثر وهي
تلمحه من بعيد يقف مع “فايز” ولا يجرأ على اللحاق بها، فهي تتعمد ان تلتصق ب “نغم” كي لا يتجرأ ويعترض طريقها، لترد بنبرة هادئة وهي تواصل سيرها دون أن تلتفت خلفها:
-اه الحمد لله اخيرًا
اوقفهم نداء “منه” قائلة وهي تلهث خلفهم:
-“نادو” استني
التفتوا لها بمضض وقبل أن تتفوه “نادين” بكلمة واحدة استهجنت “نغم”:
-افندم عايزة ايه؟
-انا بكلم “نادو” موجهتلكيش كلام يا شيخة “نغم”
تأففت “نغم” وهدرت بغيظ:
-أنا وهي واحد هي عينتني محامية عنها اخلصي وقولي عايزة ايه منها؟
زفرت “نادين” في ضيق من هجومها المبالغ به وهمست لها:
-“نغم” خلاص متكبريش
الموضوع لتلتفت ل “منه” وتسألها بإقتضاب:
-خير يا “منه” عايزاني في ايه؟
اجابتها “منه” وهي ترشق “نغم” بنظرة منتصرة:
-ابدًا الشلة كلها هتتجمع فيWeekend وهتبقى سهرة جنان وكله جاي بس طبعا مش هتكمل غير بيكِ
-“نادين” مبتسهرش مع حد ومش فاضية علشان خلاص فرحها كمان كام يوم ولازم تحضر له
قالتها” نغم” بإندفاع دون تفكير مما جعل “منه” تشهق بتفاجئ، أما “نادين” فقد توترت وعاتبت “نغم” بعيناها على زلفة لسانها، ولكن “نغم” لم تعير شيء أهمية واستأنفت بتلقائية دون ذرة كذب او لؤم واحدة:
-بتغمزيلي ليه هو مش سر ولازم يعرفوا أنك خلاص هتتجوزي
حانت من “منه” بسمة متخابثة وتهكمت :
-اخس عليكِ يا “نادو” ومخبية ليه مش عايزة تقولي ده إحنا حتى نفرحلك!
ارتبكت هي ومررت أناملها المرتجفة بخصلاتها قائلة:
-مش سر ولا حاجة…هو مش فرح دي هتبقى حفلة صغيرة على الضيق
-ومش غريبة دي يا “نادو”يعني ليه متعمليش فرح كبير… يعني لو مكانتش “نادين الراوي” بجلالة قدرها تعمل فرح اسطوري مين اللي هيعمل!
قلبت “نغم” عيناها وصدتها قائلة:
-لا حول ولا قوة إلا بالله
يا ستي أنت مالك دي دخلياتهم هما وهما احرار ياريت تخليكِ في حالك وعن اذنك بقى سبينا نمشي
لتجر “نادين” من يدها بعيدًا عنها بينما هي كانت فاغرة الفاه من ذلك الخبر الصادم الذي لن تحتفظ به طويلاً وسوف تشاركه مع الجميع
أما هو فكان يتابع موضعهم بعيون ثاقبة متربصة وهو يلعن تلك الملازمة لها فهو يشعر انها تتخذها حصن واقي كي لا يعترض طريقها فهي تعلم تمام المعرفة أنه لا يطيقها ولا يطيق استخفافها به ولا طريقة حديثها،
زفر بقوة حانقًا مما جعل “فايز” يتبع نظراته و يتساءل بمكر:
-أيه يا صاحبي مفيش جديد؟
اجابه بغيظ وعينه لا تحيد عن آثارها:
-لغاية دلوقتي مفيش جديد وشكل الغبية “ميرال” هتخلف توقعاتي وهتضيع كل اللي بخطط ليه في الهوا
تنهد “فايز” وتسأل بعدم فهم:
-أنا مش عارف كان لازمته كل الحوار ده من الأول يا “طارق” يعني لو أنت عايز تفضحها نقدر نعمل كده بكل سهولة ومن غير “ميرال”
نكزه “طارق” ورد بنبرة تقطر بالخبث وهو يفرك ارنبة انفه كي يخفف حدة تحسسهاالذي داهمه للتو:
-لو عملت كده “نادين” هتبقى متأكدة أنه أنا اللي عملتها لكن أنا عايز ابعد الشُبوهات عني وهبان قدمها إني اتفاجأت زيها علشان لما الغبي يتخلى عنها ميبقاش قدمها غيري…وطبعًا وقتها مش هتشك غير في “ميرال” لأنها الوحيدة اللي ليها مصلحة تفضحها وترد اللي هي عملته فيها…
ربت “فايز” على كتفه وقال بإعجاب مقيت:
-شيطان يخربيت دماغك سم والله أنا هبتدي اخاف على نفسي منك
قهقه هو وقال بفضول لعين وهو يتتبع بعينه موضع “منه”:
-طب تعالى اسئلها الحوار ايه؟
ليفرك انفه يقاوم إلحاح جسده ويضيف :
-ومتنساش الليلة تجيب اللي قولتلك عليه!
قلب” فايز” عينه بسأم وقال بعدم رضا:
-ما بلاش يا “طارق” أنت كنت بتقول انها تخاطيف قبل كده …و ايام الامتحانات وبس علشان تركز وأدي الامتحانات خلصت وملهاش لزوم…
رفع منكابيه بعنجهية واجابه:
-نفذ اللي بقول عليه من سكات يا “فايز” أنا مش ناقصك ويلا تعالى نشوف اللي هناك دي مالها
لينصاع له” فايز” بمضض فهو حقًا لا يروقه تصرفات صديقه ولكنه لا يستطيع فعل شيء سوى أن يسايره حتى وإن كان في الخطأ فهو اضعف بكثير كي يعارض “طارق المسيري” المستند على نفوذ أبيه.
وبالفعل ما أن اقتربوا منها، تساءل “فايز”:
-مالك يا “منه” متسمرة ليه كده؟
انتبهت “منه” على ذاتها وتمتمت:
-هاااا… خبر الموسم يا “فايز” تخيل “نادين الراوي” هتتجوز بعد كام يوم ومش جايبة سيرة لحد
تجهمت معالم وجه “طارق” وتوحشت عيناه وهدر بعدم استيعاب:
-بتقولي ايه أنتِ متأكدة؟
هزت “منه” رأسها وأكدت بكل ثقة:
-الشيخة “نغم” هي اللي قالتلي و”نادين” وقتها ارتبكت وشكلها مكنتش عايزة تقول
احتل الحقد قاتمتيه وجز على نواجذه بقوة من تأكيدها ودون أن يتفوه بكلمة واحدة كان يغادر بخطوات واسعة تآكلها الغضب
لتتسأل “منه” مستغربة:
-هو ماله ده؟
أجابها “فايز” وهو ينظر لآثار صديقه:
– ربنا يستر…شكلنا داخلين على أيام ما يعلم بيها إلا ربنا
—————
أما عنها فكانت تسير شاردة الذهن برفقة صديقتها في طريقها لخارج الحرم الجامعي حين تساءلت “نغم” بريبة:
-مالك يا “نادين”؟
تنهدت واجابتها بتوتر:
-مكنتش حابة حد يعرف
-ليه انا مش شايفة سبب مقنع لده…
أغمضت عيناها وزفرت بضيق مبررة:
-قلبي مقبوض يا “نغم” وخايفة…خايفة اوي
-مقبوض من ايه يا بنتي ما اللي يعرف يعرف محدش عايز منك حاجة وبعدين أنتِ بس تلاقيكِ زعلانة علشان “يامن” مش هيجي ياخدك النهاردة زي عادته
ابتسمت ببهوت وردت:
-يمكن…بقاله كام يوم مشغول اوي بيخلص اجراءات نقل الملكية علشان نلحق نحضر للفرح
تخطوا بوابة الحرم الجامعي حين استرسلت “نغم”بمحبة خالصة لها:
-ربنا يهنيكم يا “نادين” أنا فرحنالك أوي…لتنظر لها تحاول أن تسبر أغوارها وتضيف بتوجس:
-بس مش عارفة ليه حاسة ان في حاجة شغلاكِ ومخلياكِ مش مبسوطة
اعتصرت “نادين” عيناها وفكرت بشكل جدي أن تخبرها لعلها ترحمها من ذلك التفكير المضني الذي سيقضي عليها ولكن حينها شهقت “نغم” وهي تجد أبيها ينتظرها بجانب سيارته التي ترتكن بجانب الطريق من الجهة المعاكسة لتلوح له وتقول ل “نادين”:
-يا خبر ده بابا هناك ومستنيني أكيد مقدرش يصبر لغاية ما أرجعله واطمنه
أومأت لها “نادين” ودعمتها:
-معلش روحي طمنيه
تنهدت “نغم” وأصرت:
-ماشي بس هنكمل كلامنا بعدين وهتحكيلي…
أومأت “نادين” لها بطاعة لتسترسل هي:
-طب تحبي اوصلك لعربيتك
-لأ متقلقيش دي كلها خطوتين للجراچ أنا قصدت اركن هناك علشان الزحمة… يلا روحي وسلميلي عليه كتير
قالتها ببسمة باهتة وبثبات يخالف ذلك الخوف المستوطن بقلبها، لتومئ”نغم” لها وتقبلها مودعة وتسير نحو أبيها بينما هي دارت بنظراتها بتوجس شديد ثم بخطوات واسعة متوترة بشدة توجهت للجراچ كي تأخذ سيارتها قبل أن تجد ذلك المقيت يلحق بها فيبدو أنها مازالت إلى الآن لم تملك الشجاعة اللازمة لتواجهه، ولا حتى استطاعت أن تجد حُجة مناسبة تقنعه بها.
وصلت وها هي خطوة، اثنان،ثلاث وكانت تفتح باب سيارتها ولكن ما كانت تخشاه وتخشى تبعاته قد حدث، فيده القاسية كانت تطبق عليها حتى أنها شهقت بقوة والتفتت مرعوبة لتجده ينظر لها نظرة قاتمة لا تنبأ بالخير بتاتًا مما جعلها تتلجلج بتوتر بالغ:
-بتعمل ايه هنا يا “طارق”!
لم تتغير ملامح وجهه المرعبة بل توحشت أكثر حين هدر بأنفاس غاضبة:
-أنتِ فاكرة إني لو عايز اوصلك مش هعرف…أنا سيبك بمزاجي لكن بعد الخبر اللي سمعته قسم بالله لو كان صح لهتشوفي مني وش عمرك ما شوفتيه يا “نادو ”
أبتلعت غصة بحلقها و زاغت نظراتها ولعنت “منه” بسرها وكم استغربت كونها افشت الخبر بتلك السرعة، لذلك راوغته بدهاء كي تتأكد من ظنونها:
-خبر ايه؟
رد هو بنبرة سامة وهو يحتجزها بيده بينه وبين السيارة:
-هتممي جوازك من الغبي ده وهتعملي فرح…
أغمضت عيناها تستدعي شجاعتها ثم تمتمت بنبرة مهتزة متلعثمة:
-أنا…كُنت…
-أنـــــــــــتِ ايـــــــــــــــــــه انطقـــــــــــــــــــــــــي!
قاطعها بحده مبالغ بها وهو يطرق على السيارة خلفها بكفوف يده مما جعلها تنتفض بقوة وتفر الدماء من وجهها وتدرك أن لا سبيل للمراوغة اكثر لذلك تلعثمت من جديد:
-كنت مستنية فرصة مناسبة علشان اقولك…
بتر جملتها بإنفعال قوي وبنبرة جهورية نفضتها:
-تقوليلي ايــــــــــــــــــــه تقوليلي أني طلعت غبي وانك كنتِ بتلعبي بيا الفترة دي كلها
نفت برأسها وبررت والرعب قد تملك من قلبها وارعش أوصالها:
-أنا عمري ما قصدت كده…الموضوع مش زي ما أنت فاكر أديني فرصة هشرحلك
حانت منه بسمة متغطرسة تنم كونه غير متزن بالمرة ثم صرخ بجنون أمام نظراتها المرتعبة بكافة تلك التساؤلات التي تفتك برأسه:
-تشرحيلي ايه؟ عايز افهم؟ مفيش مبرر واحد يخليكِ تغيري رأيك وتبديه هو عليا…نسيتي أن كان مفروض عليكِ ونسيتي تحكماته وأوامره اللي بتخنقك… طب أزاي نسيتي أن امه كانت السبب في موت أمك…أزاي نسيتي كل ده وفاجأة كده قررتي تكملي حياتك معاه…فهميني انا هتجنـــــــــــــن…هتجنـــــــــــــــن
ارتجف جسدها ولم تقدر على مواجهة نوبة غضبه إلا ببعض الكلمات المبررة التي لم ترضيه بالمرة:
-“طارق”…في حاجات كتير انت متعرفهاش جدت عليا وكنت مفكرة زيك كده لغاية ما عرفت الحقيقة…وعرفت انهم ملهمش دعوة بموت أمي…وحتى فلوسي هو مطلعش طمعان فيها زي ما كنت مفكرة ده بالعكس هيرجعلي كل حاجة وبدء في الإجراءات
مسد جبينه بعنف وهز رأسه بعدم اقتناع وهدر بعدما لعن ذلك الإلحاح الشنيع الذي يكاد يسيطر عليه :
-يظهر أنه عرف يضحك عليكِ بالسهولة دي ويلعب بدماغك
نفت برأسها ودافعت عنه ببديهية دون تفكير مما جعل نيران الحقد تشتعل بداخله اكثر:
-هو مضحكش عليا… وملوش دخل…ده قراري أنا…لتمرر يدها المرتجفة في خصلاتها وتخبره بأنفاس مضطربة فشلت في تنظيمها:
-“طارق” صدقني…اللي بيني وبينك مكنش حب احنا كنا صحاب و…
قهقه بكامل صوته وقاطعها قائلًا بنبرة رغم أنها متغطرسة إلا أنها حملت بين طياتها عتاب دفين:
-صحاب…أنتِ شايفة كده…هو للدرجة دي قدر يخدعك ويخليكِ متعرفيش تميزي
حاولت إقناعه بعيون زائغة وبأعصاب تالفة وبقلب يهوي بين قدميها:
-“طارق” لو سمحت أفهم… هو مخدعنيش ولا مَثل عليا…لتنكس رأسها وتُصرح وهي تفرك بيدها بتوتر بالغ:
-هو بيحبني وعمل حاجات كتير علشاني وأنا كنت طايشة وغبية ومغيبة وسبت شيطاني يوهمني بحاجات ملهاش اساس…وعلشان كده قررت اصلح كل حاجة… لتضيف بخزي من نفسها قبل أي شيء:
-أنا بجد أسفة يا “طارق” والله ما كنت أقصد اجرحك ولا استهتر بمشاعرك…
حديثها نزل كالصاعقة فحقًا كان مصدوم من دفاعها المستميت عن الأخر لا والأنكى أنها تعتذر منه، مما جعله يكتشف لتوه أنه هو الغبي الوحيد و ليس أحد غيره، فقد ثارت ثائرته و وجد ذاته لم يستطيع تحجيم شياطينه عنها ليحاوط عنقها بحركة مباغتة ضارب جسدها بالسيارة مما جعلها تشهق بقوة متألمة من فعلته، ليقول ب كل غطرسة وبنبرة مميتة تقطر بالحقد:
-بتعتذري ده أيه الجبروت بتاعك ده! بعد كل اللي بينا بكل بساطة كده بتخرجيني من حياتك للدرجة دي أنا كنت غبي وعرفتي تلعبي بيا…
سعلت هي وترجته بوجهه أحمر وبعيون جاحظة واهنة وهي تتعلق بيده في محاولة بائسة منها أن يحل قبضته عنها:
-بتخنق يا “طارق” متبقاش مجنون
لم يعير رجائها ولا دفاعتها أي أهمية بل كان يشدد أكثر فأكثر على عنقها وهو يجز على نواجذه بقوة وعينه تطلق الشرار وكأنه مغيب تحت وطأة ثورته حتى انه لم ينتبه انه يكاد يفقدها أنفاسها إلا حين تعالى صوت إنذار سيارة مصطفة في زاوية بعيدة ليحل أنامله تدريجيًا ويدور بعينه بالمكان يستفقد أمر ذلك الصوت ولكن لحُسن الحظ لم يعرف مصدره ولم يتمكن من رؤية تلك التي تتوارى هناك وتكتم انفاسها كي لا ينتبه لوجودها منكمشة بين السيارات.
فقد أقنعه عقله انها هرة مشردة هي من تسببت بذلك في حين أن “نادين” سعلت بقوة واحنت ظهرها تضع يدها على صدرها تحاول جاهدة أن تلتقط أنفاسها،
ليهرول فرد الأمن تباعًا لصوت الإنذار، مما جعله يعتدل بوقفته ويهندم ياقة كنزته ويتصنع انشغاله بالبحث وهو يصنع مسافة مناسبة بعيد عنها حين تسأل فرد الأمن و وجه حديثه لها:
-حضرتك في مشكلة… أنتِ كويسة محتاجة مساعدة
بالكاد اعتدلت بوقفتها وهي تشعر أنها قاب قوسين أو أدنى أن تفقد وعيها، لتتعلق عيناها الواهنة به وهو يزجرها ويرسل لها تحذير مبطن عبر نظراته جعلها تهز رأسها لفرد الأمن وتغمغم بتقطع:
-أنا كويسة…
أومأ لها فرد الأمن بتفهم وحول نظراته لذلك الواقف على بعد منها، ليترسل “طارق” ببسمة سمجة متغطرسة وهو يخطو نحوه:
– ملقتش عربيتي يظهر إني غلطت في الممر
أومأ له بعدم اكتراث وتخطاه بخطواته يتفقد مصدر الإنذار وما إن كان يوجد شيء مريب بالأمر أم لا، ليختصر “طارق” المسافة التي صنعها بينهم ويستغل انشغال الأخر مهسهس بوعيد وبنبرة غير متزنة وهي بالكاد تستعيد ثباتها مستندة على باب سيارتها التي فتحته للتو كي تغادر:
-أنتِ لعبتي مع الشخص الغلط يا “نادو”.
ذلك أخر ما تفوه به قبل أن يغادر بخطوات واسعة تاركها تصعد لسيارتها بحالة يرثى لها، تحتضن ذاتها و تنفي برأسها بحركات هوجاء متسرعة وهي تشعل مقود السيارة وتنطلق بها وهناك زوج من العيون يتتبعها وهي تنخرط أثناء قيادتها في نوبة بكاء مرير بخزي ينهش روحها
فيبدو أن توابع خطيئتها لن تمر مرور الكرام كما كانت تعتقد ولابد أن تكفر عنها.
———————-
لا تعرف كيف وصلت لبيت “نغم” ولكن كل ما كانت تعلمه أنها لابد أن تجازف وتخبرها فهي حقًا تشعر بالضياع، والخوف وبحاجة لأخذ نصيحتها، وبالفعل فعلت ذلك وقصت عليها أدق التفاصيل بصدق شديد دون أن تخفي شيء وبالفعل كما توقعت وبختها وأنبتها وحتى أنها انفعلت بقوة ولكن بالأخير رَأفت بأنهيارها والندم البادي عليها ونصحتها أن تخبر “يامن” وتترك الخيار له فهو دائمًا ما يتفهمها ويغفر لها وسوف يدرك أن تلك تبعات الماضي ورغم عدم اقتناعها وخوفها من تبعات الأمر إلا أنها حاولت أن تقنع ذاتها وقررت أن تخاطر وتعمل بنصحيتها.
وها هي عادت للمنزل بملامح شاحبة تحاكي الموتي حين استقبلتها “ثريا” متلهفة:
-كده برضو يا “نادين” تتأخري وتقلقيني عليكِ؟
اجابتها معتذرة:
-آسفة روحت عند “نغم” والوقت سرقني
تنهدت “ثريا “وتساءلت بإرتياب:
-مالك يا بنتي أنتِ معيطة
نفت برأسها وهي تحكم ذلك الوشاح على رقبتها التي استعارته من “نغم” كي يخفي الأثر الذي خلفته أصابع ذلك المقيت، لتتقدم منها بخطوات واهنة متعثرة وطلبت راجية وهي ترتمي بين يديها:
-احضنيني يا ماما”ثريا”…احضنيني
استغربت “ثريا” من فعلتها ولكنها لم تتردد ودثرتها بأحضانها قائلة:
-مالك يا بنتي أنتِ كويسة
لم تجيبها بل كانت عيناها غائمة تكبت رغبتها بالبكاء بصعوبة بالغة حين استأنفت “ثريا”:
-“يامن” قلقان عليكِ واتصل بيا كذا مرة عايز يطمن وبيقول ان تلفونك مقفول…خير يا بنتي متوجعيش قلبي وقوليلي كنتِ بتعيطي ليه محلتيش كويس في الامتحان
نفت “نادين” برأسها وأخبرتها بعدما استعادت ثباتها كي لا تثير ريبتها أكثر:
-مش بعيط أنا كويسة وحليت كويس الحمد لله أنا مخدتش بالي من التلفون مقفول معلش كان في الشنطة هكلمه واطمنه متقلقيش
