recent
أخبار ساخنة

رواية امرأة العُقاب الفصل السابع عشر 17 بقلم ندى محمود توفيق

jina
الصفحة الرئيسية

 رواية امرأة العُقاب الفصل السابع عشر 17 بقلم ندى محمود توفيق

رواية امرأة العُقاب الفصل السابع عشر 17 بقلم ندى محمود توفيق

رواية امرأة العُقاب الفصل السابع عشر 17 بقلم ندى محمود توفيق

ارتدت الملابس الطبية الخاصة بالزيارة .. ووقفت أمام باب غرفته للحظة تسحب أنفاسها لصدرها في راحة ثم تخرجها زفيرًا متمهلًا ، وعلى ثغرها ابتسامة سعادة وشوق .
فتحت الباب ببطء شديد حتى لا تسبب إزعاج ، ودخلت ثم اغلقته خلفها ببطء أشد من السابق ، استدارت بجسدها له ورأته نائم في الفراش والأجهزة الطبية حول الفراش من الجهتين وبيده إبرة متصلة بانبوبة صغيرة تصل إلى زجاجة المحلول المعلقة بجانب فراشه .. تلألأت الدموع في عيناها في لحظة لكنها شدت على محابسهم بسرعة واقتربت بخطواتها الهادئة منه ، وقفت بجانب فراشه بالضبط واستغرقت لحظات قصيرة وهي تمعن النظر في وجهه الشاحب ، فلم تتمكن من حجز دموعها أكثر فانهمرت على وجنتيها بغزارة .. مدت يدها الناعمة وامسكت بيده الكبيرة ، احتضنت كفه بقوة تستشعر لمسة يده التي ترغب بالشعور بها لأول مرة .. وعيناها لا تتوقف عن زرف الدموع .
توقفت عن البكاء وتجمدت ملامحها حين شعرت به يضغط بوهن على كفها الممسك بيده ، وباللحظة التالية يفتح عيناه ببطء في تعب وتخرج همسة خافتة منه : 
_ جلنار 
تهللت اساريرها وعلت الابتسامة الواسعة شفتيها فور سماعها لصوته ورؤية عيناه ، طالعته بنظرة دافئة دون أن تجيب ، فمال هو برأسه بعض الشيء وتطلع لوجهها وعيناها الغارقة بالدموع فلاحت شبح ابتسامته الواهنة على شفتيه وهمس بصوت بالكاد يسمع وهو يزيد من ضغط يده على كفها : 
_ متعيطيش أنا كويس 
ردت عليه أخيرًا بصوت ناعم كلمسة يدها تمامًا بعينان معاتبة ودامعة : 
_ كنت عايز تفارقني واحنا متفقناش على فراق زي كدا 
ازدادت ابتسامته اتساعًا وحرك إبهامه بضعف على كفه الصغير يملس عليه متمتمًا بصوت بدأ يظهر عليه التعب الحقيقي : 
_ متخافيش .. طول ما فيا النفس .. يبقى .. مفيش فراق 
وضعت كفها الآخر فوق يده وملست على ظهره بلطف متمتمة باهتمام وقلق : 
_ طيب متتكلمش كتير عشان متتعبش .. وشد حيلك أنت بس وقوم بالسلامة يلا عشان هنا واحشتها اوي وكل دقيقة بتسألني عليك وعايزة تشوفك 
خرجت همسة خافتة بابتسامة جانبية بها بعض اللؤم : 
_ هنا بس ؟! 
ابتسمت وهي تشيح بوجهها الجانب الآخر في عدم حيلة منه ، ثم قالت بوداعة : 
_ أنا هطلع عشان مينفعش أفضل وقت طويل .. وإنت ارتاح 
سحبت يدها من بين يده ببعض الصعوبة كأنه لا يرغب بتركها ، ثم ألقت نظرة مطولة عليه تبادلا فيها النظرات قبل أن تستدير وتنصرف مسرعة .
خرجت وبدأت تنزع عنها الملابس الطبية فاقترب منها آدم وتمتم يسألها : 
_ كلمك ؟ 
هزت رأسها بالإيجاب في ابتسامة وهتفت : 
_ أيوة الحمدلله هو كويس .. بس طبيعي بيتعب من الكلام الكتير زي ما قال الدكتور فمخلتهوش يتكلم كتير وطلعت علطول 
تنهد آدم تنهيدة حارة براحة ، ثم ابتسم وطالعها بنظرة ذات معنى : 
_ الحمدلله .. وإنتي بقى ؟ 
فهمت ما يرمي إليه فبادلته الابتسامة وقالت بخفوت وهي شبه ضاحكة تعطيه الإجابة المقصود سؤاله من أجلها : 
_ بقيت كويسة .. المهم إنت مش هتدخل تشوفه 
_ لا لا أنا تمام .. وهو حالته مستقرة وكويس الحمدلله يعني ممكن بكرا الصبح يطلع من العناية وهشوفه
ثم استكمل كلامه في شيء من المشاكسة اللئيمة وهو يضحك : 
_ بعدين أنا اخدت ثواب فيكي إنتي وماما ، حالتكم تصعب على الكافر .. بس ماشاء الله اللي يشوفك وإنتي طالعة من عنده ميشوفكيش وإنتي داخلة 
رفعت جلنار حاجبها مبتسمة باستنكار وقالت بضحكة مكتومة : 
_ لم الدور يا آدم ! 
قهقه بصوت مرتفع قليلًا ثم هتف ببعض الجدية : 
_ طيب خلينا في الأهم .. تعالي نقعد شوية عايز اتكلم معاكي قبل ما توصل ماما وفريدة 
توقعت الأمر الذي يرغب في تبادل أطراف الحديث معها عنه ، فتنهدت مغلوبة على أمرها وسارت خلفه دون اعتراض .
                                    ***
ملازمة فراشها منذ ساعات وتعبث في هاتفها ، تتصفح موقع التواصل الاجتماعي ( الانستغرام ) .. ضغطت على منطقة البحث فارتفعت لوحة المفاتيح أمامها .. سكتت للحظة تهمس لنفسها بصوت مسموع : 
_ هو كان اسمه إيه .. آه آدم الشافعي 
كتبت اسمه باللغة الانجليزية فظهرت لها نتائج لأشخاص لا تعرفهم .. بحثت بينهم قليلًا حتى عثرت على ملفه الشخصي حيث كان يضع صورته ، ضغطت على الملف وفتح ، استغرق لحظات حتى يتم تحميل جميع الصور وبدأت هي تشاهد الصور واحدة تلو الأخرى وفي مقدمة الصور كانت صوره من داخل افتتاح ذلك المعرض .. صورًا كثيرة له مع أصدقاء له وعائلته وصوره بمفرده وبعضًا من الصور كانت مع فتيات من الطبقة المخملية أيضًا ، لكن الذي لفت نظرها أكثر شيء بين كل هذه الصور هي صوره الكثيرة التي تظهر فيها طفلة صغيرة معه .. صور جميلة يظهر بها مدى حبه لتلك الطفلة وهو يلتقطون معًا صورًا طريفة ودافئة .
توقفت عن التقليب بين صوره للحظة وهي تحدق في اللأشيء أمامها بشرود امتزج بالدهشة وهي تهز رأسها بالنفي وعدم الاستيعاب : 
_ لا لا أكيد مش بنته ! 
ارتفع صوت جدتها وهي تصيح منادية عليها من الخارج ، فالقت بالهاتف بجوارها على الفراش والقت هي الأخرى بجسدها ووضعت رأسها على الوسادة وتدثرت بالغطاء متصنعة النوم ! .. فتحت فوزية الباب ودخلت ثم قالت وهي تتجه نحوها : 
_ بت يا مهرة إنتي نمتي ؟ 
جلست بجوارها على حافة الفراش وهزتها برفق في كتفها متمتمة : 
_ مهرة قومي عايزة اقولك حاجة مهمة 
تأففت لتوقعها " الحاجة المهمة " التي ترغب بمشاركتها معها .. اعتدلت جالسة وهي تتطلع لجدتها بابتسامة مغلوبة وتهتف : 
_ نعم يازوزا ؟ 
فوزية بعفوية وبتساءل حقيقي : 
_ أنا سمعت الإعادة بتاعت المسلسل اللي بتسمعيه والحلقة خلصت على إن الولا ابو شعر اصفر ده اضرب بالنار .. هو هيموت ولا لا ؟ 
مسحت مهرة على وجهها وهي تتأفف بقوة أشد وهدرت بنفاذ صبر : 
_ ياتيتا ارحميني ابوس إيدك .. دي عاشر مرة تسأليني السؤال ده .. بعدين قولتلك اسمه اردا مش الولا الأصفر  
لوحت فوزية بيدها في قرف ثم قالت وهي تحاول نطق الاسم : 
_ اسمه إيه .. ارداف !! 
مهرة بصدمة : 
_ ارداف !! .. اه اسمه ارداف ياتيتا 
_ ما تخلصي قولي هيموت ولا لا يابت 
أمسكت بهاتفها عن طريق الخطأ وقالت بعدم حيلة : 
_ والله مش عارفة .. استني أما اكلملك ارداف واسأله هتموت ولا لا الحلقة الجاية ! .. أكيد معرفش يعني ما انا بتفرج معاكي زي زيك
لمحت فوزية صور آدم على الهاتف فقالت فورًا بدهشة : 
_ مين ده ؟!!
أدركت مهرة الخطأ الفادح الذي ارتكبته دون قصد وابتسمت ببلاهة متمتمة وهي تخفي الهاتف عن أعين جدتها : 
_ ده الولا الأصفر ارداف .. بس صبغ شعره وخلاه اسود 
جذبت فوزية الهاتف من يدها عنوة وهي تدقق النظر في صورة آدم وتهتف باستهزاء : 
_ لا مش هو .. ده احلى من ارداف اللي عامل زي صفار البيض ده 
قهقهت بصوت عالي وهتفت مهرة من بين ضحكها : 
_ إيه ده يازوزا إنتي بتعاكسيه قدامي ! 
تجاهلتها فوزية ولم تجب عليها فقط ظلت تتطلع في صورة آدم .. تحاول تذكر أين ومتى رأته ، حتى قفز الموقف وصورته في ذهنها فقالت مسرعة : 
_ مش ده الشاب اللي قابلانه عند الصيدلية وكان هيخبطني بالعربية ؟! 
هزت مهرة رأسها بالنفي حتى لا تفتح على نفسها ابوابًا من الأسئلة اللامتناهية .. وقالت نافية : 
_ لا مش هو يازوزا التاني كان بني آدم غتت ، ده واحد تاني 
فوزية بثقة تامة : 
_ لا هو أنا متأكدة ، الحمدلله لسا بعقلي وصحتي وفكراه كويس .. اسمه إيه كمان ؟
قربت الهاتف من وجهها أكثر لتستطيع قراءة اسمه وتمتمت تقرأ اسمه بصعوبة بسبب ضعف النظر : 
_ آ..دم .. الشافعي 
ثم نظرت إلى مهرة وقالت بنظرة ثاقبة : 
_ وإنتي عرفتي اسمه منين عشان تبحثي عنه ؟! 
لوت مهرة فمها مغلوبة على أمرها وقالت : 
_ المعرض اللي اخدتني سهيلة معاها ليه .. طلع هو صاحب المعرض  وعرفت اسمه من هناك 
_ المعرض اللي وقعت سلسلتك فيه ؟! 
_ أيوة هو يا زوزا .. على حظي النحس السلسلة متلاقيش غير هناك وتقع مني ! 
رتبت فوزية  على ذراعها بحنو متمتمة : 
_ ولا يهمك يابنتي .. متعرفيش الخير فين ، أنا هقوم انام وانتي كملي نومك 
اماءت لها بالموافقة وتابعتها وهي تنهض وتتجه نحو الباب ، فور انصرافها أخذت مهرة نفسًا عميقًا واخرجته زفيرًا قوي ثم أغلقت الهاتف ووضعت رأسها على المخدة من جديد ثم مدت يدها واطفأت ضوء الغرفة ، وبعد دقائق قليلة غاصت في ثبات عميق .
                                    ***
ارتفع رنين الباب فظنت انتصار أن جلنار قد عادت .. ضيقت عيناها باستغراب وهتفت وهي تسير نحو الباب :
 _ حاضر حاضر .. هو إنتي لحقتي تروحي تشوفيه ! 
وصلت إلى الباب ثم أمسكت بالمقبض وإدارته وجذبت الباب إليها .. فتصلبت بأرضها كالصنم حين رأت نشأت أمامها .
كانت هنا في الداخل وحين سمعت صوت رنين الباب ركضت وهي تهتف بحماس : 
_ ماما 
لكنها وقفت تحدق في جدها بدهشة .. لم تراه منذ أكثر من شهرين وقاربت على ثلاثة أشهر ، فانطلقت منها صيحة عالية بفرحة : 
_ جدو ! 
انتبه نشأت على أثر صوتها الرقيق فعلت الابتسامة المشرقة وجهه وهو يتقدم خطوة للداخل وينحنى للأمام بجزعة فاردًا ذراعيه لها يحثها على الركض والانضمام لحضنه ففعلت الصغيرة فورًا والقت بجسدها الصغير بين ذراعين جدها الذي امطرها بوابل من قبلاته وهو يتمتم بشوق حقيقي : 
_ وحشتيني أووي ياحبيبة جدو 
هنا بصوتها الطفولي الساحر : 
_ وإنت كمان .. إنت كنت فين ياجدو ؟ 
أبعدها عنه قليلًا وحدقها بنظرة دافئة متمتمًا بأسف: 
_ سامحيني ياحبيبتي 
زمت هنا شفتيها بحزن وتمتمت : 
_ تعرف ، بابي تعبان وماما راحت تشوفه وقالتلي إنها بكرا هتاخدني عشان اروح اشوفه كمان 
نشأت ببعض الحزن المماثل لها : 
_ عارف ياحبيبتي ، متخافيش بابا هيبقى كويس إن شاء الله 
اعتدل في وقفته وتطلع لانتصار متمتمًا بنبرة عادية : 
_ عاملة إيه يا انتصار ؟ 
انتصار بمضض : 
_ بخير الحمدلله يانشأت بيه .. جلنار راحت تشوف عدنان يعني مش موجودة 
_ عارف يا انتصار أنا جاي اتكلم معاكي إنتي 
ظهرت معالم الحيرة على وجهها وضيقت عيناها باستغراب ثم افسحت له الطريق ليدخل وأغلقت الباب خلفه .. تحركت أمامه نحو الصالون وجلست على أحد المقاعد الواسعة وجلس هو على الأريكة المقابلة لها وفوق قدميه جلست هنا بين ذراعين جدها الذي أخفض نظره لها وقال بحب وهو يطبع قبلة فوق وجنتها : 
_ تعرفي تجبيلي ماية ياهنون ؟
هزت رأسها بالإيجاب في ابتسامة واسعة ثم نزلت من فوق قدميه تركض نحو المطبخ حتى تجلب لجدها الماء كما طلب منها .. بينما هو فهتف بإيجاز في نبرة مهتمة ولأول مرة تشعر انتصار بخوفه وحبه الحقيقي لابنته : 
_ أنا عارف إني لو كلمت جلنار وطلبت منها تيجي تقعد معايا لغاية ما عدنان يتحسن ، مش هتوافق .. فأنا جيت عشان اقولك بس واوصيكي بنتي وحفيدتي أمانة في بيتك يا انتصار .. وأنا هخلي رجالة تبعي يقفوا عند بوابة العمارة تحت عشان اكون مطمئن اكتر عليهم 
_ وكل ده ليه يعني ؟! 
_ عشان حادث عدنان كان مدبر .. وممكن اللي أذاه يحاول يأذي بنتي وحفيدتي وأنا مش هسمح بده ، صلاح بيراقب جلنار في كل خطوة ، وفي تلاتة هيبقوا تحت بيحرسوا العمارة ، لغاية ما يقوم عدنان بالسلامة وانا هتكلم معاه
ضربت انتصار على صدرها شاهقة بهلع وهتفت بخوف : 
_ يامصيبتي يعني ممكن يأذوا جلنار ؟ 
نشأت بحدة ونظرة قوية : 
_ قولتلك مش هسمح أن حد يمس شعرة من بنتي أو حفيدتي يا انتصار .. كل اللي طالبه منك بس إنك تخلي بالك عليهم وتبلغيني بكل تفصيلة بتحصل ، وكمان ياريت متقوليش لجلنار إني جيت أو تجيبي ليها سيرة بخصوص مراقبة صلاح ليها وحتى الرجالة اللي هيقفوا تحت لو سألت قوليلها أي حاجة غير إنهم تبعي 
هزت رأسها بالموافقة وقد فرت الدماء من وجهها بسبب الهلع ثم سألت بقلق : 
_ طيب ومعرفتوش لغاية دلوقتي مين اللي ورا الحادث ده ؟ 
وصلت هنا ووقفت أمام جدها وهي تمد يدها الصغيرة حاملة كوب الماء الصغير وهاتفة برقة : 
_ المايه ياجدو 
التفت برأسه لها ولم يتمكن من الرد على سؤال انتصار ، فجذب كوب الماء من يد حفيدته وهو ينحنى لاثمًا وجنتها ومتمتمًا وهو يشرب الماء :
_ شكرًا يا اميرة جدو 
وضع كوب الماء فوق الطاولة الصغيرة وهتف وهو يملس على شعرها بلطف ودفء : 
_ انا همشي ياهنا دلوقتي بس اوعدك إني هاجي تاني إن شاء الله خلاص
ردت عليه بحزن :
_ خليك شوية متمشيش 
طبع قبلة رقيقة فوق شعرها وهتف : 
_ مش هينفع ياجدو عشان ورايا شغل .. بس وعد زي ما قولتلك هاجي تاني والمرة الجاية هقعد كتيييير أوي لغاية ما تزهقي مني ، تمام ؟
اماءت برأسها في يأس مغلوبة على أمرها ثم ضمها لصدره بعانقها بلطف ويثلم وجنتيها بقبلاته الحانية قبل أن يستقيم ويوجه كلامه إلى انتصار بجدية هاتفًا : 
_ زي ما اتفقنا 
_ تمام يا نشأت بيه  
سار باتجاه باب المنزل وانصرف فظلت انتصار واقفة مكانها تفكر بحديثه والقلق والخوف ينهش قلبها نهش وفقط تردد من بين شفتيها ( ربنا يستر ) .
                                    ***
_ احكيلي بقى إيه موضوع فريدة بالتفصيل 
كان ردًا قويًا من آدم على سؤال جلنار له بنوع الحديث الذي يرغب في التحدث به معها .. فصمتت هي لبعض الوقت متطلعة إليه بتردد حتى قالت أخيرًا بعدما حسمت أمرها : 
_ طيب هحكيلك بس متجبش سيرة لعدنان دلوقتي خالص على الأقل لغاية ما يقوم بالسلامة ويطلع من المستشفى 
_ طيب قولي ياجلنار بس يلا 
أخذت نفسًا عميقًا قبل تبدأ بسرد كافة التفاصيل التي حدثت منذ خروجها من المعرض خلف فريدة حتى تهديدها لها بالمستشفى ، وكان آدم يستمع إليها وعيناه تخرج شرارات نارية من فرط الغضب ، يقفل يده ويضغط على قبضته بقوة .. يرغب الآن بالذهاب لذلك الوغد الذي يدعى " نادر " ويخنقه بيديه .
انتهت جلنار من التكلم فخرج من فم آدم لفظ بذيء يسب ويشتم به كلٌ من نادر وفريدة ، ثم هب واقفًا ينوي الذهاب لنادر لكن جلنار أمسكت به وقالت بحدة : 
_ رايح فين يا آدم .. مينفعش ده واحد حقير وممكن يعمل أي حاجة ويأذيك 
آدم بصوت مرتفع قليلًا وهو يصيح بانفعال : 
_ وانتي متخيلة إني هسيب **** بعد اللي عمله في عدنان ، أنا كنت شاكك فيه أصلًا ودلوقتي اتأكدت منو مفيش حد **** ليه مصلحة يأذي عدنان غيره هو وال**** فريدة
هتفت جلنار محاولة تهدئته وهي تمسك بذراعه حتى لا يفر من بين قبضتيها : 
_ ولا أنا كمان متأكدة أنا شاكة زيك يا آدم أنهم هما اللي ورا الحادث ده ، ابوس ايدك اهدى عشان خاطري وخلينا نفكر الأول بهدوء هنعمل إيه ونكشفهم إزاي ، لأن دول شياطين واحنا مش ضامنين ممكن يعملوا إيه 
انطلقت من آدم ضحكة ساخرة رغم ملامح وجهه المخيفة وهو يلوح بيده في بعض الدهشة : 
_ فريدة .. ومن سنة واكتر ومع ***** 
لمحت جلنار فريدة وأسمهان وهم يركضون نحوهم فضغطت على يد آدم متمتمة بنظرة جادة : 
_ جم .. متخلهاش تحس إنك عرفت حاجة وامسك نفسك قدامها يا آدم 
وصلت أسمهان إليه شبه ركضًا وارتمت على ابنها وعانقته بفرحة غامرة متمتمة :
_ عدنان فاق يا آدم .. اللهم لك الحمد والشكر يارب
ملس على ظهرها بيده في رقة وعيناه عالقة على فريدة ، تستقر في عينه نظرات قاتلة تكاد تفتك بها وتسرق أنفاسها ، وبالفعل هي ارتبكت من نظراته فاشاحت بنظرها بعيدًا عنه متسائلة عن سبب تلك النظرات المرعبة التي يرمقها بها .
هتف آدم بابتسامة رسمها بصعوبة بسبب الغضب الذي يهيمن عليه ورد على أمه :
_ فاق ياماما الحمدلله وكويس .. ادخلي شوفيه واطمني عليه بنفسك عشان ترتاحي اكتر 
هزت أسمهان رأسها في سعادة وهتفت بحماس وتشوق : 
_ طبعًا هدخل اشوفه 
انتبهت إلى جلنار التي تقف بالقرب من آدم وتتابع ما يحدث بصمت فرمقتها بنظرة حاقدة كلها نقم وقرف ! .
                                     ***
في صباح اليوم التالي .....
تم نقل عدنان إلى غرفة عادية بعد تحسن حالته الصحية واستقرارها تمامًا .
سحب آدم مقعدًا وجلس بجوار فراش أخيه وتمتم باسمًا :
_ حمدلله على السلامة ياعم .. شيبت شعر راسنا من الخضة والله
ضحك عدنان ورد عليه مداعبًا وهو يغمز بعيناه : 
_  عمر الشقي بقى 
ثم هتف متسائلًا بجدية : 
_عملت إيه في اجتماع الصفقة اللي كان المفروض امبارح ؟ 
آدم بنبرة رجولية خشنة : 
_ اجلته لغاية ما تقوم بالسلامة وتظبط كل حاجة بنفسك ، لكن قولي إنت ناوي علي إيه صحيح ؟ 
تنهد بقوة وعلى ثغره ابتسامة لئيمة متمتمًا : 
_ هتشوف استني بس اطلع من المستشفى واتفرج 
ضحك آدم وهو يغمز لأخيه بلؤم مماثل ثم هدر بجدية أشد من السابق تكاد تكون غضب ونقم : 
_ سواق العربية النقل اللي خبطتك هربان بس الرجالة قالبين الدنيا عليه وهيتجاب ونتأكد مين اللي ورا الحادث ده 
_  إنت شاكك في مين ؟! 
_ هقولك بس مش دلوقتي ، لما نمسك الحقير ده الأول
 اقتحمت هنا الغرفة حيث فتحت الباب بقوة رغم جسدها الضئيل وركضت نحو أبيها صائحة بفرحة غامرة : 
_ بابي 
ظهرت إشراقة وجهه فور رؤيته لها واعتدل في نومته بصعوبة ليستقبل صغيرته ، التي قفزت فوق فراشه وجلست بجواره ثم ارتمت عليه تعانقه بشوق حقيقي هاتفة بصوتها الطفولي اللطيف : 
_ وحشتني يابابي 
لم يجبها فقط زاد من ضمها إليها وهو يستنشق رائحتها المحببة لقلبه ويتمتم بنبرة مختلفة كلها مشاعر أبوية نقية : 
_ وإنتي كمان وحشتيني ياهنايا 
ظلت بين ذراعيه للحظات وهو مغمض عيناه ويتمتم بصوت خافت ودافيء : 
_ كنت خايف مقدرش اشوفك تاني يا قلب بابا 
ابتعدت عن حضنه وحدقته بعين لامعة بكل براءة وحب نقي مثلها تمامًا وعلى وجهها ابتسامة عريضة ، ارغمته على الابتسام  فاقترب من جبهتها وطبع قبلة حانية مطولة .
 التفت آدم برأسه ينظر لجلنار التي تقف على مسافة ليست ببعيدة تتطلع لهم بعينان دامعة ومتأثرة ، فظهر شبح الابتسامة على شفتيه ثم هب واقفًا وسار نحو الباب ينوي الرحيل حتى يترك لهم بعض المساحة الشخصية كعائلة ، وأثناء مروره من جانب جلنار رمقها باسمًا بمشاكسة وغمز لها بعيناه الخضراء ، فرمقته هي بنظرة حادة تكتم ابتسامتها وتابعته بنظراته حتى رحل عن الغرفة ، فتحركت باتجاه مقعده وجلست عليه ثم همست برقة : 
_ حمدلله على سلامتك 
التفت لها برأسه وابتسم بدفء ثم قال : 
_ الله يسلمك  
انحنت هنا على أذن والدها وتمتمت بخبث طفولي ضاحكة : 
_ بابي تعرف .. ماما كانت تعيط كتير وقالتلي إنها بتعيط عشان زعلانة إنك تعبان 
اتسعت عيني جلنار وهي ترمق ابنتها بغيظ بينما هو فكتم ضحكته وهمس لصغيرته بمكر وعيناه ثابتة على جلنار  : 
_ امممم ما أنا عرفت ياحبيبة بابي .. هي كانت بتعيط كتير أوي يعني ؟! 
 هزت رأسها بإيجاب وردت بخفوت وبعض التوتر من نظرات أمها لها : 
_ أيوة كتيييير أوي 
اماء برأسه وهو يبتسم بمشاكسة ثم رمق جلنار بنظرة دقيقة .. مثبتًا نظره على عيناها الحمراء والمتورمة من كثرة البكاء .. ثم هتف بمكر مقصود باسمًا : 
_ امممم ماهو واضح عليها ياهنون فعلًا 
ارتبكت من نظراته المثبته على عيناها فوجدت نفسها بتلقائية تشيح بوجهها للجهة الأخرى بعيدًا عنه ليضحك هو بصمت ويتطلع لابنته هامسًا بعد أن لثم وجنتها بقلبة سريعة : 
_ روحي يابابا قولي لعمو آدم ، بابا بيقولك جيب ليا الشوكولاته اللي بحبها 
قفزت فرحًا وصاحت : 
_ بجد 
_ أيوة بجد ياملاكي يلا اجري الحقيه قبل ما يمشي ، هتلاقيه واقف برا 
نزلت من الفراش وهرولت راكضة للخارج بجسدها الصغير وفستانها الطفولي اللطيف مثلها تمامًا ، بينما هو فتابعها حتى رحلت ثم ادار نظره نحو الجالسة على المقعد ولا تزال تشيح بوجهها عنه ناحية النافذة المفتوحة ، فتحرك في فراشه ببطء على الجانب الذي تجلس هي فيه وخرج صوته الوديع : 
_ ششششش 
رمقته بطرف عيناها في نظرة خاطفة وسريعة فابتسم وهتف : 
_ بصيلي هنا 
التفتت برأسها مرة أخرى ناحيته في اقتضاب ، تخفي توترها وخجلها بتصنعها الحزم والجدية ، لكنه غمز لها بابتسامة لعوب وهمس بصوت يحمل بحة جديدة : 
_ عيطتي للدرجة اللي خلت عيونك يبقى منظرها بالشكل ده ! 
ابتسمت بسماجة وتمتمت بتصنع عدم الاهتمام رافضة الاعتراف بخوفها وحزنها الشديد عليه : 
_ لا ده أنا عيني كانت وجعاني وفضلت ادعك فيها كتير فورمت وبعدين أنت متعرفش ااا .....
توقفت عن الكلام حين وجدته يمسك بكفها محتضنًا إياه بين قبضته الضخمة ، ويتطلع إليها بعينان حكت الكثير عن الذي يرغب بقوله لها الآن ، قد يكون مندهشًا وسعيدًا ، عليه الاعتراف أن آخر شخص كان يتوقع أن يحزن كثيرًا عليه بوضع كهذا هي جلنار ، لكنها اصابته بالدهشة فعلًا .
رفع كفها ببطء لشفتيه وطبع قبلة عميقة على ظاهره مغمغمًا بنظرة ذات معنى : 
_ أنا اللي اعرفه إن عيون زهرتي الحمرا مش لايق عليها العياط أبدًا 
لأول مرة ينعتها بزهرته الحمراء .. لطالما اعتاد أن يقول لها " رمانتي " نسبة إلى اسمها الذي يعني " زهرة الرمان الحمراء " .
سرت رعشة متلذذة في أنحاء جسدها من ملمس شفتيه واحتكاك ذقنه بكفها ، وكأنها الوهلة الأولى التي يلمسها بها ! ، شبهها بالزهرة الحمراء وقد تحولت بالفعل لحمراء ، تلونت وجنتيها بلون الدماء وانعقد لسانها فاستمرت بالتحديق به بصمت تام ، كان وجهها كلوحة إبداعية من صنع الخالق عز وجل جعلته يذوب من فرط جمالها ، عيناها البندقية وبشرتها البيضاء مع وجنتيها الحمراء وشعرها الأسود الحريري .. بتلك اللحظة قذفت في ذهنه أكثر من فكرة منحرفة لكنه كبح رغباته بصعوبة .
انفتح الباب وظهرت من خلفه فريدة فانزل يد جلنار تدريجيًا ، التي التفتت برأسها للخلف تتطلع لفريدة باشمئزاز .. أسرعت فريدة إلى عدنان وارتمت عليه تعانقه بقوة وتهتف برقة مقصودة حتى تثير غيظ جلنار : 
_ حمدلله على سلامتك ياحبيبي .. كنت هتجن من الخوف عليك 
لم يبادلها عناقها كعادتها بل اكتفى بأنه ملس بيده على ظهرها في لطف وتمتم بنبرة فاترة : 
_ الله يسلمك يافريدة .. أنا كويس متقلقيش
انطلقت من جلنار ضحكة بسيطة كلها استهزاء وهي معلقة نظراتها الشرسة على فريدة من ادعائها أنها كانت في حالة هلع من فرط خوفها عليه ، ولم تتمكن من منع نفسها من الرد حيث قالت بخبث أنوثي وابتسامة مائلة للجانب في سخرية : 
_ صحيح يافريدة .. نادر كان موجود يوم الحادث وبعدين مشي فجأة متعرفيش ليه ؟ 
فقدت فريدة النطق للحظة وابتعدت عن عدنان بعلامات وجه ظهرت عليها الاضطراب لكنه لم يلحظ لاهتمامه بجلنار وسؤالها عن نادر وطريقتها الغريبة في الحديث .. 
هتف عدنان بصوت رجولي غليظ :
_ وإنتي مالك بنادر ؟! 
جلنار بنظرات لا تزال ثابتة على فريدة وكلها غل وغضب : 
_ لا أصل شوفته واقف مع فريدة بيتكلموا
التفت عدنان بنظره لفريدة يرمقها بحدة وعينان تلوح بها علامات الاستفهام ينتظر منها تبرير ، فابتلعت هي ريقها وردت بقوة متصنعة : 
_ عادي كان بيسألني عن وضعك وقولتله 
ابتسمت جلنار بلؤم ثم هبت واقفة وقالت بنظرات غريبة ليست لجلنار الرقيقة ابدًا : 
_ أنا هروح اشوف هنا 
استدارت وسارت لخارج الغرفة بأكملها بينما فريدة فتحركت وجلست على مقعدها وهي تتفادي نظرات عدنان المشتعلة لها ، كان يحدقها بأعين لا تملك ذرة ثقة ويخبرها من خلالهم " لم اصدق أي كلمة ! " ، نظراته مميتة اربكتها حقًا لكنها تصنعت التجاهل وقالت بإشراقة وجه : 
_ تقوم بالسلامة بس وترجع البيت وأنا بنفسي هعملك كل الاكل اللي بتحبه ياحبيبي .. من هنا ورايح مش هسمح لأي حاجة انها تخلق مشاكل بينا ، أنا كانت هتجرالي حاجة من خوفي عليك  
رمقها بنظرة جانبية قاسية ، لم يعد اعمي حتى يصدق كل كلمة تتفوه بها .. هو الآن كالأسد المتربص لفريسته ينتظر منها أن تخطأ حتى يتلهمها ، وبات لا يطيق رؤيتها هو فقط انتظار اللحظة المناسبة التي سيتأكد فيها من شكوكه حينها ستكون الفريسة قد سقطت بين فكي الأسد .
                                     ***
بمساء مدينة كاليفورينا في أمريكا .....
خرجت من غرفتها بعد سماعها لصوت طرق الباب .. سارت في خطوات هادئة باتجاه الباب وهي ترتدي " بيجامة " منزلية لطيفة وترفع شعرها لأعلى بمشبك كبير .
وصلت امام الباب ونظرت من العين السحرية فرأت حاتم .. أصدرت زفيرًا حارًا بغيظ ثم تراجعت خطوة للخلف وفتحت الباب له ، وقفت تسد الطريق عليه حتى تمنع من الدخول هاتفة بقرف مصطنع : 
_ خير شو بدك ؟ 
حاتم بتصنع الجدية محاولًا تمالك ابتسامته من الانطلاق على شفتيه : 
_ ممكن افهم يا آنسة مجتيش الشغل ليه النهاردة .. ولا هو عشان إنتي رئيسة التحرير في الشركة ومع المدير دايمًا في كل حاجة يبقى هو هيسكت عن الإهمال وعدم الانتظام ده 
استدارت وسارت عائدة للداخل وهي تقول بسخرية وعدم مبالاة :
_ شو راح تعمل يعني يا حــاتم بيك 
ضحك في ظهرها دون صوت ثم دخل وأغلق الباب خلفه متمتمًا بثقة وحزم مزيف :
_ هعمل كتير يا آنسة
لاحت الابتسامة المستنكرة على وجهها فتوقفت والتفتت بجسدها كاملًا له وهدرت بنظرة كلها تحدي وبثقة تامة : 
_ إذا بتقدر تقلعني من الشغل .. قلعني
رفع حاجبه وثلاث ثواني بالضبط من التحديق الصامت بها ، لم يتمكن من كبح ضحكته اكتر من ذلك حيث انفجر ضاحكًا على كلمتها الأخيرة ، بينما هي فضيقت عيناها باستغراب وهتفت بغضب من سخريته :
_ على شو عم تضحك ؟! 
أجابها وهو يجاهد في تمالك نفسه من الضحك : 
_ لا ولا حاجة متركزيش معايا .. وأكيد يعني مقدرش اطردك يا نادين ، أنا جيت عشان نتكلم ونحل الموضوع اللي مضايقك مني ده
نادين باقتضاب : 
_ أي موضوع بالضبط فيهم ؟ 
_ ماشاء الله هما بيزدوا ولا إيه مع الوقت ؟! 
نادين بعصبية وغيظ :
_ الموضوع الاساسي ياللي تخانقنا مشانه ياحاتم ولا اللي سويته قبل ما امشي
حك مؤخرة رأسه وهتف باعتذار وهو يضحك : 
_ لا اللي سويته ده كنت بهزر عشان اعصبك وانكش فيكي مش اكتر .. وعلى العموم حقك عليا ياستي أنا آسف  ، هاا إيه الموضوع الاساسي بقى 
هدأت ثورتها وردت عليه ببرود : 
_ خلاص مو مهم .. ماني زعلانة 
حاتم باستنكار وسخرية على طريقتها في الكلام : 
_ لا والله ماني زعلانة !! .. امال الحوارات اللي عملتيها دي إيه لزمتها 
حان دورها هي لتضحك لكنها كتمت ضحكتها وتصنعت الحدة والبرود وهي تدفعه بخفة تجاه باب المنزل هاتفة : 
_ ميرسي ياحاتم على اعتذارك المقبول ، وهلأ معلش مضطرة اقلك تصبح علي خير مشان أنا بدي انام 
اتسعت عيناها بدهشة وهي تدفعه نحو الباب حتى يغادر فقال باستهزاء وبعض الضيق : 
_ اه ده أنا بطرد رسمي بقى .. طيب اعزميني حتى على كوباية مايه
ظهر شبح ابتسامتها على شفتيها وهي تجيبه باللهجة المصرية : 
_  المايه قاطعة 
وصل إلى الباب فلوحت له بكفها تودعه في ابتسامة مثلجة ثم أغلقت الباب في وجهه ، فاستمعت له يهتف بغيظ حقيقي من خلف الباب : 
_ ماشي يا نادين .. الساعة ستة الصبح الاقيكي اول واحدة موجودة في الشركة ولو اتأخرتي دقيقة هزعلك بجد المرة دي 
انفجرت ضاحكة بقوة وهي تستند على الباب من الداخل تستمع له وهو يملي عليها تلعيماته الصارمة ، وتشعر بالنشوة لأنها نجحت أخيرًا في إثارة غيظه ! .
                                       ***
مرت ساعات طويلة حتى غابت الشمس واستر الليل ستائره ، قضت الصغيرة هنا النهار كله بجوار أبيها حتى تعبت في آخر اليوم فأخذتها جلنار وعادت بها لمنزل الخالة انتصار ، وأثناء عودتها لعدنان مرت على منزلها جمعت بعض الملابس له ثم خرجت واكملت طريقها للمستشفى .
منذ أمس تلاحظ سيارة تتبعها بشكل مريب وبكل مرة تقول ربما هي يتهيأ لها ، لكن هذه المرة تأكدت تمامًا أن تلك السيارة تلاحقها .
فتوقفت بسيارتها بجانب الرصيف في الشارع لتتأكد هل ستقف تلك السيارة خلفها أم لا لكنها رأتها تعبر بجوراها وتكمل طريقها  ، فتنفست الصعداء قليلًا براحة وعادت تشغل محرك السيارة من جديد وتنطلق بها .
بينما صلاح فتوقف في أحد الشوارع الموازية وهو يحمد ربه أنها لم تكشف أمره وإلا كان لقى عقابه العسير من نشأت ، رآها وهي تعبر من الطريق الرئيسي بسيارتها فانطلق هو خلفها ولكن هذه المرة بحرص حتى لا تلاحظه مرة أخرى .
وصلت أمام غرفته أخيرًا بالمستشفى اخذت نفسًا عميقًا قبل أن تفتح الباب وتدخل ، فالتفت هو برأسه في اتجاه الباب وهتف باستغراب : 
_ جلنار !! .. إيه اللي جابك تاني ؟
أغلقت الباب خلفها واقتربت منه وهي تلقي بالحقيبة الصغيرة جدًا فوق المقعد والتي تحتوي على ملابس له ثم تقول بعفوية : 
_ هقعد معاك .. مينفعش تفضل وحدك في المستشفى 
ابتسم وقال موضحًا لها ببساطة : 
_ دي مستشفى ياروحي ومليانة دكاترة وممرضات يعني مش لوحدي ولو عوزت حاجة الممرضات موجودين 
اشتعلت نظرتها وهي تقول بشراسة : 
_ really ( حقًا ) 
طيب nurses ( الممرضات ) موجودين عشان يتابعوا حالة المريض مش يلبوا احتياجات المريض يا أستاذ يامحترم 
ضحك وقال بمشاكسة غامزًا : 
_ هي إيه الاحتياجات دي بظبط بقى ؟! 
تأففت بصوت عالي وقالت بنفاذ صبر متجاهلة جملته الوقحة  : 
_ أنا قولت لآدم يروح البيت ويرتاح شوية .. تعب جدًا ، ليه يومين مش بينام وقاعد في المستشفى معاك هنا 
_ أنا قولتله يمشي هو اللي راسه ناشفة 
جلنار بوداعة واشفاق : 
_ جزاته يعني إنه مش عايز يسيبك وحدك .. حقيقي يمكن اكتر واحد كان خايف وقلقان عليك هو آدم ، عشان تعرف قيمة اخوك بس 
تنهد وهدر بخفوت ونبرة صادقة تنبع من القلب : 
_ إنتي عارفة إن أنا بعتبر آدم ابني مش اخويا  .. أنا اللي مربيه 
هزت رأسها بإيجاب وهي تجيب بنظرات متأثرة تنبع بالحب :
_ عارفة ربنا يخليكم لبعض 
اعتدل في جلسته قليلًا وغيّر مجرى الحديث في لحظة متمتمًا بلؤم مقصود : 
_ قولتيلي إنتي هنا ليه بقى ؟ 
استقرت في عيناها نظرة نارية رمقته بها جعلته يضحك ويهتف متداركًا الأمر بخبث أشد : 
_ آه عشان تلبي احتياجات المريض .. طيب بما إنك جبتي هدوم للمريض وهو عايز يغير هدومه ، نفذي مهمتك وساعدي المريض بقى  
جزت على أسنانها بغيظ ، وكادت أن تنفجر في وجهه كالقنبلة ، لكنها تمالكت أعصابها بصعوبة ومدت يدها في الحقيبة تخرج منها قميص وبنطال وتقترب منه ثم تضع الملابس بين يديه هاتفة بمضض : 
_ لا ماهو المريض الحمدلله ايده ورجله سليمة يعني مش محتاج مساعدة 
همت بالاستدارة والابتعاد عنه فقبض على رسغها وجذبها إليه فارتدت للأمام لتصطدم بصدره وتصبح فوقه تمامًا ، خرجت همسته اللعوب أمام وجهها وهو يغمز : 
_ ويهون عليكي المريض ! 
حركت رأسها بحركة سريعة ومدروسة حتى ترجع خصلات شعرها خلف ظهرها ثم قالت بنظرة ثاقبة كنظرته بالضبط وببرود لكن نبرتها كانت كلها أنوثة ونعومة : 
_ أه يهون 
ثم دفعت يده عنها واستقامت واقفة تقول بحزم : 
_ متلمسنيش تاني 
أجابها بابتسامة تخفي ورائها نيران غصب بدأت تشتعل : 
_ امممم رجعت ريما لعادتها القديمة 
مالت بجسدها عليه وهمست أمام وجهه في صوت أنوثي امتزج بين الشراسة والنعومة : 
_ جلنار القديمة اللي كانت وقت ما تحب تقرب منها تلاقيها موجودة وبتلبي طلبك ووقت ما تكون مش حابب تسيبها وترميها ومتسألش فيها كأنها نكرة ، خلاص مبقتش موجودة .. وأنا لو زعلت وخوفت عليك فده هيكون بسبب العشرة والسنين اللي بينا وإنها ماهنتش عليا .. لكن غير كدا متوهمش نفسك بأوهام ملهاش وجود
 اطال النظر في عيناها بتمعن .. لم تعد زهرته الناعمة والرقيقة حقًا ، التي تقف أمامه الآن هي كزهرة الصبار القوية والصلبة التي تنمو في اشد وأقسى الظروف ومن يحاول الاقتراب منها تؤذيه بأشواكها الحادة . 
راقه كثيرًا التحول الجذري في رمانته الحمراء وعلى عكس المتوقع ابتسم وقال بنظرات ذات معنى مثبتًا عيناه على خاصتها : 
_ ومين قالك إني عايز جلنار القديمة ! 
لحظة واثنين وثلاثة وهي مستمرة بالتحديق به حتى استقامت واقفة فورًا وهتفت وهي تشير باتجاه الحمام الداخلي للغرفة :
_ انا رايحة الحمام 
لم تنتظر أي رد منه بل استدارت ودفعت بنفسها إلى الحمام مسرعة بينما هو فمسح على وجهه نزولًا لذقنه وهو يتنهد باسمًا بعدم حيلة ! .
                                      ***
كان آدم في فراشه وعلى وشك الاستسلام لسلطان نومه لولا رنين هاتفه الصاخب الذي ارتفع ودوى صوته الغرفة بأكمله .. فأصدر تأففًا حارًا بخنق ثم مد يده والتقطه يجيب على المتصل دون أن يتحرى أولًا من هويته : 
_ الو 
أتاه الصوت الرجولي على الطرف الآخر وهو يقول بجدية : 
_ لقينا سواق العربية يا آدم بيه 
يتبع.....
لقراءة الفصل الثامن عشر : اضغط هنا
لقراءة باقي فصول الرواية : اضغط هنا
نرشح لك أيضاً رواية اختار القدر ان يجمعنا للكاتبة فاطمة علي مختار
google-playkhamsatmostaqltradent