recent
أخبار ساخنة

رواية امرأة العُقاب الفصل الرابع والثلاثون 34 بقلم ندى محمود توفيق

jina
الصفحة الرئيسية

 رواية امرأة العُقاب الفصل الرابع والثلاثون 34 بقلم ندى محمود توفيق

رواية امرأة العُقاب الفصل الرابع والثلاثون 34 بقلم ندى محمود توفيق

رواية امرأة العُقاب الفصل الرابع والثلاثون 34 بقلم ندى محمود توفيق

لا تدري كم مر من الوقت وهي بين ذراعيه هكذا تتشبث برقبته وتدفن وجهها بين ثنايا كتفه .. حالة من الضعف اللإرادية تمكنت منها لدقائق طويلة .. ولم تستمع لأي صوت داخلها يصرخ عليها بالابتعاد وفقط سارت خلف تلك المشاعر التي تحركها كالدمية وانزلت راية صمودها مؤقتًا .
لم تسامحه ولكن قلبها خر منهزمًا بين يديه .. يحاوطها بذراعيه بقوة ويحكمهم حولها كأنه يخشى ابتعادها .. أما وجهه فوجد مخبأه بين ثنايا رقبتها وأنفاسه الساخنة تلفح رقبتها فتجعلها كالمتغيبة عن ما يحدث ! .
 كانت في عالم آخر حتي صرخ صوت بعقلها واستفاقت على أثره فأدركت الوضع .. ابعدت يديها عنه وتراجعت للخلف بخطوة تسحب جسدها من بين ذراعيه وتحدجه بسكون وبعيناها نظرة استنكار لضعفها أمامه .. لا يجب أن تكون لينة بهذا الشكل .. فمازال الطريق طويل أمامه حتى ينال ما يسعى إليه .
تابعها عدنان بعيناه البائسة وهي تعود لتجلس فوق مقعدها أمام الطاولة وتشيح بوجهها للجهة الأخرى تتفادى النظر إليه عمدًا .. كإشارة بسيطة ترسلها له من خلال تلك التصرفات أن ما حدث كان مجرد حالة لحظية لا تعني شيء وأنها لن تكون دليل على مسامحتها أبدًا .
تحرك خلفها ليجلس على مقعده أمامها ويستمر في تمعن النظر بها بأسى .. هي لا تعطيه اهتمامًا لكن عينيه لا تحيد عنها تتأملها في عمق .. لا يؤذيه تمعنها عن الغفران  بقدر شعوره بعدم ثقتها به في أي شيء ، تلك المشاعر السلبية التي تنطلق منها إليه تقتله المًا !!! .
                                     ***
  عادت الروح للجسد .. وعاد القلب يضخ بالدم من جديد .. ينبض بعنف كأنه عاد للحياة للتو .
خمس سنوات مرت منذ أن قرر بالفرار من كل شيء ، وكانت هي في المقدمة تلك القائمة التي يود الهروب منها .. ظن أن السنوات والبعد سيقضى على عشق لم يجد مأواه مع عاشقه .. لكن لم تزيده السنوات إلا ألمًا وشوقًا .. يتخبط كل ليلة بأشواقه وأحلامه التي تزوره بها دومًا ، كأن عقله الباطني يرسل له إشارات ليخبره من خلالها يكفيك تفكير بها  .. ترهق نفسك وترهقني معك ! .. لكن هيهات فهل يستمع القلب المتعجرف لذلك العقل المتفلسف ؟! .
قلبه أخذ يطرق بقوة يرسل للجميع دليلًا بأن الليلة التقى أخيرًا بذلك المعشوق الذي ارهقه لسنوات .. والإبتسامة صعدت بشكل لا إرادي فوق شفتيه .. أما عينيه فحملت لمعة العشق والشوق ، لكم يرغب الآن بضمها إليه يستنشق رائحتها فتتخلل إلى نفسه المشتاقة .
تغيرت وأصبحت أكثر جمالًا ..اكتسبت القليل من الوزن في جسدها الضئيل .. ملامحها الطفولية نضجت وباتت تليق حقًا بأنثى فاتنة مثلها .. تلك العينان السوداء اللامعة والواسعة والشفاه المنتكزة والأنف المستقيم مع شعرها الطويل المنسدل بخصلات صغيرة فوق وجهها وترفع باقيته لأعلى بمشبك صغير .
رمشت زينة بعينها عدة مرات في عدم تصديق .. حتمًا تحلم لا يعقل أن تكون تراه بالفعل أمامها .. بل هو حتى لم يعد هشام التي تعرفه ! .. أين جسده النحيف وشعره الذي يستمر بحلاقته كلما ينمو بسبب انزعاجه من الشعر الطويل .. أصبحت بنيته ضخمة وجسده رياضي ومثاليًا ،  أما شعره الناعم سرحه بشكل عصري ورائع ، حتى أن لحية ذقنه نمت بشكل كثيف ومعالم وجهه أصبحت أكثر غلظة وصرامة .. يبدو أن تلك السنوات لم تذهب هدرًا بالفعل .. وذلك الغبي انسته السنوات صديقته الوحيدة ! .
ظلوا يتطلعون ببعضهم في صمت أحدهم لا يبالي بشيء سوى بإشباع عينيه من النظر لذلك الوجه الجميل والأخرى تتملكه الصدمة .. قطع لحظتم قدوم ميرفت التي بمجرد ما أن لمحت عيناها هشام صاحت بعدم تصديق : 
_ هشاااام 
هرولت إليه شبه ركضًا تضمه لها بقوة وتضحك بعدم استيعاب .. لم يكن مجرد ابن أخت زوجها بل هو ابنها أيضًا .. كان لها دورًا كبيرًا في تربيته مع أمه وكبر على يديها .
هتف هو بابتسامة عذبة تملأ شفتيه كلها : 
_ وحشتيني يا فوفا 
أدمعت عيناها من فرط سعادتها وابتعدت عنه تلكمه في كتفه بخفة وتهتف بعتاب : 
_ اخص عليك بقى بعد السنين دي كلها متقولناش إنك جاي !! 
_ والله أنا اتصلت بماما الصبح وقولتلها إني راجع ولما عديت من قدام البيت عندكم بالطريق قولت لازم انزل واشوفكم 
ميرفت بعينان دامعة وشقتين منفرجتين : 
_ وحشتنا أوي ياغالي 
القى نظرة خاطفة على  زينة وغمغم بنبرة منبعثة من صميمه : 
_ صدقيني وانتوا أكتر والله .. أنا مكنتش عايش هناك 
_ طالما رجعت مش هنسيبك تمشي تاني خلاص 
هشام باسمًا بنظرة ذات معنى :
_ وأنا مش ناوي أفارق تاني أساسًا 
عقدت زينة ذراعيها أمام صدرها رغم سعادتها بعودته إلا أنها مستاءة منه لغيابه طوال كل تلك السنوات دون أن يتواصل معها بأي شكل من الأشكال ..
 سمعها تهتف متذمرة بجفاء مزيف : 
_ لسا فاكرني ولا نسيتني كمان يا دكتور 
رمقها بعينان مغرمة وهائمة ليهمس بصدق : 
_ أنا حتى لو حاولت انساكي مش هعرف يازينة 
ابتسمت له ولانت ملامحها الحازمة لتقترب منه وتعانقه برقة هاتفا في مداعبة وفرحة تظهر بوضوح في صوتها : 
_ حمدالله على السلامة .. وحشتني أوي ياصديقي 
رغم انزعاجه من وصفها له بصديقها إلا أن ذلك العناق الذي كان يتمناه حصل عليه أخيرًا ، فلم يبالي بأي شيء سوى بأن يغذي نفسه الواهنة برائحتها وقربها .. وللأسف لم تدم سعادته طويلًا حيث ثواني معدودة وابتعدت عنه وهي تبتسم باتساع .
وقعت عيناه على كفها الأيمن فلمح ذلك الخاتم الذهبي الذي يزين أصبعها .. تلاشت الابتسامة فوق شفتيه وتجمدت معالم وجهه ليظهر عليها الدهشة والألم بآن واحد .. انتبهت لنظراته الثاقبة فوق أصابعها فرفعت كفها تنظر للخاتم ثم تجيبه بحماس : 
_ تعالى ادخل بس الأول وبعدين هحكيلك .. ده في حجات كتير حصلت في غيابك ياعم .. ادخل يلا 
ميرفت ببهجة وسعادة :
_ أنا الفرحة مش سيعاني والله بشوفتك يابني 
كان بعالم موازي لا يستمع لأي شيء فقط ذلك الشعور المؤلم وكأن سكين انغرزت بقلبه وهو يسألها بمرارة آملًا في أن تنفي سؤاله : 
_ إنتي اتخطبتي يازينة !!! 
هزت رأسها بإيجاب في وجه مشرق وابتسامة عريضة خجلة ثم وجدها تمسك بكفه وتسحبه معها للداخل وتلحق بهم ميرفت .
                                   ***
طوال طريق عودتهم وهي تتابع الطريق من الزجاج بسكون ، لا تنظر له عن طريق الخطأ حتى .. بينما هو فكان من آن لآن يختلس النظر إليها بحب .. أعين بائسة وعابسة وحين يبعد أنظاره عنها تكون مصحوبة بزفيرًا عاليًا يطلقه في حنق .
توقفت أخيرًا سيارته بالساحة المخصصة لها داخل المنزل .. ففتحت الباب ونزلت قبله لتسير بخطوات شبه سريعة للداخل ومن ثم صعدت الدرج بطريقها لغرفتها .. فتحت الباب ودخلت ثم اغلقته خلفها وتحركت نحو الفراش تجلس فوقه بعنف وتهتف في عصبية : 
_ جرالك إيه ياجلنار من إمتى وإنتي بتضعفي قدامه .. من إمتى ولمسته بتأثر فيكي بالشكل ده .. مينفعش تسامحيه ومينفعش تنسى اللي عمله معاكي بسهولة .. متنسيش عهدك مع نفسك إنك هتخليه يشرب من نفس الكاس .. بس شكلك إنتي اللي بتشربي من نفس الكاس للمرة التانية بسبب غبائك 
نفرت برأسها يمينًا ويسارًا في غضب تهدر بالرفض القاطع والوعيد : 
_ مش هسمحلك ياعدنان تسيرني على هواك تاني .. من هنا ورايح إنت اللي هتمشي على قوانيني ومزاجي 
استقامت واقفة وهي تتنفس بشراسة وسخط .. تقدمت من المرآة تقف أمامها وتلوى ذراعها خلفه ظهرها تمسك بسحاب الثوب تحاول فتحه لكنه عالق وقوى ، فأخذت تحاول فتحه من جميع الجهات تارة ترفع يدها فوق رأسها وتمسك بالسحاب من أعلى وتارة تلويها خلف ظهرها وكل محاولاتها باتت بالفشل .. في تلك الأثناء كان هو قد دخل الغرفة ورأى محاولاتها البائسة وتلويها بعصبية حتى تفتح السحاب ومن بين شفتيها تصدر تأففًا مرتفعًا بانفعال .
تنهد بعمق واقترب بخطواته الهادئة منها حتى وقف ورائها تمامًا ورفع يده يهم هو بتولي مهمة تخلصها من ذلك السحاب والثوب ، لكن وجدها تنتفض مبتعدة عنه وتلتفت بكامل جسدها له قبل أن تلمسها يداه وصاحت به بزمجرة : 
_ بتعمل إيه !! 
عدنان بخفوت ودهشة من انفعالاتها : 
_ بساعدك بس ياجلنار !! 
جلنار بجفاء وعصبية : 
_ متساعدنيش ومتلمسنيش نهائي فاهم ولا لا 
تقدم خطوة منها وغمغم بعدم فهم ونظرات دافئة : 
_ مالك إيه اللي حصل .. أنا عملت حاجة ضايقتك طيب !!
جلنار بصيحة امتزجت بنظراتها القاسية : 
_ قربك مني هو اللي بيضايقني .. متقربش مني تاني أبدًا ياعدنان 
اعتلت ملامحه الصدمة من تصرفاتها العجيبة ، كانت علاقتهم إلى حد ما جيدة قبل مغادرتهم المنزل وفي الواقع هي استمرت هكذا إلى حين عناقهم ، فلا يدري أين الخطأ الذي اقترفه وازعجها به .
تنهد الصعداء بعمق وتمتم بصوت رجولي رزين وهادئ تمامًا رغم صياحها به : 
_ طيب ممكن تهدي وتفهميني إيه اللي حصل 
من فرط غضبها لم تدري مالذي تفعله أو الذي تتفوه به .. حيث صاحت بعدم وعي وقسوة تصوب سهام كلماتها في الهدف بالضبط : 
_ قولتلك قربك مني بيعصبني .. أنا مش فريدة اللي هتستحمل لمستك ليها بالرغم من إنها كانت مش بتحبك .. أنا مش قادرة اسامح ولا استحمل باختصار لأن حتى أنا مش بحبك 
رأته ساكن تمامًا أمامها ونظراته ثابتة بالرغم من الدمار التي خلفته كلماتها المسمومة داخله إلا أنه أظهر لها عدم تأثره وبقى صامدًا كالصخر يكتفى بصمته وقناع جموده المزيف الذي يخفي ورائه دماءًا تنزف وقلبًا يتمزق أربًا ... 
وكأنها أدركت قساوة الكلمات بعدما خرجت منها أو بالمعنى الأدق بعدما هب الطوفان وقضى على الأخضر واليابس .. ابعدت نظرها عنه واندفعت مسرعة نحو الحمام تختبأ به من كل شيء حتى من نفسها تاركة العنان لدموعها بالانهيار فوق وجنتيها بحرية ! .
بعد ما يقارب النصف ساعة بدلت ملابسها بالحمام وغسلت وجهها وهدأت ثم خرجت من الحمام فوجدت الغرفة فارغة لا أثر له بها .. تسمرت بأرضها للحظات في تفكير .. وكان أول مكان حثها عقلها على الذهاب إليه هو الشرفة .. فهرولت إليها مسرعًا ووقفت تتطلع إلى الأسفل تتفقد الحديقة تحديدًا مكان سيارته .. وحين لم تجدها أصدرت تأففًا مرتفعًا في خنق وندم على ما تفوهت به بعدم وعي منها ! ....
                                     ***
يقود بسيارته وسط منازل تلك المنطقة الشعبية .. لا يعرف كم عدد المرات الذي دخل فيها تلك المنطقة .. كانت الشوارع هادئة والمنازل مظلمة ولا يوجد أحد سوى القليل جدًا أما أحد عائد من عمله أو شباب يجلسون مع بعضهم يقضون سهرتهم .
وأخيرًا توقفت سيارته أمام منزلها وكان السكون التام يهيمن على الشارع الذي تقطن به بالأخص حيث نزل من السيارة متلفتًا حوله بتعجب من هذا الهدوء بينما هي فنزلت من ورائه وتحركت نحو بنايتها تدخلها بخطواتها الضعيفة .. فلحق هو بها للداخل .
وقفا أمام باب الشقة فأخرجت المفتاح ووضعته في القفل ثم فتحت الباب ودخلت أولًا ثم تبعها هو .. وعيناه جعلت تتجول بجميع أرجاء المنزل الصغير والبسيط .. الأثاث كان كلاسيكيًا أقل من درجة البساطة حتى ، والوان الحوائط بيضاء مائل لونها للأصفرار قليلًا .
استفاق على صوتها المبحوح والضعيف : 
_ خمس دقايق بالكتير وهرجعلك استناني هنا 
هز رأسه بالإيجار في ابتسامة لينة بينما فهي فابتعدت وسارت تجاه غرفتها حتى دخلت وأغلقت الباب .. تحرك آدم نحو تلك الأريكة الصغيرة نسبيًا وجلس فوقها وبقى يحدق في اللاشيء أمامه بصمت حتى وقعت عيناه على صورة موضوعة داخل حافظ الصور الزجاجي .. فاستقام واقفًا والتقطها يحدق بها بابتسامة ساحرة .. كانت الصورة تجمعها هي وسيدة متقدمة في العمر وأدرك أنها جدتها المريضة .. كانوا أمام شاطيء البحر وهي ترتدي بنطال جينز ومن الأعلى كنزة بحاملات عريضة وتترك شعرها يتطاير حولها بفعل نسمات الهواء ويديها تلفهم حول رقبة جدتها تضمها منها إليها بشكل لطيف .
انتهت مهرة من تبديل ملابسها وخرجت من الغرفة تتجه نحو الحمام لتغسل وجهها .. كانت بحاجة لحمام دافيء وكامل لكنها لا تستطيع أخذه بوجوده معها بالمنزل .. هي أساسًا جاءت شبه مجبرة بعدما أصر عليها بأن تذهب للمنزل وتبدل ملابسها وتأكل وترتاح قليلًا ثم تعود مرة أخرى للمستشفى .. ورفض تركها بمفردها بهذه الحالة المزرية فجاء معها حتى يطمئن .
تقدمت تجاهه بعدما خرجت من الحمام وابتسمت بأسى وعينان دامعة حين رأته يمسك بصورتها هي وجدتها : 
_ دي تيتا ! 
التفت برأسه لها وابتسم بحنو ثم غمغم في ثقة : 
_ إن شاء الله هتقوم بالسلامة اطمنى 
اقتربت منه أكثر حتى وقفت بجواره تمامًا وتطلعت بالصورة التي بين يديه تهتف في مرارة وألم : 
_ تفتكر ! 
آدم بجدية وحزم بسيط بعدما رأى عيناها تمتلأ بالدموع من جديد : 
_ أنا متأكدة مش افتكر يا مهرة .. بعدين احنا مش اتفقنا هنمسك نفسنا ومفيش عياط تاني .. إنتي من شايفة عينك بقى شكلها إزاي من كتر العياط !! 
مهرة بضعف يراه بها لأول مرة منذ تعارفهم : 
_ غصب عني يا آدم كل ما اتخيل إنها ممكن متفوقش منها مش بقدر استحمل .. أنا مليش غيرها 
بتلقائية مسك كفها كموع من بث الطمأنينة والقوة في نفسها : 
_ هتفوق بإذن الله متخافيش .. ولو محصلش أي تطور في حالتها الصحية لغاية بكرا الصبح هخليهم ينقلوها مستشفى تاني خاصة عشان تكون تحت عناية واهتمام افضل 
رفعت أناملها الواهنة تجفف دموعها وتتطلعه بلمعة مشاعر مختلفة وابتسامة ممتنة هامسة : 
_ متشكرة أوي بجد يا آدم أنا مش عارفة اشكرك إزاي على وقفتك جمبي 
ضغط على كفها متعمدًا يبتسم بعبث بسيط ويغمغم في مداعبة جميلة : 
_ أنا مش بعمل كدا عشان تشكريني .. ومكنتش هقدر اسيبك أصلًا في الظروف دي الصراحة .. معرفش ليه بس أول ما عرفت إنك في المستشفى جيت فورًا 
سارت باتجاه الباب هامسة في ابتسامة منطفئة :
_ مكنتش اعرف إني مهمة أوي كدا !! 
رفع يده يحك عنقه بتفكير ثم يسير خلفها متمتمًا بمداعبة لطيفة حتى يخرجها من مود الحزن قليلًا : 
_ لا مش اوي يعني .. ممكن تعتبريها جدعنة مني 
اكتفت بتلك الابتسامتها المنطفئة التي تظهر فوق ثغرها دون أن تجيب وفتحت الباب حتى يغادروا وفور خروجه أغلقت الباب جيدًا ثم نزلوا واستقلت بالسيارة معه من جديد ليعود بها لجدتها ! ...
                                      ***
بصباح اليوم التالي .......
كانوا جميعهم حول طاولة الطعام أخيرًا بعد غيابه لسنوات عنهم هاهو يعود ويشاركهم الطعام من جديد والحديث والضحك وكل شيء كما اعتادوا .
لكن منذ أن عاد بالأمس واستقبلته أمه وشقيقته بالسعادة والعناق والترحيب الحار وسط بكائهم وفرحتهم بعودته لهم إلا أنهم شعروا بأن به شيء غريب وكأنه شيء عكر مزاجه وانتشل البهجة من على وجهه .
والآن يجلس فوق مقعده يتناول الطعام بصمت .. بالواقع بل هو يعبث بصحنه دون أن يأكل ..مما أصاب أمه بالدهشة والقلق التي تبادلت النظرات مع ابنتها بحيرة ثم قالت تسأله باهتمام : 
_ هشام ياحبيبي مش بتاكل ليه ؟!! 
لم يرفع نظره عن الصحن إلا حين أجاب على سؤالها بسؤال آخر كان له أثره عليهم هم الاثنين : 
_ خبيتي عليا ليه أنها اتخطبت يا ماما !
توقفت شقيقته عن مضغ الطعام الذي بفهمها وثبتت نظرها على أخيها بدهشة وقلق من ردة فعله بينما أمها فابتلعت ريقها بتوتر وغمغمت بخفوت :
_ محبتش ازود همك ياحبيبي احنا عارفين كويس إنت سافرت ليه أساسًا فمكنش ليه داعي اقولك وازيد وجع قلبك 
هشام بغضب بسيط وصوت مرير : 
_ أنا راجع عشانها .. كنت هسيب كل حاجة ورايا ومش ههتم بأي شيء .. وكنت ناوي اطلب أيدها .. وامبارح لما عديت عليهم وشوفتها ، شوفت الدبلة في أيدها .. فكرك كدا إني ارتحت بالعكس حسيت بسكاكين في قلبي ، ياريتك قولتيلي قبل ما آجي 
انفلعت أمه وصاحت بغضب وألم :
_ آه اقولك عشان تغير رأيك ومتجيش .. إذا كان إنت بنفسك بتقول رجعت عشانها .. مقولتلكش ياهشام وخبيت عنك ولو رجع بيا الزمن هعمل كدا تاني 
 ثم استقامت واقفة وهرولت مسرعة للداخل بينما ألاء فاخذت تنقل نظرها بين أخيها وبين أثر أمها بالخلف التي اختفت داخل الغرفة وتلوى فمها بضيق وحزن .. أصابتها وغزة بسيطة بجسدها حين شعرت بصوت الشوكة الشديد يرتطم بالصحن ثم يهب أخيها واقفًا هو الآخر ويتجه نحو باب المنزل ليغادر تمامًا !! ....
                                    ***
لم يعد للمنزل منذ ليلة أمس .. بقت مستيقظة إلى ما يقارب الثالثة صباحًا على أمل أن يعود لكن بات انتظارها بلا فائدة .. حتى تمكن منها سلطان النوم وغطت بسبات عميق .. و قد اشرقت صباح يوم جديد ولا وجود له حتى الآن ، حاولت الاتصال به لمرة واحدة وقد عزمت أنها ستتحجج بأي شيء عن سبب اتصالها لكنه لم يجيب  عليها حتى ... 
بينما تقف بالمطبخ تقوم بتحضير كوب لبن صباحي لها وعقلها شارد به وأين قد يكون ذهب .. انتفضت بفزع على أثر صوت صفع باب المنزل فسقط من يدها كوب اللبن لينسكب على الأرض وتتناثر جزئيات الزجاج الصغيرة في الأرض بأكملها ولسوء حظها أنها لم تكن ترتدي الشبشب المنزلي فضغطت بالخطأ فوق قطعة زجاج .
انطلق من بيت شفتيها تأوها مرتفعًا بألم كان أشبه بصرخة ودقيقة بالضبط فور ما حدث رأته يدخل المطبخ ويقف على مسافة بسيطة منها هاتفًا باستغراب : 
_ حصل إيه ! 
لم يحصل على الرد منها فكانت تمسك بقدمها وتأن بألم مغمضمة عيناها بقوة ويسقط من قدمها قطرات دماء ، اندفع نحوها مسرعًا بقلق وحملها فوق ذراعيه فورًا هاتفًا في حدة ولهجة صارمة : 
_ ادي نتيجة إنك واقفة من غير الشبشب !! 
صاحت به بغضب ممزوج بتأوه صدر منها : 
_ متتعصبش عليا 
لم يجيب عليها وتجاهلها تمامًا حتى وصل للغرفة فأجلسها فوق الفراش واتجه نحو الحمام يجلب منه المعقم واللاصق الطبي والقطن ثم يعود إليها ليجثى أمامها على الأرض ممسكًا بقدمها ويمد أنامله لكي يسحب قطعة الزجاج فشعر برتعاشتها البسيطة في خوف .. لانت نظراته وكذلك نبرته ليغمغم في حنو : 
_ هتوجعك لازم معلش استحملي 
أغلقت على عيناها بقوة وبعد ثواني انطلقت منها آهًا عاليًا بألم عندما شعرت به يسحبها ثم بدأ بتعقيم جرحها ومسح الدماء برفق ورقة شديدة .. وهي تتأمله دون حركة ، رأته منزعجًا وربما سيتعمد تجاهلها والابتعاد عنها اليوم وربما لأيام بسبب ما قالته .. لا ينظر لها أو يداعبها ويعبث معها ككل يوم .. استاءت من سكوته فقررت هي أن تجعله يتحدث حيث قالت : 
_ هنا إمتى هتجيبها ؟! 
 عدنان بهدوء دون أن يتطلع لها : 
_ بعد الشغل وأنا راجع هعدي اخدها 
هتفت بعناد مقصود حتى تثير أعصابه وتجعله يتحدث فربما يلومها على ما قالته ، هي تدرك أنها أخطأت ولم يكن عليها أن تختار الأكثر سوءًا لتطعنه بها .. وبدلًا من أن تضايقه وتشعره بنفورها منه .. ضغطت على كرامته ورجولته دون أن تشعر : 
_ أنا عايزاها تيجي دلوقتي .. كفاية أوي قاعدة مع مامتك من امبارح بليل 
رفع نظره لها أخيرًا وحدجها باستنكار رافعًا حاجبه اليسار قبل أن يستقيم واقفًا ويهتف في موافقة وهدوء عجيب : 
_ حاضر هجبهالك قبل الشغل .. أي أوامر تاني ! 
اشتعلت غيظًا من رده لكنها التزمت الصمت وهزت رأسها بالرفض ، ثم اخفضت نظرها تتفقد قدمها التي ضمد جرحها جيدًا وانتهى منه فقالت في خفوت : 
_ شكرًا 
_ العفو بس متـ.....
لم يكمل جملته ووجدها تهب واقفة عليها فأصدرت تأوها عاليًا ، أجلسها مجددًا فوق الفراش هاتفًا بحدة تغلفها اهتمامه وحنوه : 
_ متقفيش عليها وارتاحي لغاية ما تخف شوية 
جلنار بعبوس عفوي : 
_ طيب أنا عايزة ادخل الحمام 
هز رأسه بيأس مع شبه ابتسامة بسيطة قبل أن ينحنى عليها مجددًا ليهم بحملها لكنها هتفت مسرعة برفض : 
_ لا لا استني هتعمل إيه !! 
_ هشيلك لغاية الحمام ياجلنار ! 
هزت رأسها بتفهم وقالت بنبرة لان حزمها :
_ اه افتكر 
شعرت به يحملها ويتجه بها نحو الحمام .. كان لا ينظر لها وملامحه جامدة وغليظة مما جعلها تدرك أن غضبه حقيقي منها .. فزمت شفتيها متأففة ثم وجدته يدخل بها الحمام وينزلها على الأرض بهدوء ليستدير بعدها وينصرف ويتركها ...
                                     ***
عاد آدم للمنزل بالصباح حتى يبدل ملابسه ويخرج من جديد لينهي بعض أعماله ثم يذهب لمهرة ... 
انفتح الباب بدون استآذان ودخلت أسمهان وهي عبارة جمرة نيران ملتهبة تهتف في حدة : 
_ كنت فين يا آدم طول اليوم امبارح ! 
تنهد بحنق قبل أن يغمغم ببرود بسيط مخترعًا كذبة حتى لا يفتح عليه حديث لن ينتهى : 
_ كان معايا شغل كتير ياماما واتأخرت 
أسمهان بعصبية وغل : 
_ شغل ولا كنت مع البنت البيئة والقذرة دي !! 
استدار لها بجسده وقال في حزم واستياء : 
_ ماما لو سمحتي متعصبنيش 
_ كنت بتعمل إيه معاها يا آدم .. بقى هي دي اخرتها تكون مع الاشكال البيئة دي !! 
آدم بصيحة رجولية غاضبة تطلق إشارات الإنذار : 
_ مـــامـــا .. أولًا يستحسن بلاش تغلطي فيها قدامي ثانيًا أنا مش طفل وعارف أنا بعمل إيه 
قهقهت أسمهان بقوة وعدم استيعاب لتهتف بنظرات ملتهبة : 
_ مغلطش فيها قدامك .. هي لحقت بالسرعة دي !!! 
تأفف بخنق ونفاذ صبر مفضلًا عدم النقاش معها وبالأخص الآن حيث ابتعد من أمامها وهم بالمغادرة لولا يدها التي قبضت على رسغه لتوقفه وتقول بوعيد شيطاني حقيقي وعينان مشتعلة : 
_ ابعد عن البنت دي يا آدم عشان أنا لا يمكن اسمح بحاجة زي كدا .. سبق وسمحت لأخوك واديك شوفت النتيجة .. متغلطش زيه ياحبيبي 
سحب رسغه من قبضتها ببطء وغمغم بصلابة ولهجة رجولية خشنة : 
_ أنا آسف بس أنا مش هنتظر أخد الأذن منك في الحاجة دي بذات ياماما .. دي حياتي وأنا اللي هقرر فيها مش إنتي 
انهى عبارته واستدار مغادرًا الغرفة بأكملها يتركها بركان على وشك الانفجار ويتوعد بالقضاء على الأخضر واليابس حين ينفجر ...
                                    ***
كانت تقف أمام الخزانة تخرج لها رداء منزلي حتى تبدل ملابسها غير منتبهة لذلك الذي تسلل من خلفها حتى وقف شبه ملتصقًا بظهرها تمامًا وانحنى  على أذنها يهمس في نبرة غريبة ومريبة قليلًا .. تحمل بعضًا من الغضب وبعضًا من المرارة : 
_ رغم كل محاولاتي  في إني ارضيكي واعوضك بكل شكل واخليكي تسامحيني .. إلا إنك لسا مازالتي مصممة تشوفيني الشخص السيء واللي حتى ميستحقش مجرد فرصة تانية مش العفو .. ومش بتفوتي الفرصة في إنك تطعنيني بكلامك القاسي .. مكنش له داعي اللي قولتيه امبارح .. كنتي ممكن تقوليلي إنك مش بتحبيني وكان ده كفاية أوي وكنتي برضوا هتقدري توجعيني ...
يتبع.....
لقراءة الفصل الخامس والثلاثون : اضغط هنا
لقراءة باقي فصول الرواية : اضغط هنا
نرشح لك أيضاً رواية اختار القدر ان يجمعنا للكاتبة فاطمة علي مختار
google-playkhamsatmostaqltradent