recent
أخبار ساخنة

رواية سرغائب الفصل الثالث والأربعون 43 بقلم سماح نجيب

                                            رواية سرغائب الفصل  الثالث والأربعون 43 بقلم سماح نجيب

رواية سرغائب الفصل  الثالث والأربعون 43 بقلم سماح نجيب

 رواية سرغائب الفصل  الثالث والأربعون 43 بقلم سماح نجيب

انحنى مجدى بجزعه قليلاً للأمام ولكنه ظل صامتاً لبرهة فزوت ما بين حاجبيها بغرابة فهى بإنتظار سماع ما سيقوله طال الصمت لمدة دقيقة كاملة حتى هتف مجدى بإبتسامة بشعة:
–إحنا مش هننقم منه بس لاء هنقتله...

جفلت أيتن بعد سماع ما قاله مجدى فهى تريد إلانتقام من حسام ولكن ليس إلى الحد الذي يؤدى لقتله

فهتفت به بصوت مصدوم:
–أنت بتقول إيه يا مجدى نقتله إيه أنت أتجننت أنت عايز تودينا فى ستين داهية وتوصلنا لحبل المشنقة

أبتسم مجدى بجانب فمه قائلا بسخرية:
–هو أنتى مفكرة هنقتله بجد يعنى أنا قصدى نموته بالحيا نخربله حياته ونخليه يكره نفسه ونضيع منه كل حاجة هو ده ميعتبرش موت

فهمت أيتن ما يرمى إليه فأنحنت قليلاً للأمام قائلة :
–أه فهمت بس تفتكر نبتدى بأيه يا مجدى

حك مجدى جبهته بتفكير ثم هتف بحماس:
–إيه رأيك فى المعرض بتاعة نولع فيه دا العربيات اللى فيه تمنها غالى قوى وهتبقى ضربة مش هيلحق يفوق منها ونشوفله مصيبة تانية

نقرت بأصابعها على حافة البار بتفكير ثم قالت بتأكيد:
–حلو ده يا مجدى بس طالما محروق منه أوى كده محاولتش تعملها من زمان ليه

قطب مجدى جبينه قائلا بحنق:
–ومين قالك أن محاولتش بدل المرة عشرة بس كان دايما ينفد منها والموضوع يبوظ والناس اللى أبعتها تفشل فى الموضوع بس المرة دى هعملها بنفسى وأنتى طبعا معايا يا أيتن ولا غيرتى رأيك

أومأت برأسها بإصرار فهى لديها من العزم ووساوس الشيطان ما يجعلها مصممة على فعل ذلك وتشفى غليلها من حسام فمدت يدها تصافحة دليل على الموافقة فوضع يده بيدها يشد عليها بخبث قائلاً:
–الاتفاق ميبقاش كده يا أيتن

علا صوت ضحكاتها بالمكان فتركت مقعدها تتأبط ذراعه تسير بخطوات مترنحة من أثر تلك الخمور التى أحتستها بكثرة فوصل إلى سيارته يجلسها بالمقعد المجاور له وأتخذ مقعده خلف المقود ينطلق بالسيارة حيث ذلك المكان الذى يستطيع إرتكاب تلك الفاحشة بدون خوف أو وجل من الله وليكملوا خططهم الإنتقامية
________
بمطار القاهرة الدولي...وقفت ثراء بجوار زوجها لتوديع صافى وجدتها قبل سفرها إلى دبى فهى من طلبت من زوجها الحضور

أقتربت منها صافى تحتضنها بإبتسامة واسعة تهتف بحبور:
–أشوف وشكم بخير ربنا يسعدكم يارب

ربتت ثراء على ظهرها بخفة قائلة:
–ويسعدك أنتى كمان وتوصلوا بالسلامة إن شاء الله

تركت صافى ثراء فأنحنت تحمل مليكة تقبلها على وجنتيها قائلة:
–سلام يا كوكى خلى بالك من ماما وبابا ماشى

أومأت مليكة برأسها قائلة بصوت طفولى رقيق:
–حاضر يا صافى

إبتسمت صافى على قولها فطالعت أيسر بإمتنان:
–اشوف وشك بخير يا أيسر أنا لو قعدت أشكرك طول عمرى مش هوافيك حقك ربنا يباركلك فى مراتك وبنتك ويسعد أيامكم

رد أيسر قائلا :
–تسلمى يا صافى وتوصلى بالسلامة وربنا يسعدك وأبقى طمنينى عليكم توصلوا بالسلامة يارب

أقتربت فريدة منه تصافحه بحرارة تربت على كتفه بحنان قائلة:
–ربنا يباركلك يا أبنى ويريح قلبك دايما يا رب نشوفكم على خير

أبتعدت صافى وفريدة يلوحن بيديهن لأيسر وثراء والصغيرة وملأت أعينهن الدموع ،دموع فرح ودموع فراق بعد إبتعادهم عن مرمى بصرهم إستدار أيسر لزوجته وإبنته قائلا بحنان:
يلا علشان نروح ولا تحبوا نروح نتفسح شوية

ردت مليكة قائلة بحماس شديد:
–أيوة يا بابى عايزة أتفسح وألعب

داعبت ثراء رأس صغيرتها بإبتسامة :
–ماشى نروح نفسح الست كوكىعلشان بالليل أحنا معزومين على العشا عند بابا

حمل أيسر صغيرته على ذراعه تشابكت يده بيد ثراء تسير بجواره حتى وصلا إلى السيارة يفكر فى المكان المناسب لنزهة الصغيرة ولقضاء وقت جميل برفقة معشوقته وصغيرته فربما إبتسمت له الدنيا أخيراً بعد سنوات من العذاب والجراح
أنقضى يومه برفقتهن بين الضحكات واللهو والمرح من صغيرته التى لم تهدأ منذ وصولها لمدينة الألعاب،فهى لم تترك لعبة واحدة إلا وكانت ترجوه أن يتركها تلهو بها

رفعت مليكة يدها تلوح لهم بمرح قائلة:
–بابى مامى

أبتسم أيسر على أفعال صغيرته فطالع زوجته بجانبه قائلاً:
–دا أنا فرهدت ليها سلف كفاية عليها كده يا ثراء

حركت ثراء برأسها يائسة تقول:
–قولها كده يلا نروح اصلك لسه أول مرة تروح مع مليكة الملاهى بمجرد ما تقولها كفاية ويلا نروح هتعيط وإحتمال تلم علينا الناس ويفتكروا أن إحنا خاطفينها

تعالت صوت ضحكته على ما تفوهت به زوجته إلا أنه رد قائلاً:
–متخافيش هى هتسمع كلامى

حركت ثراء كتفيها قائلة:
–ورينى شطارتك أنا شكلى هروح أنام على السفرة عند بابا فى طبق الشوربة انا تعبت عايزة أروح أريح ساعتين قبل العشا

ضيق أيسر ما بين عينيه قائلا بابتسامة:
–ولو أقنعتها وروحنا تعملى إيه تدينى إيه يا ثراء

ردت ثراء فى الحال قائلة:
–اللى أنت عاوزه يا أيسر بس بجد عايزة أروح كفاية كده

طالعها بدهاء قائلاً:
–وأنا عايزك أنتى يا ثراء

شهقت بخفوت يرافقه خجلها الذى اصبغ وجهها فزاغت بعينيها عن مرمى خضراوتيه فتصنعت عدم سماعها ما قاله
طرأت برأسه فكرة فهو أيضاً يريد العودة للمنزل ولكن كيف يقنع صغيرته بالعودة الآن ،أقتربت مليكة منهم قائلة:
–بابى عايزة ألعب اللعبة دى كمان

أنحنى أيسر إليها يحملها قائلاً:
–كفاية كده يا كوكى علشان هنروح وبالليل هنروح عند جدو وتيتة وتلعبى مع ريان

لاحظ ضيق وتبرم الصغيرة فهى مطت شفتيها بإستياء تعقد ذراعيها أمام صدرها بحزن فمسد على رأسها قائلاً
–لو روحنا دلوقتى هخليكى بكرة تركبى الحصان تانى ماشى

إبتسمت مليكة على ذلك العرض الذى عرضه عليها والداها فأومأت برأسها موافقة ليحملها على ذراعه ينظر لزوجته بدهاء فها هو أوفى بوعده وجعل الصغيرة توافق على العودة للمنزل
وصلوا للمنزل فاقتربت المربية تأخذ مليكة من أجل إطعامها وتبديل ثيابها ،بينما صعدت ثراء للغرفة دقائق ووجدت زوجها يلج الغرفة خلفها يغلق الباب يفرك يديه بحماس قائلاً:
–يلا أنا خليت مليكة ترجع البيت أهو الدور عليكى بقى تنفذى كلامك

رفعت ذراعيها وهى تتراجع بخطواتها للخلف قائلة:
–أيسر بقولك إيه أنا عايزة أنام دلوقتى

أقترب منها قائلا ً:
–أنتى قولتى اللى عايزه هتنفذيه ولا رجعتى فى كلامك

ظل يقترب منها حتى أصبح ملاصق لها يلاطف إياها يداعب وجنتيها فحاولت دفعه عنها بدلال ولكن ربما زادت فى دفعه حتى كاد أن يترنح بوقفته لم تدرك فداحة ما فعلت إلا عندما وجدته يقف مكانه يضع يديه بجيب بنطاله ظل صامتاً لم يبدو على وجهه أى تعبير تستطيع به معرفة بما يفكر به وجدت صمته قد طال ولكن وجدته يتركها يذهب للحمام بدون أن يتفوه بكلمة ،قطبت حاجبيها بغرابة مما فعل فهى لم يكن مقصدها أن تبعده عنها لأنها غير راغبة فى أقترابه منها فهى كانت تمزح معه وحسب ،جلست على الفراش فى إنتظار خروجه ولكن ظل وقتاً طويلا حتى غفت وهى جالسة بإنتظاره،
بعد مرور ساعتين أقترب أيسر من الفراش يوقظها بلطف قائلاً:
–ثراء ثراء أصحى يلا علشان تجهزى علشان نروح بيت باباكى

لم يزد كلمة أخرى وأبتعد عن الفراش يقف أمام المرآة ينهى إرتداء ثيابه تعجبت ثراء من صنيعه ولكن ليس لديها متسع من الوقت لتجادله فلتذهب لمنزل والداها الآن وعندما تعود ستتحدث معه بشأن ما حدث ،بعد إستعدادهم للذهاب لمنزل جمال الرافعى أخذهن أيسر بسيارته يقودها بهدوء وصمت تطالعه هى من الحين للآخر فهو بإمكانه أن يكون أشد برودة من تلك الرياح الباردة بموسم الشتاء وقت ما يريد

زخرت تلك المائدة بمنزل جمال الرافعى بأشهى المأكولات والمشروبات فى إنتظار إجتماع عائلة الرافعى بأكملها فاليوم هو المتفق عليه بين عزام وجمال ليجتمع عزام بأيسر لتصفية الخلاف بينهم ،حرص جمال على عدم إخبار أيسر بشأن حضور عزام لأنه يعلم أنه ربما يرفض أيسر المجئ فأخبره أن اليوم يريد منه ومن إبنته تناول العشاء معهم بجو أسرى لطيف فلبى أيسر دعوة عمه على الفور

حملت فيروز إحدى الأطباق بين يديها تطالع جليلة قائلة:
–جليلة هاتى بقية الأطباق والشوك والمعالق

أومأت جليلة برأسها إيماءة مهذبة قائلة:
–حاضر يا ست فيروز بس حضرتك تعبتى نفسك وأصريتى تعملى أكل العزومة كله لوحدك ومخلتنيش أساعدك إلا فى حاجات بسيطة أوى

إبتسمت فيروز قائلة:
–أهو كنت بتسلى ما أنا قاعدة طول النهار مبعملش حاجة ثم أن جمال عازم أخوه ومراته وإبنه وكمان ثراء وأيسر ومليكة جايين فحبيت أنهم يأكلوا من إيدى

ردت جليلة قائلة بابتسامة:
–تعيشى وتعملى يا ست فيروز ربنا يجعله عامر دايما بحسك وحس الدكتور جمال

–تسلمى يارب
تمتمت بها فيروز وهى تضع الطبق من يدها على المائدة ،أرتقت درجات السلم حتى وصلت لغرفتها ولجت للداخل وجدت زوجها ينتهى من إرتداء ثيابه فهتفت به قائلة:
–خلاص يا جمال خلصت
إستدار جمال إليها باسمها قائلاً:
–أيوة خلاص لسه محدش وصل منهم

حركت فيروز رأسها نفياً قائلة:
–لاء لسه زمانهم على وصول دلوقتى وكمان العشا جاهز وكله تمام وأنا اللى عملتلكم الأكل بإيدى

تناول جمال يدها يربت عليها بحنو قائلاً:
–تسلم إيدك يا حبيبتى أكيد هناكل صوابعنا وراه

لم يكف تلك السنوات التى قضتها برفقته من أن يمتدح كل شئ تقوم به من أجله فتلك هى عادته لايترك مناسبة إلا ويخبرها بإمتنانه لتلك الظروف التى جعلته يتزوجها ،فما زال قلبه حانياً مليئ بالحب والعطاء فدائما ما كانت تخبره أنه دعوة والدايها لها
بغرفة حسام...
أنتهى من إغلاق أزرار قميصه يلتفت خلفه يحدق بزوجته التى تجلس على حافة الفراش تنتعل حذاءها تخفض رأسها فتتدلى خصلات شعرها الأشقر على جانبى وجهها لتقوم برفعه خلف أذنها ولكن ما ينفك أن يتدلى ثانية حتى تأففت بصوت منخفض:
–أووف إيه ده أنا لازم أقص شعرى دى شوية

_إياكى تعمليها أنتى فاهمة
قالها حسام فجأة لترفع ميرا وجهها تطالعه بغرابة قائلة:
–هو إيه ده أنت سمعت اللى قولته إزاى

رد حسام ممازحاً:
–أصل ودانى ردار بتلقط الصوت على طول وأنا بحذرك أهو لو قصيتى شعرك أنتى حرة أنا بحبه كده

تركت مكانها وأقتربت منه تحاوط عنقه تنظر اليه بوداعة:
–طب خلينى أقصه شوية بس علشان بقى طويل وأنا من ساعة ما أتجوزتك ومقصتهوش خالص

تخلل خصلات شعرها بأصابعه يمرره بين يديه ينساب بحريرية يشبه سنابل القمح الناضجة فدمدم قائلاً:
–تؤ تؤ مش هتقصيه ماشى يا ميرا أنا بعشق لون شعرك ده يا مهلبية أنتى

علمت إنه إذا أصر على موقفه لن تستطيع إقناعه ولكن لا تنكرها شعورها بالسعادة كون زوجها مغرم بها حتى يخشى أن تفقد شئ من جمالها حتى وإن كانت خصلات من شعرها

فهمست بصوت ناعم:
–بتحب لون شعرى بس يا سمسم

–أنتى عارفة لو مبطلتيش تتكلمى كده بصوتك الحلو ده مش هنتعشى النهاردة

شهقت بخفوت بعد أن وعت مقصده فأبتعدت عنه سريعاً لتنهى إرتداء حجابها فتبسم ضاحكاً من فعلتها ،التقط فرشاة الشعر يمشط شعره فتنهد قائلاً:
–كان نفسى جدى وتيتة يبقوا حاضرين معانا العشا النهاردة

إبتسمت ميرا قائلة:
–هم دلوقتى فى أطهر مكان فى الدنيا أنا كل يوم أكلمهم علشان يدعولنا وهم فى الحرم يرجعوا بالسلامة إن شاء

حدق حسام بها بنظرة عابثة متكاسلة:
–أه ومش عايزين ننسى بقى نحقق لتيتة أمنيتها وترجع من السعودية نقولها أنك حامل أنتى عارفة مبحبش أزعل مرمر

فغرت ميرا فاها من حديث زوجها فهى لا تعرف ما أصابه اليوم فهو لا يترك مجال لها إلا ويجعلها أكثر خجلاً من تلميحاته لها فرأت أنه من الأفضل أن تخرج من الغرفة فهى بالأساس ليس لديها القدرة الكافية على مقاومة تودده لها فهو نقطة ضعفها التى لاتريد أن تبرأ منها أبداً حتى مماتها

هبطت ميرا الدرج فلمحت دلوف والدايها وشقيقها فأقتربت منهم قائلة بسعادة:
–نورتوا البيت أتفضلوا

أقتربت من والديها تقبله على وجنتيه ثم شقيقها وأحتضنت والداتها تقبلها هى الأخرى،جلسوا بإرتياح بغرفة الصالون دقائق وولج جمال وزوجته مرحبين بحضورهم

مدت فيروز يدها تصافح لبنى قائلة:
–أزيك يا لينى نورتى البيت

شدت لبنى على يدها لا تعلم هل تضمن مصافحتها لها ذلك الندم الذى تشعر به من إساءتها إليها طوال أعوام سابقة أم تخبرها بندمها الصريح عما فعلته معها عندما كن يعيشن بمنزل واحد ولكنها لم تستطيع سوى التفوه بتلك الكلمات:
–الحمد لله يا فيروز أنتى عاملة إيه

إبتسمت فيروز تجلس بجانبها فهى علمت بشأن كل ما حدث معها من إبنتها ميرا وأيضاً من حسام وإخباره لها بشأن تغير طباعها المتعجرفة التى لمسها من تعاملها معه بتلك الآونة الأخيرة

ربتت فيروز على يدها قائلة بإبتسامة:
–الحمد لله نحمد ربنا متأخذنيش أن من ساعة ما رجعتى مصر مجتلكيش ولا شوفتك

أومأت لبنى برأسها بتفهم فبادرت قائلة:
–أنا عارفة يا فيروز أنك ممكن تكونى لسه مفكرة أن أنا لبنى بتاعة زمان وصدقينى مقدرش ألومك لو كنتى حابة أنك متعرفنيش أو يبقى فى صلة بينى وبينك لأن برضه أنا معملتش فيكى شوية وضايقتك كتير بس سامحينى أنتى طول عمرك قلبك كبير وبتسامحى

ضغطت لبنى بيدها على يد فيروز الممسكة بها تنشد منها المسامحة على أفعالها السابقة معها فما كان رد فيروز سوى أنها أبتسمت بوجهها قائلة:
–المسامح كريم يا لبنى وخلاص اللى فات فات ومش لازم نتكلم فيه كتير خلينا فى اللى جاى يعنى أحنا هنعيش أكتر من اللى عيشناه أنا أه اصغر منك يا لبنى ولسه حلوة وصغيرة بس ده ميمنعش أن محدش ضامن عمره
قالت فيروز جملتها الأخيرة متفكهة رغبة منها فى المزاح معها فتعالت صوت ضحكة لبنى على ما تفوهت به فيروز

ولج حسام الغرفة قائلاً:
–مساء الخير عليكم منورة يا حماتى

رفعت لبنى حاجبها قائلة:
–دا نورك يا أبن فيروز ما أنت طالع لأمك

أقترب حسام منها ينحنى قليلاً إليها قائلاً:
–مالها أمى يا حماتى

–عسل زيك يا حسام أنا قولت حاجة
تصنعت لبنى الخوف من حسام فتعالت ضحكات الجميع ،إبتسم عزام على ما تفوهت به زوجته فتلك هى المرة الأولى التى يرى بها أفراد عائلته يمزحون ويرى الضحكات والابتسامات على وجوههم فينقصه فقط أن يسامحه أيسر وثراء على ما فعله بهم وإنه كان قاصداً وغير قاصداً فى هدم حياته بالسنوات الماضية فأيسر عانى من ظلمه وبطشه منذ مولده وثراء عانت من حقد أيسر وكرهه له الذى جعله يريد إيذءاه بأى وسيلة لينتج بالأخير خسارته لزوجته نتاج ما فعله
ولج أيسر بإبتسامة يحمل صغيرته تسير ثراء بجانبه ولكن سرعان ما ماتت بسمته على شفتيه عندما وقع بصره على عزام وهو جالساً يتجاذب أطراف الحديث مع شقيقه جمال فهو لم يضع بحسبانه أن يراه اليوم ،فتلك السنوات الماضية تجنب رؤيته رغم معاملته الطيبة مع شهاب وميرا ولكن ذلك الجدار المقام بينه وبين عزام لم يحاول هو هدمه فهو سعيد بإبتعاده عن التفكير به وبما فعله به سابقاً ،لم يجد مفر من إلقاء تحية المساء ترافقها إبتسامة مقتضبة،رد الجميع التحية
فحرص أيسر على أن يجلس على ذلك المقعد بجوار حسام فربما إنشغاله بالحديث معه يجعله لا يلتفت لذلك الجالس ولم يخفض بصره عنه

هبت فيروز واقفة قائلة بإبتسامة عريضة:
–يلا يا جماعة قبل العشا ما يبرد

ألتفوا جميعا حول تلك المائدة العامرة تناولوا طعامهم بصمت ببداية الأمر سرعان ما تحولت جلستهم للمرح بسبب مزاح حسام بالبداية ليتبعه أفراد العائلة ما عداه هو فهو ظل جامداً و بارداً يتناول طعامه بصمت حتى لم يعر أنتباهاً لمحاولة زوجته فى أن تخرجه عن صمته فهى مدت يدها أسفل الطاولة تحتضن يده ولكنها أستاءت من بروده معها فشرعت فى تناول طعامها بصمت هى الأخرى ،فعلم أنها ربما أنزعجت من تصرفه معها ولكن لا تعلم ما يدور بخاطره الآن فرؤيته لعمه عزام أحييت بنفسه كل تلك الذكريات الأليمة التى تركت ندوبها بقلبه
بعد إنتهاءهم من تناول العشاء وجد أيسر جمال يقترب منه قائلاً:
–أيسر أنا عايزك أنت وثراء عمكم عزام عايزكم

أذعن أيسر لحديث جمال فسار خلفه حتى وصلا لغرفة المكتب ولج هو وزوجته يجلسون على تلك الأريكة يحاول أن ينظر لأى شئ سوى وجه ذلك الرجل الذى أستند بيديه على عكازه

بدأ عزام حديثه قائلاً:
–أنا حبيت أقعد معاكم النهاردة علشان عايزكم تسامحونى على اللى عملته وننسى اللى حصل زمان وخصوصاً أنت يا أيسر

أنتفض أيسر بحدة قائلا:
–عايزنى أنسى إيه بالظبط، أى ذكرى سودا عشتها عايزنى أنساها، أنسى لما كنت طفل وبشوف الاولاد اللى فى سنى عايشين كويس وأنا لاء، ولا أنسى لما أيام كنت بنام أنا وأمى من غير أكل وأنت كنت عايش فى نعيم، ولا أنسى لما كنت عيل مكملش ١٠ سنين وشوفت أمى واحد كان عايز يعتدى عليها وهى راحة طالبة منه شغل علشان تصرف عليا ولولا ستر ربنا عرفت تخلص نفسها منه، ولا أنسى لما كنت بشتغل فى ورش وأتهان وأنضرب علشان أرجع بفلوس أجيب بيها أكل ليا أنا وأمى أن شوفت الذل على ما أتعلمت وكبرت، أن أنا شوفت أمى بتموت قدامى ومكنش فى إمكانى أن أعالجها كويس قولى يا عزام باشا عايزنى أنسى ده كله إزاى يبقى أنا محتاج أفقد الذاكرة علشان أقدر أنسى

لن يستطيع محو كل تلك الذكريات والسنوات التى قضاها بشقاء وبؤس فهو يكفيه أن يغمض عينيه لتمر حياته أمامه كشريط فيلم سينمائى مأساوى ، تألم قلبها من تخيلها فقط لما عناه زوجها بحياته السابقة لم تجد سوى أن تمد يدها تضغط على يده تواسيه ولكن أى مواساة تستطيع محو كل تلك الندوب التى تركت أثارها على جدران قلبه

أزدرد عزام لعابه يهتف بصوت مترجى:
–ياريت تحاول تسامحنى يا أيسر أنا مش طمعان غير فى أنك تسامحنى

زفر أيسر بتعب قائلاً:
–ربنا اللى بيسامح يا عزام باشا عن إذنك أنا محتاج أرتاح ومتخافش يا عزام باشا أنا مبدعيش عليك

أنهى أيسر جملته وخرج من الغرفة تنهدت ثراء قائلة:
–عمو أيسر محتاج وقت منقدرش نخليه ينسى عمر بحاله فى أيام بسيطة بس صدقنى أيسر طيب وبالرغم من اللى عمله قلبه مبيحقدش على حد فمتقلقش مسيره يوم هيسامح وأن كان عليا أنا مسمحاك عن إذنك علشان أشوف جوزى وبنتى

خرجت ثراء من غرفة المكتب للحاق بزوجها ،فطالع عزام شقيقه جمال الذى ظل صامتاً منذ جلوسهم فهتف بحزن:
–شوفت يا جمال مش هيسامحنى يسامح إزاى وأنا عيشته عمره كله فى فقر وذل

ربت جمال على ذراع شقيقه قائلاً:
–إهدى يا عزام وزى ثراء ما قالتلك مسيره يوم هيسامح

أغمض عزام عينيه بتعب فمتى يحين ذلك اليوم المنتظر فهو يخشى أن يموت قبل أن يسامحه أيسر
عادت ثراء برفقة زوجها للمنزل فمثلما ذهبوا قد عادوا والصمت يرافقهم وجدته يسرع خطواته فى الذهاب لغرفتهم بعد تقبيله صغيرتهم ووضعها بفراشها
وقف بالشرفة بعد تبديل ثيابه يستند على السور بيديه شعر بألم بأظافره من خدشه للسطح ، فلماذا عادت تلك النيران وأشتعلت بقلبه ثانية فهو حاول أن يتخذ من عشقه لثراء دواء لندوب قلبه ،فى خضم صراعه مع نفسه وجد يدها تتسلل تطوق خصره تستند برأسها على ظهره قائلة بصوت ناعم:
–حبيبى

وجدت جسده يتصلب فهو حتى لم يلتفت إليها فأستطردت قائلة:
–أنت زعلان منى يا أيسر

أومأ برأسه نافياً ما تقوله وهو مازال يوليها ظهره فهو الآن لا يتذكر أى شئ حدث بيومه سوى مقابلته لعزام ،وجدها تسحبه من مرفقه تديره إليها قائلة:
–طب طالما مش زعلان منى مش راضى تبوصلى ليه وساكت كده ومش عايز تكلمنى على فكرة مكنش قصدى أبعدك عنى أنا كنت بدلع عليك بس الظاهر الدلع كان بزيادة

زفر بخفوت يحنى رأسه للخلف قليلاً يحدق بالسماء قائلاً:
–مفيش حاجة يا ثراء وأنا مش زعلان منك أه أنا أضايقت فى الأول بس دلوقتى بفكر فى حاجة تانية فى اللى حصل فى بيت باباكى

حاولت هى الترويح عنه فهى لا تريد أن يظل يفكر فيما حدث وتعتلى ملامح الضيق وجهه
فأقتربت منه تهمس له قائلة:
–وحشتنى

كلمة واحدة منها قادرة على أن تجعل سحابة الذكريات السوداء تنقشع،تسمح لنور الغرام أن ينير ذلك الظلام الذى سكن بين ثنايا قلبه وأن تمسح بيدها الحانية على تلك الجراح فتلتئم ،كأن بيدها عصى سحرية تلقى بها تعويذة العشق على قلبه تجعله خاضعاً لتلك السعادة المرتسمة بعينيها، تسابقت أنفاسه فى إخبارها بمدى إشتياقه إليها ورغبته فى أن تظل تردد على مسامعه تلك الكلمات التى لا يمل منها أبداً، لم يكن رده عليها سوى أن يقطف لها نجوم الحب يصنع لها تاج العشق وثوب الغرام
_______________
باليوم التالى مساءاً...جلس أيسر مع حسام بمعرض السيارات الخاص به يتجاذبان أطراف الحديث فزوجاتهم خرجن اليوم لشراء بعض الأغراض الخاصة للصغار

ناول حسام فنجان القهوة لأيسر قائلاً:
–خد القهوة بتاعتك أهى مش عارف بقى مظبوطة ولا أخبرها إيه الساعى مجاش وأنا اللى عملتهالك

أخذ أيسر الفنجان منه ينظر إليه بتقييم :
–قصدك عككهالى هى مالها عاملة زى الماية العكرة كده ليه

رفع حسام شفته العليا بامتعاض قائلاً:
–تصدق أنا غلطان يا أيسر عنك ما شربتها يا أخى متفلقنيش بقى

بادله أيسر نظرته الممتعضة ولكنهم ما لبثوا أن تعالت صوت ضحكاتهم على ما تفوهوا به

فزفر حسام قائلا بهدوء:
–وأنت أخبارك إيه مع ثراء تمام الحمد لله

أومأ أيسر برأسه وأرتسمت إبتسامة جذابة على شفتيه عند سماعه إسم زوجته فرد قائلا بسعادة:
–الحمد لله يا حسام أخيرا حسيت أن الدنيا ضحكتلى برجوع ثراء وبوجود مليكة كمان

مد حسام يده يربت على يد أيسر الموضوعة على حافة المكتب قائلاً بتمنى:
–ربنا يسعدكم يارب وتبقى حياتكم سعيدة على طول

–ويسعدك أنت كمان يا حسام
قالها أيسر وهو يترك مقعده فظن حسام أنه مغادرا فهتف به قائلا:
–أنت قومت ليه رايح فين كده

وضع أيسر يده بجيب بنطاله يدير رأسه لحسام قائلاً:
–هبص بصة كده على العربيات كنت عايز أغير عربيتى بقالى فترة بس مش عارف كنت مكسل ليه
تبع حديثه بضحكة عالية وخرج من المكتب يتجول بين السيارات المعروضة يتفحصها لإنتقاء أفضلها تبعه حسام يكملا حديثهم

فنظر أيسر لساعته قائلاً:
–ما تقفل المعرض وتعال نتعشى برا على ما ثراء وميرا يرجعوا علشان الصراحة جوعت أوى

وافق حسام على إقتراحه فأغلق كافة منافذ المعرض واخذ سيارته يتبعه أيسر حتى أبتعدا عن مرمى بصر هؤلاء الجالسين بتلك السيارة المترقبين خروج حسام من المعرض
ألتفت مجدى لأيتن قائلاً:
–هو خلاص خرج أهو وكمان العامل اللى بيشتغل فى المعرض النهاردة مجاش أنا عرفت أن النهاردة أنسب وقت لتنفيذ اللى إحنا عايزينه

أومأت أيتن برأسها موافقة قائلة بحقد:
–ماشى يا مجدى يلا بينا بس أستنى أكيد فى كاميرات مراقبة وممكن نتكشف كده يا مجدى ونروح فى داهية لو أتعرفنا

إبتسم مجدى بجانب فمه قائلا :
–متقلقيش أنا جايب معايا ماسكات هنلبسها ووشنا مش هيبان وكمان لما المعرض يولع أكيد كاميرات المراقبة هتتحرق لأن النار هتخلى العربيات تنفجر بسبب البنزين اللى فيها
لم يترك أى شئ للصدفة فهو وضع خطته لايريد أى شئ يفسدها لذلك وضع كل إحتمال برأسه ليجد له حل قبل أن يقدم على خطوته تلك فربما حان الآن الوقت المناسب لتفيذ ما فشل فى تنفيذه طوال تلك السنوات الماضية

مد يده يناولها قناع للوجه قائلاً بحزم:
–خدى الماسك أهو ألبسيه وكمان غطى شعرك بالكاب ده

سارعت أيتن فى تنفيذ ما قاله ليتأهبا سويا للترجل من السيارة حمل مجدى عبوات بلاستيكية بها مواد الاشتعال ناول أحدها لأيتن فظلت تلتفت حولها خشية من أن يراهم أحد ولكن ربما كان الحظ حليفيهم فالحى هادئ فى ذلك الوقت ،أقتربا من المبنى وبدأ بسكب محتويات العبوات فظل كل منهم يغلى من الحقد والشر فلم ينتبها لذلك الرزار المتطاير على ملابسهم ،بعد إنتهاءهم نظر كل منهم للأخر بسعادة فهتف مجدى قائلاً:
–خلاص كلها ثوانى والنار هتوصل للسما أنا جبت مواد سريعة الاشتعال يعنى بمجرد ما عود الكبريت هيلمسها محدش هيقدر يوقفها ولا يطفيها

أرتد بخطواته قليلاً للخلف وعلت صوت ضحكته فأخرج علبة أعواد الثقاب من جيبه فها قد حانت اللحظة المنتظرة ولكن بمجرد احتكاك عود الثقاب تتطاير منه شرار صغير وقع على قدم مجدى لم يدرى ما يحدث إلا عندما وجد النار تشتعل بملابسه فصرخ بصوت عالى وهو يرى النار ممسكة به إلى منتصف ساقه سرعان ما أشتعلت ملابسه بالكامل

فظل يصرخ بأعلى صوته قائلاً:
–أيتن ألحقينى النار يا أيتن
لم يسعفها عقلها بفعل شئ فى ذلك الوقت فأقتربت منه تحاول مساعدته ولكنها لم تضع بحسبانها أن تنشب النار بملابسها هى الأخرى فظلت صرخاتهم تعلو اكثر فأكثر فهم أصبحوا كجمرة من نار من رأسهم لأخمص قدميهم لم يجدا عون أو مساعدة من أحد فى ذلك الوقت
عاد حسام بسيارته بعد تذكره أنه ترك هاتفه فعاد هو وأيسر قبل ان يصلا للمطعم أتسعت حدقتيه وهو يرى إثنان دبت النار بجسدهم يحاولون الركض بأى مكان خرج مسرعاً من سيارته يضع يده على فمه من هول ذلك المشهد الذى يراه فتذكر مطفأة الحريق بسيارته فأخرجها بسرعة ليفعل أيسر ذلك هو الآخر حاولا الإثنان إطفاء تلك النيران وبعد دقائق سقط الجسدين المشتعلين تحت أقدامهم فأنحنى حسام ليرى من يكونان فأنحنى أيسر بجانبه

تفرس أيسر بوجه أيتن فملامح وجهها أصبحت مشوهة بالكامل فنظر لحسام قائلاً:
–مين دول يا حسام تعرفهم

حاول حسام التعرف على هوية ذلك الشاب الملقى أمامه فأومأ برأسه بجهل:
–مش عارف يا أيسر شكل وشهم متغيير خالص ومش واضح بس إزاى يحصلهم كده قدام المعرض وكانوا عايزين إيه

علم أيسر أنه ربما لم يلقا حتفهم بعد فسمع صوت أنين من تلك الفتاة وهى تقول بهمس:
–مجدى
سمع حسام ذلك الاسم فقطب جبينه وعاود النظر لوجه مجدى قائلا بحيرة:
–مجدى ! معقولة أنت مجدى
حرك مجدى رأسه بضعف قائلا بصوت هامس:
–أيوة أنا مجدى يا أسطى حسام فاكرنى

جحظت عينى حسام بعدما علم هوية من يكون ذلك الشاب فهتف بصوت مصدوم:
–مجدى وإيه اللى خلاك تعمل فى نفسك كده ومين اللى معاك دى كمان وكنت عايز إيه منى

رد مجدى يلفظ أنفاسه بصعوبة بالغة:
–دى أيتن عارفها كانت عايزة تنتقم منك هى كمان بس ربنا أنتقم مننا إحنا
لم يزد مجدى كلمة أخرى ولفظ أنفاسه الأخيرة تتبعه أيتن تصعد أرواحهم لبارئهم
نظر أليهم أيسر بأسف فاستقام بوقفته قائلا:
–لا حول ولا قوة إلا بالله إن لله وإن إليه راجعون أحنا لازم نبلغ البوليس يا حسام
أخرج أيسر هاتفه لإخبار الشرطة بتلك الواقعة وحسام ما زال جالساً القرفصاء بجوار جسد مجدى وهو لم يتجاوز صدمة ما سمعه منهم أو تخيل ماذا كانوا يريدون أن يفعلوا؟ فعدل الله نافذ فالله يعطى عباده فرص عديدة للتوبة وإصلاح نفوسهم ولكن ربما يظل شيطانهم يعبث بعقولهم حتى يوردهم موارد الهلاك
___________
مابرح ذلك الألم يعاوده ثانية بأسنانه لا يعرف ما حدث له فهو شديد العناية بهم وبمظهره بوجه عام فهتف بصوت متالم منخفض:
–وبعدين بقى فى وجع الأسنان ده دماغى صدعت منه
ولجت والدته الغرفة وجدته جالساً على فراشه يضع يده على وجنته تنكمش ملامح وجهه بألم فأقتربت منه تجلس بجواره قائلة باهتمام:
–مالك يا أمير فى إيه ووشك باين عليه كده ان فى حاجة وجعاك

ضغط أمير بيده على وجنته قائلا بألم:
–مش عارف يا ماما ضرسى عمال يوجعنى جامد ليه كده ومبقتش مستحمل وجعه

إبتسمت والدته إبتسامة خفيفة قائلة:
–ما تروح يا أمير لدكتور أسنان هو أنت لسه زى ما كنت صغير لما كنت باخدك لدكتور الاسنان كنت بتهرب منى وأقعد أدور عليك

أفتر ثغره عن إبتسامة متألمة قائلاً:
–هو أنا كده مبحبش دكاترة الأسنان وعشت طول عمرى محافظ عليها علشان مرحلهمش بس مش عارف إيه اللى حصل يا ماما

أشتد الألم فحتى أقراص الدواء المسكنة قد أنتهى مفعولها ليعاوده الألم بشكل أقوى لم يجد مفر تلك المرة من أن يقوم يرتدى ثيابه للذهاب لطبيب الأسنان فهو لن يحتمل الألم أكثر من ذلك
قبل خروجه من المنزل هتفت به سوزان قائلة:
–تحب أجى معاك يا حبيبى

حدق بها أمير ممازحاً:
–هو أنا عيل يا ماما علشان تيجى معايا سلام
خرج من المنزل يقود سيارته ليصل إلى أحد عيادات طب الأسنان التى وجدها بطريقه فهو حتى لا يعلم إسم الطبيب فهو يريد أى شئ يريحه من ذلك الألم ،ولج إلى العيادة ينظر للمرضة قائلاً:
–لو سمحتى الدكتور موجود

رفعت الممرضة رأسها تبتسم بتهذيب قائلة:
–أيوة حضرتك أتفضل الكشف بإسم مين

رد أمير قائلا بصوت هادئ:
–أمير فهمى الصواف
ملأت الممرضة الورقة أمامها وأخذت منه النقود وأشارت إليه بالجلوس ريثما يخرج المريض المتواجد بالداخل، جلس أمير لا يشعر بالراحة فترك مكانه بعد مرور بعض الوقت فأقترب من الممرضة قائلاً:
–هو لسه كتير على اللى جوا ما يخرج لو كده أمشى

قبل أن تجيبه الممرضة على حديثه فتح الباب لتخرج منه سيدة معها طفلة صغيرة فأشارت الممرضة بيدها قائلة:
–أتفضل حضرتك أدخل
ولج أمير للغرفة ولكنه لم يجد أحد ظل ينظر بأرجاء الغرفة ولكن لايوجد طبيب فتمتمت أمير بغرابة:
–إيه ده هو مفيش دكتور ولا إيه هى الممرضة كانت بتضحك عليا ولا بيتعالجوا هنا من غير دكتور

–أنت بتكلم نفسك ليه
تمتمت بها تلك الطبيبة الحسناء التى خرجت من غرفة أخرى ملحقة بتلك الغرفة إستدار أمير ليرى من تلك التى تحدثه فتأملها جيداً فهى ربما بأواخر العشرينات هيفاء القامة وجهها مستدير بعينين واسعتين بنيتين وأنف صغير وشفتين مبتسمتين فهى حقاً جميلة وخاصة بذلك الحجاب الذى ترتديه باللون الأسود يتخلله خطوط بيضاء رفيعة وثوبها الطويل باللون الأسود أيضاً وترتدى رداءها الطبى الأبيض

قطب أمير حاجبيه قائلا بتفكير:
–هو حضرتك الدكتورة بتاعة الأسنان

أبتسمت ببشاشة قائلة:
–إيه منفعش دكتورة يعنى يا أستاذ..
نظرت لاسمه الموضوع على مكتبها لتستطر قائلة:
–يا أستاذ أمير فهمى الصواف
وضعت الورقة من يدها لتعاود النظر إليه بابتسامتها الرقيقة تضع يديها بجيبى ردائها

–هو أنتى أسمك إيه يا دكتورة
قالها أمير رغبة منه فى معرفة من تكون تلك الطبيبة التى كأنها ظهرت له من العدم

ردت قائلة بصوت هادئ:
–إسمى سما الدكتورة سما مهران بس هو إسمى هيفرق معاك فى إيه على العموم أتفضل أقعد وقولى بتشتكى من إيه

لم يجيبها على الفور ولكنه أخذ يتأمل يديها بعد أن أخرجتها من جيبها ليرى هل هى متزوجة أو مرتبطة ولكنها لم يلمح بيدها أى شئ سوى خاتم رقيق تضعه بإصبعها بيدها اليمنى ولكنه أراد التأكد فهتف قائلا:
–هو حضرتك متجوزة أو مخطوبة

زوت سما ما بين حاجبيها بدهشة كبيرة من تطفله بشأنها فهتفت بضيق قائلة:
–هو حضرتك جاى تكشف ولا تطلعلى بطاقة بتسأل الاسئلة دى كلها ليه

شعر برعونة تصرفه فحمحم بحرج قائلا:
–أنا أسف مش قصدى أضايقك

تجاهلت أسفه واشارت إليه بالجلوس على ذلك الكرسى المخصص للمرضى ،جلس أمير بدون أن ينبت ببنت شفة فاقتربت هى بمقعدها منه تضع قناع على انفها وجهها تتحدث بمهنية:
–قولى إيه اللى بيوجعك بالظبط وأى ضرس اللى مسببلك ألم

رفع أمير يشير بيده لموضع الألم قائلاً:
–هنا يا دكتورة بيوجعنى أوى ومش عارف ليه مع أن مهتم بأسنانى جداً بس مش عارف الألم من إيه

–تمام حضرتك ريح راسك لورا وأفتح بوقك كويس علشان أشوف إيه سبب الوجع
قالتها سما وهى تسحب أحد الأدوات الطبية فعل أمير ما طلبته فظلت تنظر بتمعن بداخل فمه بعد فحصها له هتفت قائلة:
–هو الضرس واللثة جمبه ملتهبين إلتهاب شديد لأن الضرس شكله عايز تنضيف وحشو يا أستاذ امير بس لازم الالتهاب الأول يخف علشان كده هكتبلك علاج وتاخده وبعد كده نعمل جلسات تنضيف وحشو للضرس

لم يفعل أمير شئ سوى التحديق بها ولم يستمع لما قالت فأنكمشت ملامح وجهها بضيق وهتفت بصوت حاد بعض الشئ:
–هو حضرتك بتبوصلى كده ليه بالظبط هو فى إيه هو أنت مامتى اللى بعتاك ليا مش كده

قطب أمير حاجبيه فهو لا يفهم ما ترمى إليه فتمتمت قائلاً:
–مامتك مين هو أنا اعرفك علشان أعرف مامتك

نهضت سما عن مقعدها تعقد ذراعيها أمام صدرها قائلة بسخط:
–متكذبش عليا وقولها أن أنا مش موافقة أتجوزك وقولها تبطل تبعت ليا العرسان الغريبة اللى بشوفها دى

وصل غضبها لذروته وهو لا يفهم ما تقوله فعن أى زواج هى تتحدث الآن وماقصة هؤلاء العرسان ولكن زاد فضوله أكثر لمعرفة من تكون تلك الفتاة التى ربما تظنه شخص أخر وتحدثه هكذا بغضب

فرد قائلاً بصوت هادئ:
–الظاهر حضرتك غلطانة وفكرانى حد تانى ثم هو انا لو عريس زى ما بتقولى هجيلك وأنا ضرسى واجعنى دا حتى ميبقاش عندى نظر وهسيب أنطباع مش تمام من أولها عريس مبيغسلش سنانه
قال جملته الأخيرة متفكهاً فشعرت سما بالحرج فربما هى مخطئة وتصرفت برعونة ولكن إلحاح والداتها لها بأن تتزوج وإرسال العرسان لها بالعيادة لرؤيتها وهى جاهلة بذلك جعلها عندما ترى أى رجل يأتى إليها هنا ويحدق بها تخاطبه بغضب وسخط

أذدردت لعابها بتوتر قائلة:
–ما أصل حضرتك من ساعة ما وصلت وعمال تسأل كتير وعمال تبوصلى بطريقة غريبة خلتنى أشك أنك من العرسان العاهات اللى بشوفها

إبتسم أمير قائلاً بتفهم:
–ولايهمك يا دكتورة سما وأنا أسف لو كنت ضايقتك ممكن تكتبيلى الروشتة علشان أمشى وتقوليلى أجى أمتى علشان جلسة التنضيف والحشو

أقتربت سما من مكتبها الصغير تدون بالدفتر الطبى أسماء الأدوية اللازمة له ،فناولته الورقة قائلة بابتسامة خفيفة:
–أتفضل تاخد الأدوية دى ولما تخلصها والالتهاب يروح هنعمل جلسة التنضيف

أخذ من يدها الورقة يجيل ببصره فيها قبل أن يرفع راسه يرمقها بابتسامة قائلا:
–تمام يا دكتورة سلام

خرج أمير من الغرفة وجلست سما على مقعدها خلف المكتب الصغير الموجود بأحد أركان الغرفة تضع يديها على وجنتيها الملتهبتين بشدة بسبب إحراجها مما قالته فوبخت نفسها قائلة:
–إيه الغباء اللى أنا فيه ده هو كل واحد هييجى هنا هفتكره عريس الله يسامحك يا ماما

طرق أحد المرضى الباب ليدلف للغرفة فتركت مكانها تباشر عملها تحاول أن تنفض عن ذهنها ماحدث منذ قليل ولكن عاد عقلها يذكرها بما حدث
___________
أستغرق حسام وقتاً طويلاً فى سكب الماء أمام معرض السيارات الخاص به لإزالة أثار تلك المواد المشتعلة يعاونه أيسر فبعد مجئ الشرطة والاسعاف وبالتحقيق أثبت أن المعرض كان من الممكن أن يحترق بالكامل بتلك المواد المسكوبة على جدران المعرض ليشرع حسام وأيسر فى تنظيف تلك الجدران

مد حسام يده يمسح جبهته قائلا بإرهاق:
–الحمد لله جت سليمة لو كان المعرض بعد الشر ولع كان زمان الحريقة بهدلت الدنيا والبيوت اللى حواليه

حدق به أيسر وحاله يرثى له هو الآخر:
–الحمد لله بس مين مجدى ده يا حسام أنت عمرك ما كلمتنى عنه ومين دى كمان البنت اللى كانت معاه أنا مش فاهم أى حاجة

ولج حسام للداخل يتبعه أيسر جلسا بغرفة المكتب فقص عليه حسام كل شئ منذ بداية معرفتة بمجدى حتى اليوم وقص عليه أيضاً سبب معرفته بأيتن فأختتم حديثه قائلا:
–هى دى كل الحكاية إلاتنين دول كانوا بيكرهونى وعايزين يدمرونى بس إيه اللى اخدوه من حقدهم وكرههم غير أنهم ماتوا أشنع موته الله يرحمهم ويغفر لهم

حك أيسر جبهته قائلاً بهدوء:
–أنا مش عارف أمتى هنعيش فى هدوء كل ما نقول الدنيا ظبطت تطلع أى حاجة كده تنكد علينا بس الحمد لله أنها جت على قد كده يمهل ولا يهمل

شرد حسام بذهنه يفكر فيما كان سيحدث إذا نجح مجدى فى إشعال النيران فربما كانت ستكون الخسائر فادحة ولكن ماذا نال مجدى من حقده غير أنه خسر حياته فالله أراد أن يذيقه كيف تكون النار هلاك وعذاب فلو لم يسلم نفسه لوساوس الشيطان ربما كان سيلقى مصير غير هذا المصير المؤسف والنهاية المفجعة

رفع أيسر يده يشير بها أمام وجه حسام قائلاً:
–هااااى روحت فين كده ومالك متنح ليه كده

زفر حسام قائلاً:
–بفكر فى اللى حصل دا الدنيا دى ولا ليها أى لازمة يعنى فى غمضة عين ممكن الدنيا دى كلها تتغير بلمح البصر وإن الإنسان ممكن يخسر كل حاجة حتى روحه فى طريق الشر والشيطان وميكنش عامل حسابه للتوبة ومخلى شيطانه متملك منه ومن عقله والموت بيبقى قريب منه وهو فى غفلة

أومأ أيسر برأسه بتفهم قائلاً:
طب يلا بينا نروح وإن شاء الله لو عايز بكرة أبعتلك حرس علشان المعرض أنت برضه متضمنش ممكن يحصل إيه تانى

ترك حسام مقعده يعدل من هندام قميصه وشعره الاشعث نتيجة جهده المبذول فى تنظيف المعرض فخرج أيسر يتبعه حسام حتى وصلا كل منهم لسيارته ونظر حسام على المبنى نظره أخيرة قبل أن يدير محرك سيارته وينطلق بها صوب منزل عائلته وصل إلى المنزل وولج للداخل يمشى بخطى ثقيلة قابلته فيروز فتعجبت من حالته فهتفت به قائلة:
–حسام مالك كده راجع هدومك وشعرك مبهدل فى إيه يا حبيبى

اقتربت منه بلهفة تتحسس وجهه تتأكد من خلوه من مكروه أصابه فأبتسم حسام بوهن قائلاً:
–أنا كويس يا ماما متخافيش هى ميرا لسه مرجعتش هى وريان
أقترب منها يلقى برأسه على كتفها فرفعت ذراعيها تطوقه تربت عليه بحنان تتمتم بحنان:
– لاء لسه يا حبيبى فى حاجة حصلت يا حبيبى مالك
أبتعد عنها فجلس على الأريكة بإرهاق فوجدها تجلس بجواره فقص عليها كل ما حدث منذ البداية وحتى عودته

وضعت فيروز يدها على فمها من هول ما سمعته منه فهتفت بذهول:
–معقولة يا حسام اللى حصل ده ياربى الحمد لله يا ابنى أنك رجعت بخير وربنا يرحمهم ويغفرلهم

نهض حسام ثانية يريد الذهاب لغرفته فطالع وجه والدته قائلاً:
–عن إذنك يا ماما أنا طالع أوضتى علشان عايز أرتاح شوية

صعد حسام الدرج بخطوات بطيئة كأنه لن يصل إلى غرفته أبدا فقدميه تتحرك بألية وصل إلى الغرفة فأرتمى على الفراش ساكناً عندما أغمض عينيه ذهب بسبات عميق كأنه بذلك يفر من تلك الذكرى المأساوية التى عاشها اليوم
___________
عادت ثراء إلى المنزل تتبعها سيارة الحراسة فغفت مليكة كعادتها فترجلت من السيارة ودارت حولها تفتح الباب بجانب صغيرتها النائمة فحملتها بين ذراعيها تضمها إليها بحب وحنان تربت على ظهرها بعطف أمومى وحملت أيضاً تلك الحقائب التى تحوى بداخلها على ثياب ودمى لصغيرتها ،ولجت للداخل قابلتها المربية أقتربت منها مسرعة تهتف بتهذيب:
–عنك يا ثراء هانم أنا هوصلها الأوضة وهنيمها

أخذتها المربية تصعد الدرج حتى وصلت لغرفة الصغيرة وصلت ثراء لغرفتها ولجت للداخل تغلق الباب خلفها وذهبت لغرفة ثيابها وبعد إنتهاءها من إرتداء منامتها عادت للغرفة سحبت هاتفها تريد إخبار زوجها بشأن عودتها للمنزل وضعت الهاتف على أذنها فى انتظار سماع صوته ولكنها سمعت رنين الهاتف ينبعث من داخل الشرفة الملحقة لغرفتهم ذهبت ثراء حيث الصوت وجدت زوجها ممدداً على تلك الأريكة بالشرفة ويبدو عليه أنه يغط بنوم عميق أنحنت إليه تجلس القرفصاء بجانبه مسدت على رأسه ومدت إصبعها تداعب طرف أنفه فتململ بنومه فكفت عن فعلتها ليعود ويغفو ثانية ولكنها عاودت الكرة حتى فتح عينيه ووجد عسليتيها الصافيتين تطالعه بعشق

فمد كف يده يغمر وجهها بدفئه قائلاً:
–نور عيونى انتوا رجعتوا أمتى وفين مليكة

ردت ثراء قائلة:
–كوكى نامت انت نايم هنا ليه كده ومتصلتش عليا ليه تقولى انك فى البيت أنا أفتكرت أنك لسه عند حسام فى المعرض بتاعه أنت قايلى أنك هتقعد معاه لحد ما أرجع البيت غيرت رأيك ورجعت ليه

اعتدل بجلسته وجذبها إليه يجلسها بجواره يطوق كتفيها بذراعه يجعلها تتوسد كتفه فهو لا يشأ إخبارها بما حدث اليوم فهو لا يريد إثارة قلقها وخوفها فهو يعلم ما يصيبها عندما تنتابها حالة الخوف فهو يخشى أن يصيبها اى مكروه إذا علمت بما كان سيحدث لشقيقها حسام اليوم

أبتسم بوجهها قائلا :
–قوليلى بقى عملتوا إيه وأشتريتوا إيه عايزك تحكيلى كل حاجة بالتفصيل ماشى يلا إحكيلى يا ثراء

حاول إلهاءها حتى لا تعاود سؤالها بشأن عودته باكراً ولكنها لم تفه بكلمة لم تفعل شئ سوى أنها ظلت تقترب منه أكثر تطوقه بذراعيها تغوص بوجهها بين كتفه وعنقه تجعل أنفاسها الحارة تداعب بشرته كلسعات الجمر الحارق فغمغت بصوت ناعم:
–أيسر أنا عايزة .....
يتبع...

لقراءة الفصل الرابع والأربعون : اضغط هنا 

     لقراءة باقي فصول الرواية : اضغط هنا

 

google-playkhamsatmostaqltradent