ربتت “ثريا” على ظهرها وهي تحمد ربها، بينما هي خرجت من دفء أحضانها قائلة ببسمة باهتة لم تصل لعيناها:
-حاسة إني مرهقة هدخل أوضتي اكلم “يامن” وبعدين هنام
-مش هتاكلي يا بنتي
-اكلت مع “نغم”
أومأت لها “ثريا” وربتت على يدها بحنو بالغ جعل “نادين” تتمتم:
-أنا بحبك اوي يا ماما “ثريا” عارفة لو كانت امي لسة عايشة مكنتش هتبقى حنينة عليا أدك
أنا بدعي ربنا يديمكم ليا أنا مليش غيركم ومقدرش اعيش بعيد عنكم علشان خاطري مهما حصل اوعي تقسي عليا
كانت تتحدث بنبرة صادقة مُعذبة تخشى شيء بعينه، ورغم أنها ثابتة أمامها إلا أن بداخلها ألف صرخة ألم وبكاء لن ينضب، مما جعل “ثريا” تجذبها من جديد وتقول بحنو شديد:
-عمري ما اقسى عليكِ انت بنتي ومعزتك من معزة “يامن” بالظبط…هو في حاجة حصلت ضايقتك يا بنتي…”يامن” زعلك
-لأ…انا اللي خايفة ازعله ومعرفش اراضيه
-هو ما بيزعلش منك أنتِ عارفاه قلبه أبيض من اللبن الحليب هو اه ساعات ليه قلبات ما يعلم بيها إلا ربنا بس والله طيب وبيحبك ويتمنالك الرضا ترضي…
اغمضت عيناها بألم واستأذنت منها لتدخل تستريح بغرفتها وهي تدعي الثبات رغم الرعب الذي يسكن قلبها فنعم هي محقة لذلك دعت الله بسرها أن يرأف بها.
————————-
عاد هو بعد يوم عمل طويل أنهكه على الأخير، وقبل أن يتوجه لغرفته
أطمئن على والدته بالأول ليجدها تغط في نوم عميق، ثم بعد ذلك سار بخطوات حثيثة نحو غرفتها ظنًا منه انها نائمة ولكن حين فتح بابها وجدها تجلس منكمشة داخل فراشها ليدخل ويغلق الباب، لتنتبه هي لوجوده وتهرول إليه وترتمي بين يديه قائلة بلهفة:
-وحشتني يا “يامن”
أبتسم على لهفتها ودثرها بين حنايا صدره الأمنة وهمس بلوعة تشابه لوعة قلبها:
-قلب “يامن” وروحه وعمره أنتِ وحشتيني اكتر…أيه اللي مسهرك كده؟
بررت بقلب منقبض وبملامح باهتة وهي تتوجس خِيفة من رد فعله:
-معرفتش أنام وكنت مستنياك عايزة اتكلم معاك
أخرجها من بين يده وقال بإرهاق:
-لا كلام ايه انا هلكان وهموت وانام أجليها للصبح
-بس…
حاولت أن تصر عليه كي تزيح ذلك الحمل الثقيل عن كاهلها ولكنه منعها قائلًا بحنان وهو يجذب رأسها تستقر على صدره:
-معلش حقك عليا أنا عارف إن بقالي كام يوم مشغول عنك بس أنتِ اكيد عارفة أن الشغل فوق راسي ولازم اعمل جرد لكل صغيرة وكبيرة انا والمحامي علشان اجراءات نقل الملكية ده كمان لازم اسافر بكرة الصبح اسكندرية علشان الفرع اللي هناك
مرغت وجهها بصدره وقالت وهي تستند بكفوفها المرتعشة عليه تتفقد موضع خافقه:
-مش عايزة انقل الملكية أنا وأنت واحد وبعدين أنا عايزاك جنبي ومش مهم الشغل سيبه يخرب انا مش فارق معايا
تنهد بعمق وقال ببسمة هادئة وهو يضع قبلة على قمة شعرها:
-أزاي بس يا مغلباني عايزاني اضيع تعب سنين وبعدين ده حقك ولازم يرجعلك على أكمل وجه
-بس أنا مش عايزاك تبعد عني وخصوصًا الفترة دي
لم ينتبه لتلميحها بل حتى انه شاكسها:
-كل ده علشان غبت عنك شوية…لأ ده انتِ بقى وضعك خطير ويظهر كده والله اعلم بتحبيني
خرجت من بين يديه وكوبت وجهه هامسة بمشاعر صادقة وعيون غائمة بالكثير:
-أنا بموت فيك مش بس بحبك
تنهد مُسهدًا وهو يشملها بدفء عيناه ثم داعب خصلاتها ومرغ وجهه بين راحة يدها التي تستقر على وجهه راجيًا:
-بلاش سيرة الموت…بلاش تقوليلي بموت فيك …قوليلي هعيش ليكِ.
-هعيش ليكِ وبيك و مهما تعمل فيا مش هزعل منك و هحافظ عليك ولو معرفتش؛ اعرف إني هموت بعديك.
تناول نفس حار ثم زفره دفعة واحدة وشاكسها بعبث تام وهو يسند جبهته على جبهتها ويركز ناعستيه المُسبلة نحو ثغرها:
-قولت بلاش سيرة الموت… وبعدين من ناحية اللي هعمله فيكِ فأنا هعمل فيكِ كتير… أنا هكلك أكل يا مغلباني ومش هفارقك ابدًا حتى في احلامك
رغم أنها لم تكن تقصد ما تفهمه إلا انها توهجت تحت نظراته ونكزته بصدره هامسة بخجل:
-على فكرة أنت بقيت قليل الأدب…و بطل تكسفني يا رخم…
قهقه بكامل صوته الرجولي وحاوط خصرها يقربها منه هامسًا بمكر وهو يضع قبلة خاطفة على وجنتها:
-عارف إني رخم بس ده ميمنعش انك بتعشقيني مش كده
أومأت له بحركة من رأسها ليضمها هو ويتناول نفسٍ عميق نابع من صميم قلبه المُولع بها ويزفره بتمهل وبراحة عارمة، بينما هي تردد صدى كلماته بعقلها و تأجج بداخلها تلك المشاعر الكامنة ، فقد استقرت برأسها بين حنايا عنقه وقبل أن يضيف شيءأو يفصل عناقه كانت هي تمرغ وجهها وتقول بعيون مغلقة وهي تقبله قبلات رقيقة ناعمة، متقطعة تتناول بين كل واحدة وآخرى نفس عميق من رائحته المميزة التي تعشقها وتميزها من بين ألف رائحة غيرها:
-بعشقك يا “يامن” وكل حب الدنيا مش كتير عليك
تقربها منه بهذا الشكل نزع فتيل الأمان بعزيمته فطالما كان تأثيرها طاغي عليه ولذلك كان لابد أن يبتعد عن هالة فتنتها، فقد شهقت متفاجئة حين دفعها برفق قائلًا بأنفاس متهدجة وهو يدلك مؤخرة عنقه ويحل أول زر من قميصه كأنه يختنق و يستجدي الهواء:
-كفاية الله يخليكِ أنا صامد بالعافية ومش عايز اتهور…انا هروح انام…تصبحي على خير
اختصرت المسافة التي صنعها ومنعته وهي تكوب وجهه من جديد هامسة بإحتياج تملك منها:
-أنا مراتك ومحتاجة قربك يا “يامن”…
ابتلع ريقه بحلق جاف وناعستيه المُسبلة لا تحيد عن نظراتها التي تحثه على شيء لطالما طمح به وجمح ذاته عنه كي لا ينقض وعده لها ولكن كيف الصمود وهي تنزع عنه سترته وتحل بأناملها المرتعشة أزرار قميصه دون تمهل مما جعله يقبض على يدها بأنفاس مضطربة قائلًا بتحذير صريح:
-بتعملي أيه؟
“نادين” بلاش تختبري صبري وارحميني …
نفت برأسها واقتربت من وجهه قرب مميت حتى اختلطت انفاسهم هامسة بأصرار لا تعلم غايته سوى أن تنعم بقربه وتستغل كل لحظة معه بعدما قررت أن تهديه شيء مميز يصعب عليه نسيانه ويظل مطبوع بذاكرته للأبد وهي تمنى ذاتها ربما فيما بعد يتشفع لها:
-محتجالك…لتبلل شفاهها وتسترسل بهمس :
-نفسي احس بالاحساس ده معاك
انتابته القشعريرة من حديثها وتأججت نيران بصدره ولكن رغم ذلك حاول الصمود أمامها هامسًا بأنفاس متهدجة وهو يوليها ظهره كي يتحكم بمشاعره:
– “نادين”بلاش نتسرع أنتِ متستهليش مني كده
صممت وهي تحاوط خصره من الخلف وتمرغ وجهها بظهره و تتذكر موقف مشابه وتستعير نفس كلامه التي لم تقدره بوقتها:
-بلاش تحرمني من قربك وتعالى نضحك على الزمن ونوقفه ونسرق منه وقت لينا… لتستأنف بعقلها (سبلي ذكريات علشان لو سبتني اعيش عليها)
لينطق لسانها:
-محتجالك
قالتها بنعومة بالغة وهي تتجرأ وتقف مواجهة له تتلمس بأناملها شفاهه بتمهل جعل انفاسه تتثاقل والرغبة تكاد تقفز من ناعستيه ولكن هي لم ترأف به وزادتها عليه حين دست اناملها بخصلاته البُنية وأخذت تحركها حركات حثية أنهكته وجعلت عزيمته تتلاشى وكافة حصونه تتهدم تحت وطأة فتنتها فما كان منه غير أن ينساق لأهوائها ويتناول شفاهها بقبلة مفعمة بضجيج قلبه المُولع بها، دامت قبلتهم المتناغمة لثوانِ معدودة قبل أن تنفلت شهقة خافتة من بين شفاهها ، فقد باغتها ورفعها من خصرها فما كان منها كرد فعل تلقائي الا ان تتعلق بعنقه و تحاوط خصره فكانت تدفعه لدرب من دروب الجنون حتى انه وجد ذاته كالمغيب دون أي مقدمات أخرى أو لحظة تروي واحدة يتوجه بها نحو الفراش غير عابئين بتوابع اندفاعهم ولا كونها بفعلتها تلك اوصلته لنقطة لا رجعة بها.
——————–
غمامة ضبابية من الدخان تخيم فوق رأسه ، وتغشي على عينه وتغيب عقله فكان يجلس في تلك الشقة الفاخرة الذي ابتاعها لها كي ينال شرف قربها ولكنها خربت كافة آماله نحوها.
(ميراكريم)
فقد رفع رأسه من على سطح الطاولة بعدما ثبت تلك الاسطوانة الدائرية الرفيعة على تلك السطور المتوازية التي صنعها ثم سد فتحة واحدة من منخاره بإبهامه و استنشق بقوة مستمتعًا، من تلك الجرعة الوفيرة من السعادة الوهمية التي تمنحها تلك السموم البيضاء ليعتصر عينه بقوة يقاوم تأثيرها الجبار على جهازه العصبي ثم دون أن يمنح اجهزته الحيوية هُدنة كان يلتقط
سيجارته الذاخرة المشتعلة ينفث دخانها كي يلهي عقله عن التفكير بها ولكن كان الأمر شبه مستحيل بالنسبة له فعندما يتعلق الأمر بالفوز والخسارة لابد أن يكون هو الرابح الوحيد.
-وبعد هالك يا صاحبي كفاية كده انت طينت الدنيا …
قالها “فايز” بعدم رضا، ليزمجر “طارق” غاضبًا بكل عنجهيجة وغرور:
-متقوليش كفاية وملكش فيه…أنا هتجنن…هتجنن وبرج من دماغي هيطير وأنت بتقولي كفاية
-يعني اللي بتعمله ده هيغير ايه؟
-معرفش اهي حاجة بتوقف عقلي عن التفكير والسلام بدل ما أروح اقتلها واقتل الغبي اللي فضلته عليا
تشجع “فايز” ونصحه بتعقل:
-بس انا خايف عليك يا صاحبي وشايف أن الموضوع مش مستاهل تضيع نفسك…سيبها في حالها تعيش زي ما هي عايزة وأنت ألف بنت غيرها تتمناك
زمجر هو غاضبًا ورفض بكل عنجهية والحقد والوعيد يقطر من عيناه:
-بس أنا بقى مش عايز غيرها ومش هرتاح غير لما اكسر عينها و ارجعها ليا غصب عنها…
زفر “فايز” بضيق من إصرار صديقه والتزم الصمت ولكن بينه وبين ذاته شيء يحثه على عدم التكتم على الأمر.
بينما هو كان حديثها ودفاعها المستميت عن ذلك الغبي يتردد بعقله ويقدح نيران الحقد بصدره، ليترك العنان لشياطينه اللعينة تعث الفساد برأسه وتسيطر عليه وتحيك له مكيدة جديدة محكمة للغاية كي ينال غرضه منها ولكن تلك المرة يقسم أنها ستكون دون تهاون.
غافل ان بتهوره ذلك سينشق قلب عاشق أخر لا ذنب له سوى حبه لها.

يتبع…

لقراءة الفصل التالي : اضغط هنا

لقراءة الرواية كاملة اضغط على : (رواية خطايا بريئة)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى