Uncategorized

رواية أنا والمجنونة الفصل السابع عشر 17 بقلم الكاتبة يمنى عبد المنعم

 رواية أنا والمجنونة الفصل السابع عشر 17 بقلم الكاتبة يمنى عبد المنعم

رواية أنا والمجنونة الفصل السابع عشر 17 بقلم الكاتبة يمنى عبد المنعم

رواية أنا والمجنونة الفصل السابع عشر 17 بقلم الكاتبة يمنى عبد المنعم

لم ترى مهجة وجه جلال منذ آخر لقاء لهم وهذا ما أشعرها بالضيق ، لقد جاءت لها سعاد بالطعام هذا الصباح بناءً على أوامره هو .
عاد جلال من دار منصبه الجديد إلى منزله ، ولم يجلس مع أبيه أو والدته إنما صعد إلى منزله على الفور .
وفي رأسه أفكاراً شتى ومن أهمهم مهمته الذي لا يفكر إلا بها ، أخرجه من شروده ، صوت هاتفه .
فكان صديقه شريف الذي يتواصل معه من فترة إلى أخرى ، من أجل مهمته وأبلغه جلال بما يحدث .
كانت مهجة تستمع إلى صوت باب المنزل وهو يُفتح فقالت لنفسها : أهوه جه أهوه يا ناس حد يقوله كفاية كده ظلم ليه .
كانت تنتظر أن يدخل عليها لكنه تجاهل وجودها كعادته ، شعرت أنها في هذه اللحظة ، تريد الفرار من هذا المنزل وأن تهرب منه إلى الأبد .
بعيداً عنه حتى لا تراه مرةً أخرى ، ولكن كيف وعقد زواجهما التي ارتبطت به معه ، ومهمته التي لن تكتمل من دونها .
دلف جلال إلى غرفته وقام بتغيير ثيابه ، وتمدد على الفراش مفكراً في الحفلة الذي سيذهب إليها غداً وبصحبة من زوجته ومصيبته الكبرى الذي يخشى من تعاملاتها مع هؤلاء الناس .
تنهد بضيق وهو يتذكر آخر كلماتها معه متذكراً عينيها وهي تحدثه مالم ينطق به لسانها ، تأفف قائلاً بضيق : ماشي يا مصيبة إنتي .
صُدمت نوال أكثر من كلمات ياسين وإلتجم لسانها ، فهذا هو ياسين لقد تجرأت عليه أكثر من مرة ، من غير أن تعلم أنه هو .
ولكن ها هو يقف أمامها ويهينها أمام والدته بشدة ، شحب وجهها وهي تحدق به بصمت مذهول ، حزين ومشاعر أخرى شتى تشعر بها ، فنطقت الأم قائلة باستغراب : إيه ده يا ياسين يا بني ، إنت تعرف نوال ولا إيه من قبل كده .
تجهم وجه ياسين قائلاً لها بسخط : إنتي إزاي يا ماما تدخلى الأشكال دي بيتنا ، اتسعت عينيّ والدته بصدمة قائلة باستغراب : عيب يا ياسين إيه كلامك ده ، فيه حد يقول كده بردو .
فقال لها بضيق : أيوة هأقول واتكلم عادي ، لما تدخلي واحده زي دي بيتنا كده وتقعديها معاكي كإنها مننا كمان .
شعرت نوال أنه سيغشى عليها في الحال من كثرة كلماته المهينة لها والتي شعرت بجرح شديد لكرامتها وداخل قلبها الذي يتألم مما يلاقيه هذه الأيام من صعوبات ويأتِ هو ويزيد الأمر سوءً ، ولم تستطيع الرد سوى بأنها تحجرت الدموع داخل مقلتيها .
فقالت له والدته بحنق : ياسين كفاية إيه الكلام الفارغ ده عيب عليك البنت في بيتك .
عقد ذراعيه أمام صدره بكبرياء قائلاً لها بسخرية : عيب دي تتقال علشان بنت محترمة لكن دي …… قاطعته والدته قائلة له بغضب : إوعى تنطق تاني بكلمة زياده فاهم ، نوال أنا اللي ندهتلها ودخلتها البيت علشان هيه عروستك اللي منقياها ليك من قبل ما تيجي من سفرك .
ابتسم بتهكم غير مصدق ما يسمعه ، مشيراً لها بيده قائلاً لها بسخرية : مين دي اللي عروستي يا ماما ، إيه الكلام العجيب اللي بتقوليه ده .
هبت نوال معترضة ، واقفة بقدمين ثقيلتين كالحجر ، من كثرة ما سمعته من إهانات لشخصها ، غير شعورها باليُتم الشديد في هذه اللحظة ومن فقدانها لمهجة زادها هذا الإحساس ، لمعت الدموع بعينيها وهي تستمع إلى كلماته المهينة المتوالية .
صاحت به والدته قائلة بانفعال : إطلع بره يا ياسين دلوقتي …. فأشار إلى نوال بحدة قائلاً لها بتهكم غاضب : بتطرديني علشان خاطرها يا ماما .
فقالت له بحدة : أيوه …. بقولك إطلع بره ….. لكن ياسين ظل واقفاً يتمعن في وجه نوال الشاحب من الإهانات الكثيرة التي توجهت إليها منه وقال لها بتحدي أكثر : آسف يا ماما مش هطلع بره ، ومش ناوي أسمع كلامك علشان واحده متستهلش .
وقبل أن تنطق والدته بحرف واحد ، صاحت به نوال بصوت وقلب مجروح : كفاية كده ….. كفاية بقى …. أنا مش هسمحلك تجرحني وتهين فيه وفي كرامتي أكتر من كده فاهم .
صُعق ياسين من ردة فعلها ، محدقاً بها بأعين واسعة مصدومة ، ولم تتحدث والدته ، بل كان وجهها باهت لا تستطيع أن تعترض على كلماتها .
اقتربت منه نوال بحدة وأشارت بأصبعها أمام وجهه قائلة له بغضب : مش هسمحلك تتعدى حدودك معايا أكتر من كده وأنا اللي طالعة مش إنت .
تركتهم وانصرفت مسرعة ، إلى غرفتها فوق السطح ؛ قبل أن يتحدث أحد منهم وتمنعها والدته ، أغلقت وراءها الباب بسرعة وجلست وراءه تبكي بكاءً لن تبكيه من قبل قائلة من وسط دموعها : كفايه بقى يا مهجة وارجعيلي ، أنا تعبت أوي وبتهان كتير وانتي بعيدة عني .
اتسعت عينىّ حوده بصدمة شديدة وهو يشاهد الفيديو على شاشة أحد كاميرات المراقبة .
قائلاً لنفسه بصدمة : يعني مهجة اتخطفت مني على طول ومن بعد ما ركبت العربية السودة دي ، مابنتش فعلاً من اليوم ده .
صاح حوده قائلاً للشاب : بسرعة عيد المشهد ده تاني كده ، أعاد الشاب المشهد وشاهد يداً تجذبها بقوة لداخل السيارة الفارهة .
فصرخ بالشاب قائلاً له بقوة : بسرعة إديني الفيديو ده محتاجه ضروري دلوقتي .
أخذ حوده الفيديو وهرع إلى قسم الشرطة ، على أمل أن يعرف شيئاً ما عنها ، فقال لنفسه : يا ترى مين اللي أخدها معاه كده مرة واحدة وفي عربية فخمة زي دي .
قابل حوده أحد الضباط وحكى له ما حدث معه ، ناوله الكارت الذي يحمل الفيديو .
فقال له الضابط : طب إتفضل إنت دلوقتي وأي خبر جديد هنبلغك بيه أكيد .
كل هذا كان يتذكره حوده في اليوم التالي وهو يجلس فوق مقعداً في أحد المقاهي ، مما جعله شارداً بحزن طيلة الوقت .
في المساء في نفس اليوم كانت مهجة بالمرحاض ، تأخذ حماماً دافئاً ، وبعد قليل خرجت منه ، مرتدية منامة وفوق شعرها تضع منشفة ، أخذت تجفف بها شعرها ، وهي شاردة فيما يحدث معها بسببه ، ولم تنتبه لوجود أحد الأشخاص الجالس على مقعداً ويضع قدماً فوق الأخرى بكبرياء شديد ، أبعدت مهجة المنشفة عن شعرها ووجهها وأمسكتها بيدها ، وحانت إلتفاتة منها ناحية هذا الشخص .
تيبست مهجة بصدمة في مكانها ، وشحب وجهها بذهول تام ، حتى أنها أسقطت المنشفة بتلقائية على الأرض .
هب جلال من مقعده ووقف أمامها يتمعن في وجهها وهو يضع يديه في جيب بنطاله .
قائلاً لها بضيق : مالك إكده ، شكلك إتغير جوي ليه أول ما شفتيني ، إوعاكِ يغمى عليكي فاهمة .
حاولت مهجة ضبط أعصابها قائلة له باضطراب : آني …. آني مفياش حاجه واصل ، وحاولت أن تبتعد عنه بعفوية .
تجاهل جلال كل هذا قائلاً لها بصرامة : إسمعيني كويس في الكلمتين دول .
سألته مترددة : خير يا بيه آني عملت حاجه تاني ، تنهد بضيق قائلاً لها : لأ معملتيش بس إسمعيني كويس لكل كلمة هجولها دلوك .
حاولت ضبط أعصابها بالرغم عنها قائلةً له : اتفضل يا بيه جول ما تتكسفش ، حدجها بضيق قائلاً لها بهدوء ظاهري : آني معزوم بكرة في حفلة مهمة جوي جوي بكرة ؛ وده جزء من مهمتك إمعاي فاهمة .
تأملتله كالبلهاء ؛ فارغة الفم  قائلة له : لأ مش فاهمة أي حاجه يا سعات الباشا ، تماسك أمامها كي لا يتهور عليها بأذيتها قائلاً لها بصرامة : الحفلة دي مهمة جوي  ولازم أحضرها ومهم حضورك امعاي ، يعني تجدري تجولي إكده إن مهمتنا هتبتدي من بكرة يا مهجة بإذن الله فهمتي .
انتفض قلبها من الخوف واقتربت منه بتلقائية ناظرةً في عينيه قائلة له بتساؤل : وانت هتحميني يا سعات الباشا .
أغمض عينيه للحظه ثم فتحهما وتواجهت عينيه الواسعة مع عينيها قائلاً بهدوء : متخافيش يا مهجة هكون وياكي ، بس أهم حاجه لازم تسمعي لكل حرف هطلبه منيكي اهناك ، وتكوني واعية لكل اللي بيدور حواليكي فاهمة .
هزت رأسها بالموافقة قائلة بعفوية :آني إكده إطمنت طالما إنت امعاي يا بيه منيش هخاف واصل .
تطلع جلال لها بغموض صامت ولن يجيبها ثم ابتعد عنها ليغادرها ، فأسرعت مهجة وراءه تقول له بتوتر : يابيه أنا عايزة أطلب …. طلب منيك دلوك .
تنهد بضيق قائلاً لها باستفهام : طلب إيه دلوك  يا مهجة ، فقالت له بهدوء مضطرب : كنت عايزة …… عايزة …… نعيمة معاي إهنه ، حدق بها قائلاً لها بضيق : بس آني جُلت هجيبها بس مش دلوك وانتي خابرة إكده .
جاء ليتركها بعد أن أنهى كلماته ؛ أمسكت بيده برفق قائلة له : علشان خاطري يا بيه ، آني عايزاها وياي .
تطلع ليدها الممسكة بقبضته قائلاً لها وهو يتأفف : ما سعاد بتطلعلك إهنه كل شوي وبتجيبلك الوكل اللي رايداه كمان ، هزت رأسها قائلة له برجاء : بس مش بتونسني .
تنهد قائلاً لها بضيق : يعني إيـــه الحديت الماسخ ده عاد ، فقالت له تترجاه مرةً أخرى : أصل بخاف بالليل وآني لوحدي وانت خابر إكده يا باشا ونعيمة بتبجى إمعاي معظم الوجت وبتاخد بحسي .
زفر بغضب متذكراً عندما بات معها بسبب خوفها هذا قائلاً لها بتفكير : حاضر هجيبهالك بكرة والأمر لله إياك تبطلي لح عليّ .
فرحت مهجة ولم تصدق أذنيها ؛ أنه وافق بهذه السرعة ، فأسرعت برفع يده التي مازالت بين قبضتيها الصغيرتين بالنسبة له .
وقبلتها بنعومة في راحته ووضعتها على وجنتها بسعادة وهي تبتسم ابتسامة ، مختلفةً هذه المرة  ، محدقة به بكل مشاعرها التي تحمله له بين جنبات قلبها قائلة بسعادة : شكراً يا بيه  .
انعقد حاجبيّ جلال بذهول وهو يتفحص وجهها بتساؤل ، لما كل هذه السعادة المفرطة لمجرد أنه وافق على طلب بسيط مثل هذا .
انتبهت مهجة ليده التي في يدها والموضوعة بجانب وجنتها ، فارتبكت لما تفعله وهي تبعدها عنها ؛ شاعرةً بالإحراج الشديد  .
أشاحت ببصرها بعيداً عنه ولم تستطع النطق ، من الخجل فقال لها باختصار : بكرة تبجي جاهزة للحفلة زي ما جلتلك ونفذي كل اللي أجلهولك فاهمة .
ألقى بكلماته تلك وتركها دون أن ينتظر جوابها ، 
أغلقت خلفه الباب ، بقلبٍ مرتجف لما تجرأت وفعلته الآن .
ما أن ركبت ولاء السيارة بجوار عادل ، حتى انتفض قلب مريم من الخوف والقلق عليها ، تساءلت بينها وبين نفسها ، كيف ستتصرف هذه المرة كيف .
زرعت الغرفة مجيئاً وذهاباً ، من شدة خوفها عليها ، إلى أن شعرت أنها يجب أن تفعل شيئاً ما من أجلها لكنها تجهل ما هو .
مر ساعتان وهي لا تزال تفكر ماذا عليها أن تفعل ، إلى أن وجدت صوت وصول رساله إليها على هاتفها أخرجها من الشرود هذا .
فتحت الرسالة بيدٍ مرتعشة وانقبض قلبها أكثر وهي تقرأ محتواها بعينيها والدموع تلتمع في عينيها وهي تقول لنفسها بعذاب : آني جولتلك ما تمشيش من إهنه .
مسحت دمعة فرت من عينيها بقوة قائلة بثقة : أنيّ جايلاها وإياك تجربلها يا حجير يا واطي .
أسرعت بارتداء ثيابها بسرعة ، وأخذت حقيبة يدها وانصرفت مهروله ، وتقول : يارب احميها وجيب العواجب سليمة يارب .
لمحت مريم سيارةً بالأجرة ، فأوقفتها متطلعة إلى صاحبها الذي يبدو عليه أنه في الخمسين من العمر قائلة له بأمل : ممكن توديني القاهرة دلوك ، حدق السائق بساعة يده .
قائلاً لها باستغراب : بس الوجت متأخر ، يا بتي إنتي مش شايفة إكده فقالت له بإلحاح : معلش ده مشوار ضروري دلوك وآني زي بتك بردك .
أغمض عينيه ليفكر قائلاً بعد عدة ثوان : اركبي وانتي لولا إنك زي بتي مكنتش وافجت أوصلك.
ابتسمت باضطراب وهي تركب داخل السيارة في الخلف قائلة له : متشكرة جوي جوي ، ابتسم وهو يقود السيارة قائلاً لها : مفيش داعي تشكريني يا بتي ده شغل وواجب عليّ مسبش بِنته زيك لوحدها إكده .
ابتسمت مريم بارتباك قائلة له : طب آني هجولك على العنوان ودلني عليه .
هز رأسه بالموافقة قائلاً لها : إنتي تؤمري يا بنيتي .
وصلت ولاء معه إلى القاهرة  بالسيارة أسفل أحد البنايات ؛ بعد أن أخبرها بانتظار أصدقاؤه لهم في منزله ليخرجوا جميعاً ويحتفلوا معاً .
تلفتت ولاء حولها عندما دخلت إلى منزله ؛ ولم تجد أحداً سواها ؛ فارتعدت يديها على الهدية التي تحملها بها ؛ تأملها عادل قليلاً قائلاً لها بعبث : إيه مالك ما تقعدي واقفة كده ليه ؛ ارتبكت من نظراته وجلست على أريكةً خلفها في بهو المنزل قائلة له بتردد : هوه إنت مش جولتلي إن إصحابك جايين إهنه النهاردة بردك ؛ جلس بجانبها وهو يحاول أن يجد كذبةً ما ، لتصدقها قائلاً لها بحب مزيف :  طبعاً جايين يا عمري وكلنا هنخرج سوا كمان ؛ ناولته هديتها باضطراب قائلة له بصوت مرتجف : اتفضل كل سنة وانت طيب ؛ اقترب منها عادل أكثر قائلاً لها : إيه يا حبيبتي ؛ هتناوليني الهدية كده لوحدها مفيش حاجه تانيه معاها ولا إيه ؛ ده حتى النهاردة عيد ميلادي يعني ؛ ابتلعت ريقها بصعوبة وشحب وجهها قائلة له بتساؤل : تجصد إيه …..
اقترب منها أكثر وأكثر وأمسك خصلة من خصلات شعرها المنسدل على كتفيها قائلاً بهمس : أقصد إنك ….. قطع كلماته وهو يحدق في شفتيها ثم مد أنامله تتلمس شفتيها برفق .
فشعرت بالقلق والتوتر من نظرات عادل لها وهو يتلمسها بهذه الطريقة فحاولت الإبتعاد عنه ؛ فجذبها أكثر وهو يحيطها من خصرها ؛ محاولاً ضمها إلى صدره بقوة ؛ فارتجف قلبها من الخوف وانتزعت نفسها من بين ذراعيه .
وهبت واقفة بسرعة من جواره وجسدها يرتعد من الاضطراب قائلة بذعر : عادل إكده عيب ميصحش بردك إللي بتعمله دلوك .
نهض ووقف بالقرب منها يحاول التودد إليها من جديد قائلاً لها بمكر : إيه يا لولو الكلام ده ؛ إحنا مش بنحب بعض بردو ولا إيه ؛ ولا شكلي أنا بس اللي حبيتك وإنت لأ .
ارتبكت عند هذه الكلمة قائلة له بلهفة : متجولش 
إكده يا عادل ؛ إنت خابر زين مشاعري من ناحيتك وإلا مكنتش جيت النهاردة واصل .
فلمس كتفيها برقة أذابتها ؛ جعلت قلبها يخفق بدقات متسارعة قائلاً بهمس خبيث : طب طالما مشاعرك كده من ناحيتي ؛ ليه متكونيش ملكي أنا وبس يا لولو ونعيش أيامنا مع بعض من غير ما تفارقيني .
شحب وجهها ثم ضيقت حاجبيها بعدم فهم قائلة له بتساؤل : تجصد إيه من حديتك ده .
أحاط عادل خصرها بذراعيه مرةً أخرى ليؤثر عليها قائلاً لها بخفوت : أقصد إنك متبعديش عني تاني يا لولو وتعيشي معايا هنا في شقتي على طول .
قالت مريم لسائق السيارة الأجرة : بسرعة الله لا يسيئك ؛ فرد السائق قائلاً بهدوء : مجدرش أسرّع أكتر من إكده .
تلفتت مريم حولها قائلة له برجاء :  معلش اتحملني انت مش جلت إن زي بنتك بردك ، هز رأسه قائلاً لها : ما إنتي فعلاً زي بتي  وهوصلك مطرح من انتي عايزة .
أخيراً وصلت مريم بأسفل البناية المكتوب عنوانها بهاتفها ؛ ترجلت من السيارة بسرعة قائلة للسائق : اتفضل إجرتك يا راجل يا طيب .
أخذها منها وهو يبتسم لها ؛ شجعها ذلك على قولها بتردد : مينفعش تستناني إهنه عشر دجايج بس وهعاود امعاك البلد تاني .
استغرب السائق في نفسه ورد قائلاً لها بدهشة : هستناكي يا بنيتي وماله .
أسرعت مريم بالصعود إلى الطابق الثالث ؛ ووقفت أمام باب المنزل مترددة وقلب يرتعش من القلق والخوف .
اقتربت مريم من الباب وجاءت لتمد يدها لتطرق 
عليه بحذر ؛ تناهى إلى مسامعها صوت صرخات مكتومة مصحوبة بأنين أليم تقول صاحبتها بعذاب : إبعد عني ….. إبعد عني …… 
إلى هنا إلتمعت عينيّ مريم من الحزن وهي تروي كل هذا للدكتور يحيي ، الذي مازالت ملامحه جامدة ، كلما تنقلت بروايتها تلك ، كانت عضلات وجهه تتأثر بها مع كل حرف تنطق به ، دون مقاطعتها قائلةً له بألم شديد : آني آسفه يا دكتور يحيي ….. مش جادرة أتكلم أكتر من إكده النهاردة إعذرني . 
حدقت به برجاء بأن يتركها و يصدق حكايتها دون إخبار أي شخص آخر بها ، هب من مقعده بغضب وعينيه تُعبران عن ما بداخله من مشاعر مختطلة أيصدقُها أم يُكذبها ولا يستطيع التعبير عنها بسوى ذلك الصمت المطبق .
تركها وغادر الغرفة دون أن ينبس ببنت شفه ، مما زادها حزناً وجراحاً لقلبها الملتاع ، بكت بحرقة قائلة لنفسها : أرجوك صدجني آني مظلومة ، آني مش خابره أتصرف من غيرك واصل .
دخل يحيي غرفة مكتبه بالمشفى وأستبدل ثيابه ، وفر هارباً منها بقلبٍ غاضبٍ ، حائر .
فها هي تحكي له نصف حكايتها تلك وقلبه غاضب بسببها .
قاد سيارته لا يعلم إلى أين يتجه بالتحديد  ، ولا يستطيع أن يتحدث عن ما بداخله ، من تفكير وأسئلة كثيرة متعددة يريد الإجابة عليها الآن .
كان في هذه الأثناء جلال يتجول بجواده عنتر عندما لمح سيارة شقيقه يحيي آتيه من بعيد ، فاتجه صوبه .
لمحه يحيى من وسط شروده قائلاً لنفسه : جلال في وجت متأخر إكده ، غريبة .
أوقف يحيي سيارته بالقرب منه ؛ عندما توقف شقيقه بجواده ، ترجل منها واتجه ناحيته ، هبط جلال هو الآخر من أعلى الجواد .
ابتسم له قائلاً له : جناب العمدة صاحي ليه لدلوك ، تنهد جلال قائلاً له : أبداً مجاليش نوم ، فجولت اتمشى شوي بعنتر .
استغرب يحيي قائلاً له : وإيه اللي يخلي عريسنا ما ينامشي لدلوك ،
تنفس جلال بعمق وهو ينظر إلى الأفق أمامه .
قائلاً له بشرود : مفيش حاجه ، بس لجيتني إكده مليش مزاج أنام ، حدق به بتساؤل : وتسيب مرتك لوحديها إكده يا جناب العمدة .
رمقه جلال بدهشة فهذه أول مرة يتدخل شقيقه الأصغر في خصوصياته .
قائلاً باختصار : ما هي مش لوحدها أبوي وأمي ونور في الدوار ، فقال له : لكن يا جناب العمدة دي لسه متنفعش تسيبها إكده لحالها ، لسه مأخدتش علينا ولا على طبعنا.
تنهد جلال بحيرة قائلاً لنفسه : أهوه ده اللي خايف منيه ، يا يحيي ، وخايف من تصرفاتها الطايشة اللي ممكن تودينا في داهية من غير ما ندرى .
تهرب جلال بنظراته بعيداً قائلاً ليحيي :  سيبك مني دلوك ، وجولي إيه اللي مخليك متغير إكده على رأي أبوي .
زفر يحيي بضيق قائلاً له : مفيش يا عمدة ، هوه يمكن تلاجيني بس من ضغط الشغل في المستشفي .
حدق به بغموض قائلاً له : يحيي بس آني مش أبوك تضحك عليه بكلمتين ، آني جلال أخوك اللي فاهمك أكتر من نفسك ، وخابرك زين يا ولد أبوي .
حدق به بصمت عند هذه الجملة قائلاً بضيق : ما خبرش إيه اللي بيحصل امعاي يا أخوي ، كل اللي خابره إن آني حاسس إني فيه دوامة كبيرة ومنيش خابر كيف أطلع منيها .
اقترب منه جلال أكثر قائلاً له بتساؤل : تجصد إيـــه يا ولد أبوي ، ابتعد يحيي عنه وأولاه ظهره ، ووضع يده في جيب بنطاله قائلاً بحيرة : منيش خابر يا أخوي ، ولو كنت فاهم إيـــه اللي بيحصل إمعاي مكنتش أبجى إكده .
وقف جلال في مواجهته قائلاً بقلق : شكلك إكده الموضوع كبير ومش هينفع الحديت بينا في الشارع إكده ، تعالي نجعدوا نتحدتوا في الدوار أحسن .
هز يحيي رأسه بالموافقة ، قائلاً له : ماشي يا أخوي .
صعد جلال إلى منزله وهو يتحدث مع نفسه كثيراً بعد حديثه المطّول مع شقيقه مما جعله يفتح باب منزله ويتجه بتردد إلى غرفة مهجة ، فتح الباب بهدوء ، متجهاً إلى داخل الغرفة ، فوجدها نائمة وشعرها يخفي جانب وجهها الأيمن وعينيها أيضاً .
اقترب منها ببطء متفحصاً لها بنظراته الغامضة لها ، كلما تلاقت أبصارهم معاً ، وقف بجانب فراشها ، لعدة ثوان .
انحنى فوق رأسها وأبعد شعرها برقة عن وجنتها وعينيها وأزاحهم وراء أذنها متفحصاً لمحياها دون أن يعرف لماذا يفعل ذلك .
تململت في مكانها ببطء ، كأنها تشعر بوجوده ، جاء ليبتعد عنها بسرعة فوجىء بنفسه ، يرتد جسده إلى الوراء عدة خطوات غير منتظمة ، فقد وجدها تدفعه بيدها في صدره وهو منحني عليها .
واستكملت نومها دون أن تشعر ؛  ماذا فعلت به ، ضم جلال قبضتيه بغضب قائلاً لنفسه بحنق : الغبية …. مش واعية للي بتعمله …  
شعر جلال بداخله بالغيظ ، مما جعله يتراجع للخلف أكثر ويعود أدراجه ناحية غرفته .
وصلت سيارة جلال أمام فيلا مصطفى محرم ، ترجل منها مجدي سائقه أولاً وفتح الباب لجلال  .
هبط منها جلال وإلتف الناحية الأخرى ، فتح الباب لمهجة ، مدت يدها إليه متردده ، تمسك بها جيداً ، فقد كانت ترتجف يدها في قبضته .
جعلها تتأبط ذراعه وهو يحدجها بنظرات عينيه المحذره ، انقبض قلبها من الخوف وهي تقول له بهمس : آني خايفة يا بيه .
انحنى بوجهه ناحية أذنها بسخط قائلاً بحدة : جلتلك متخافيش كذا مرة جبل إكده .
هزت رأسها بالموافقة على عجالةً من أمرها فقد وجدت نفسها معه داخل البهو ، ومصطفى محرم يقترب منهم والأبتسامة المزيفة تملىء وجهه .
قال لها بهمس : ده صاحب الحفلة مصطفى محرم واللي هتدخلي مكتبه وتعملي اللي جولتلك عليه فاهمة .
ارتعش قلبها محاولة أن تهدئه قائله بخفوت : حاضر ربنا يستر ، وقف مصطفى في مواجهتم وهو يقول بابتسامة مصطنعه : أهلاً أهلاً …. بكبير البلد وعمدتها جلال بيه .
صافحه جلال وهو يرسم ابتسامة هادئة على وجهه ، قائلاً باختصار : أهلاً بيك يا مصطفى بيه .
حدق بوجه مهجه قائلاً لها بهدوء : ألف مبروك يا هانم ، حدجت زوجها بتردد قائلة له : الله يبارك فيك يا مصطفى بيه .
جاءت زوجة مصطفى تقول : أهلاً وسهلاً بيكم إزيك يا جلال بيه شرفتنا بوجودك النهاردة ، ثم مدت يدها مصافحة لمهجة قائلة : إزيك يا ….. وقبل أن تجيبها مهجة بإسمها أجابها جلال قائلاً لها بهدوء : ياسمين ده إسمها .
وجد يحيي والده يجلس داخل غرفة المعيشة بصحبة نور واستمعها تقول : أني يا أبوي جعدت كتير ولازم أسافر ورايا محاضرات كتيرة .
فقال لها اسماعيل : بس يا بتي لساته العمده متجوز جديد وعايزة تهملينا لحالنا إكده .
تنهدت قائلة له : غصب عني يا أبوي ، تدخل يحيي قائلاً له : سيبها براحتها يا أبوي متجبرهاش ، ميته هتسافري وابجى أوصلك بعربيتي ، هزت رأسها باعتراض قائلة : بعد يومين كمان ، والسواج اللي ابوي بيأجره ليه بيوصلني متحملش همي ما انتاش ناجص شغلة .
تنهد يحيي قائلاً لها : لكن يا نور …. قاطعته قائلة بثقة : خلاص يا دكتور يحيي متغلبش  نفسك إمعاي واصل .
حدجهم اسماعيل قائلاً لهم : آني هوصلك بنفسي يا نور يا بتي ، إيه رأيك بجى .
ابتسمت بسعادة قائلة له : صحيح يا أبوي ، ابتسم لها قائلاً لها : هوه ؟آني عندي كام نور ، مفيش غيرها واحده في كل دنيته ، ألقت نفسها بين ذراعيه بتلقائية : تسلملي يا أبوي .
تركتهم نور وتأمل اسماعيل وجه يحيي قائلاً له : عامل إيــــه يا دكتور يحيي ، فقال له : بخير يا أبوي .
فقال له بتساؤل : وعامل إيه في شغلك يا ولدي ، تنهد قائلاً له : كويس يا أبوي .
جاءتهم فاطمة تقول : كويس يا ولدي إنك جيت بدري تعالى جوم كل ويانا ، بجالك يومين مهملنا ومش بتجعد امعانا .
ابتسم لها قائلاً : حاضر يا أماي وأديني جيت بدري علشان خاطرك عندي ، فقالت بحب : تعيش يا ولدي .
وضع ذراعه بحنان وضم والدته إلى صدره قائلاً لها : وياترى عملالنا وكل إيــــه النهاردة .
قالت له : عملالكم دجية ورج عنب وبط وملوخية وطاجن بامية باللحمة المفرومة .
ضحك يحيي قائلاً لها : شكلي مش هجدر أروح المستشفى تاني النهاردة فاستغربت والدته قائلة : ليه يا ولدي فقال لها : حد ياكل وكل بالشكل ده ويبجى عايز يروح شغله .
ضحك هنا إسماعيل قائلاً له : شايفة يا حاجه آدي آخرت وكلك الحلو مش هيروح للمرضى بتوعه .
فقالت له : واه يا حاج خليه ياكل ده بيتعب كتير في شغله ، قال لها يحيي : تعيشي يا أماي حاسه بيه من زمان .
هز اسماعيل رأسه قائلاً لهم : شكلنا هنعاود للدلع تاني والدكتور حبيب أمه .
ضحك يحيي قائلاً له : لأ خلاص يا أبوي حرمت آني آسف مفيش دلع يا اماي .
فقالت له والدته بضيق : واه لساتك عندي صغير يا دكتور مهما تكبر يا ولدي وإوعاك تنسى إكده ثم نظرت لزوجها قائلةً له : وأني هفضل أدلعه إكده يا حاج على طول إيه رأيك بجى .
زفر اسماعيل بضيق مصطنع وسبقهم إلى مائدة الطعام ،
قبلها يحيي في جبهتها قائلاً لها : تسلميلي يا أماي يالا وكليني آني وأبوي جبل الوكل ما يبرد .
يعني إيه يا ياسين كلامك ده فهمني ، نطقت بها أم ياسين بصدمة غاضبة ،  بعد أن صارحها بالحقيقة بعد انصراف نوال من الغرفة ، صمت ياسين قليلاً ثم قال لها : يعني أنا خاطب واحدة تانية بحبها يا ماما وبتسافر معايا كمان ، ثم ازاي تخطبيلي واحدة كده وخلاص من غير ما أعرفها .
تنهدت أم ياسين بعدم تصديق لما يقوله ابنها قائلة له بصدمة : وازاي تخطب من ورانا أنا وأبوك  يا ياسين .
أشاح بوجهه بعيداً قائلاً لها بضيق : دي واحدة زميلتي وبنحب بعض ووعدتها انني هخطبها قريب ، ده غير إن باباها عارف وموافق كمان .
تهاوت والدته جالسة على الأريكة قائلة له : أنا مش مصدقة ان ابني الوحيد يعمل فيه كده ، إزاي قدرت على نفسك فهمني .
أغمض عينيه بضيق ثم التفت إلى والدته قائلاً لها : ماما أنا آسف ….. أنا عارف إني غلطت ، لكن غصب عني وأنا كنت هقولكم طبعاً.
صاحت به وهي غاضبة بقولها : هتقولنا إمتى بعد ما تتجوز ولا إيه …. ها ، والبنت المسكينة دي اعمل معاها إيه .
اقترب منها قائلاً برجاء : ماما أرجوكي افهميني ، انا مقدرش أعمل أي حاجه من غير ما أبلغك ، بس ظروفي جات كده وكنت ناوي أقولك بس لما ييجي وقته ثم صمت قليلاً يلتقط أنفاسه وأردف قائلاً لها : أما البنت دي فا هيه مش مسكينة زي ما بتقولي ، ولا زي ما انتي فاكرة وأنا اللي هتصرف معاها متقلقيش بطريقتي .
ازاحته بعيداً عنها بصرامة قائلة له بحزم : سيبك من الحجج الفارغة دي ، مفيش ظروف تمنعك من انك تبلغني بالحقيقة كلها ، ونوال ملكش دعوة بيها وإياك تأذيها وكفاية إهانه لكرامتها أكتر من كده فاهم .
قالت كلماتها وانصرفت ، من أمامه ، شعر بالغضب أكثر والسخط بداخله عن ما بدر من والدته من أجل تلك الفتاة المزعجة .
كل هذا يتذكره ياسين وهو جالس فوق مقعدٍ فوق سطح منزلهم ، منتظر عودة نوال من المتجر .
فقد علم ببعض معلومات تخصها من شقيقته مها وأين تعمل ومنذ متى وهي تقطن هذه الغرفة المتواضعة الحال ، فجلس هنا بانتظارها ، ليحدثها ويبعدها عن طريقه للأبد بطريقته الخاصة .
كان يجلس بشرود عندما أيقظته صوت خطوات آتٍ من خلفه ، فالتفت وراءه  فوجدها هي ، هب من مقعده بسرعة عند رؤيتها ، تيبست نوال في مكانها عندما وجدته يقترب منها بخطوات ثابتة ، اشتعل قلبها من الغضب متذكرة كل حرف من اهاناته لها.
جبرت نوال نفسها على التحرك من أمامه والدخول إلى غرفتها للهرب منه ؛ فركض خلفها بنرفزة وعناد ، أمسك بمعصمها بعنف ، قائلاً لها بعصبية : إزاي تسيبيني وتمشي كده من غير ما تشوفي أنا عايز إيه .
تحجرت عينيها وهي تحدق في عينيه مباشرةً بكل غضبها منه قائلة له بثبات : نعم عايز مني إيه تاني ها …. ولا تكون جاي تكمل إهانتك ليه هنا كمان مرة .
ضم شفتيه غاضباً بقوله لها بصرامة : لأ جاي أنهي المسرحية بتاعتك دي .
عقدت حاجبيها بصدمة وعدم استيعاب ، ثم جذبت ذراعها من قبضته قائلة له بغضب : مسرحية إيه دي إن شاء الله اللي بعملها ، رمقها بنظرات شرسه وأشار بيده ناحية الغرفة قائلاً لها بحدةٍ غاضبة : إنتي لازم تسيبي الأوضة دي دلوقتي حالاً فاهمة .
يتبع..
لقراءة الفصل الثامن عشر : اضغط هنا
لقراءة باقي حلقات الرواية : اضغط هنا
نرشح لك أيضاً رواية حبيبة بالخطأ للكاتبة سهير علي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى