recent
أخبار ساخنة

رواية امرأة العُقاب الفصل الخامس والأربعون 45 بقلم ندى محمود توفيق

jina
الصفحة الرئيسية

           رواية امرأة العُقاب الفصل الخامس والأربعون 45 بقلم ندى محمود توفيق

رواية امرأة العُقاب الفصل الخامس والأربعون 45 بقلم ندى محمود توفيق

رواية امرأة العُقاب الفصل الخامس والأربعون 45 بقلم ندى محمود توفيق


دقائق طويلة نسبيًا حتى انفتح باب الغرفة الكبير وظهر من خلفه حاتم !!! .. التفت عدنان برأسه تجاه الباب ليتطلع بحاتم في جمود غريب .. أما الآخر فقد تحرك إلى أقرب مقعد وجده أمام الطاولة ليجلس فوقه وتتلاقى نظراتهم الشرسة معًا لنصف دقيقة قبل أن يتنهد حاتم الصعداء بخنق ويجيب :
_ أنا من رأى نبدأ في الشغل بسرعة أفضل عشان نخلص كل حاجة في اسرع وقت 
عدنان بأعين مشتعلة وصوت رجولي غليظ : 
_ ياريت 
مسح حاتم على وجهه متأففًا بامتعاض .. أما عدنان فكان هادئًا بشكل مريب معادا نظراته القاتلة له .. مرت ثواني أخرى في صمت قبل أن يبتسم عدنان هازئًا ويهدر : 
_ وياترى إيه اللي خلاك تغير رأيك بقى ؟! 
أجاب حاتم باسمًا بذكاء ساخر :
_ نفس اللي خلاك تغير رأيك  
هز رأسه بتفهم وهو يضحك مستنكرًا .. ثم تمتم بنفاذ صبر : 
_ اعتقد أن نادين هي اللي كلمتني على المشروع وهي اللي هتمسكه .. ممكن افهم مجتش معاك ليه ! 
حاتم بنظرة ثاقبة وصوت خشن : 
_ أنا اللي هكمل المشروع ياعدنان .. نادين ملهاش شغل معاك 
اردف ببرود تام وغطرسة : 
_ تمام مش هتفرق المهم نتيجة المشروع بنسبالي في النهاية 
كتم غيظه من غطرسته ومال بوجهه للجهة الأخرى يمسح عليه باستياء هامسًا في صوت منخفض : 
_ أنا مش فاهم جلنار إزاي أدتك فرصة تانية أصلًا
وصلت همهمته الغير مفهومة لأذن عدنان فاشتدت حدة نظراته وهتف : 
_ بتقول حاجة 
هدر حاتم في ثبات وأعين نارية : 
_ بقول إنك متستهلش الفرصة اللي ادتهالك جلنار 
احتدمت عيناه وقد خرج عن إطار هدوئه المزيف فضرب بقبضة يده الفولاذية فوق سطح الطاولة هاتفًا بصوت متحشرج : 
_ هتتدخل في اللي ميخصكش هتندم وهتشوف ال**** مني بجد .. وأنا متأكد إن ده مش هيعجبك .. عشان كدا خليك في حالك وطلع جلنار من دماغك لأن لو حسيت بس إن عقلك فكر فيها لمجرد التفكير مش هرحمك 
ابتسم حاتم بتشفي في إثارة غيظه وللأسف لم يرضيه هذا القدر وقرر سكب المزيد من البنزين فوق النيران حيث رد ساخرًا بثقة وعدم مبالاة : 
_ مش هتعرف 
أظلمت عيني عدنان لدرجة مرعبة ليستقيم واقفًا ويستند بكفيه فوق سطح الطاولة منحنيًا للأمام بجزعة ويهتف في صوت خرج ببحة ترهب البدن : 
_ يبقى لسا متعرفنيش 
بتلك اللحظة انفتح الباب ودخلت جلنار بتلقائية ظنًا منها أن زوجها فقط الموجود هنا .. لكنها تسمرت مكانها بصدمة عندما رأت حاتم .. واستغرقت وقتًا تنقل نظرها بينهم في عدم استيعاب لوجودهم معًا وساد الصمت بينهم حتى لمحت الأوراق والملفات الموضوعة فوق الطاولة أمامهم لتدرك أن كلاهما تنازل أخيرًا ووافقوا على العمل .. لتبتسم بخفة في سعادة داخلية وتهتفت متنحنحة برقة : 
_ كنت عايزاك ياعدنان .. بس خلاص لما تخلصوا شغلكم نبقى نتكلم 
وقبل أن تستدير وتنصرف من جديد انتبهت للأجواء الشرسة المشحونة بينهم وتأهب زوجها كالأسد للانقضاض على حاتم .. فأخذت نفسًا واخرجته زفيرًا متهملًا ثم اقتربت منه ومالت على أذنه تهمس في نعومة وابتسامة ساحرة :
_ اهدى وبلاش تعمل مشكلة عشان خاطري .. وبالمناسبة شكرًا 
طالعها عدنان مطولًا بملامح جامدة لكن لا يستطيع الإنكار أنها بجملة واحدة وبنبرتها الناعمة نجحت في امتصاص غضبه قليلًا .
تابعها بنظره وهي تستدير وتبتعد عنه مغادرة الغرفة بأكملها .. وبعد ثلاث ثواني بالضبط رجع بعيناه إلى حاتم الذي كان يتابع ما يحدث ببرود ونظرة متهكمة .. فكتم جموحه بصعوبة وجلس فوق مقعده من جديد هاتفًا في صرامة : 
_ اعتقد إن اجتماع زي ده اخد اكتر من وقته وأنا مبحبش ادي حاجة اكتر من حجمها 
حاتم باسمًا بخبث : 
_ بظبط لازم كل حاجة تاخد على قد حجمها 
طالت نظرات عدنان الملتهبة له .. يقسم أن لو بإمكان النظرات أن تحرق لحرقته مكانه .. تابع حاتم بنبرة جادة وملامح حازمة : 
_نبدأ في الشغل !
لم يجيب وفقط استمرت نظراته نفسها يحدقه بها .. يجاهد لتهدأ الطوفان العاتي المندلع في ثناياه .. فقد عزم أنه سيكون هادئًا هذه المرة ولن ينصاع خلف جموحه لكنه يصر على إيقاظ بركانه الخامد !!! .
                                       ***
 خرجت زينة من غرفتها شبه مجبرة بعدما أخبرتها أمها أن آدم بالخارج جاء ليطمئن عليها .. حاربت أصوات قلبها العالية بأنها نست ذلك العشق منذ زمن وأصرت على الخروج له لتثبت لنفسها أنها لم تعد تكن له المشاعر .
لكنها خرت منهزمة أمام الحقيقة عندما رأته وعلى العكس قلبها هو من أثبت لها أنها مازالت تتأثر به .. إلا أنها رفضت الخضوع واخرست ذلك الصوت الذي بعقلها ودفنت المشاعر الحية تحت التراب .. وجلست على أقرب مقعد منه هو ووالدتها ترسل له ابتسامة منطفئة .. أما آدم فقد رمق خالته بعتاب أنها أخبرتها بوجوده رغم أنه طلب منها ألا تخبرها .
تطلع لزينة وابتسم بعذوبة هامسًا : 
_ عاملة إيه يازينة ؟ 
زينة بهدوء وثبات مزيف : 
_ كويسة يا آدم .. إنت عامل إيه وخالتو وعدنان ؟ 
رد عليها بخفوت جميل :
_كويسين 
لم يكن يرغب برؤيتها .. مازال يخشى عليها من الآم العشق وكان ينوي الزيارة فقط ليطمئن عليها من خالته ويرحل لكن هذا ما حدث !! .
نهضت ميرفت من جوارهم واتجهت لباب المنزل بعدما ارتفع صوت رنين الجرس .. ولم تكن سوى لحظات حتى دخلت ميرفت ومعها هشام وهم يضحكون بعفوية .. لكن اختفت البسمة من فوق ملامحه فور رؤيته لآدم وحل محلها الانزعاج المغلف بقناع الجمود .
ظهر القليل من الدهشة على آدم لكنه سرعان ما ابتسم وقال بعذوبة : 
_ حمدالله على السلامة يادكتور .. ازيك ؟ 
ارتفعت ابتسامة متكلفة فوق ثغر هشام وصافح آدم مجيبًا :
_ الله يسلمك
اقترب هشام وتعمد الجلوس على المقعد المجاور لزينة التي كانت تختلس النظرات خلسة إلى آدم بين كل لحظة والأخرى .. مما جعل نيران الجالس بجوارها تلتهب ويصب ذلك اللهيب في نظراته على آدم  .. تجاهل آدم نظراته لكنه فشل في كبت ابتسامته الصافية وقرر بالأخير إنهاء تلك الجلسة التي بدأت تأخذ منحني سلبي ليهب واقفًا ويقول معتذرًا : 
_ طيب أنا هستأذن بقى يا خالتو عشان ورايا شغل ومش هينفع أتأخر عليه 
استقامت ميرفت وعانقته مودعة إياه بحنو :
_ ماشي ياحبيبي روح وخلي بالك من نفسك وسلملي على اخوك وقوله خالتك زعلانة منك
ضحك وقال مازحًا : 
_ لو عرفت اتلم عليه بقى .. لاحسن الباشا محدش بيشوفه أساسًا 
بادلته الضحك ثم تابعته وهو يسير للخارج تجاه الباب .. وباللحظة التالية كان هشام يستقيم واقفًا ويلحق به للخارج وسط نظرات زينة وميرفت المتعجبة .
_ آدم ! 
كان صوت هشام الغليظ والذي أوقفه عند الباب تحديدًا قبل أن يخرج .. ليلتفت له بجسده كاملًا ويتطلع باستفهام فيقترب هشام منه ويقف بمقابلته مباشرة هاتفًا في حدة وغيرة ملتهبة : 
_ خليك بعيد عن زينة نهائي ومتقربش منها 
آدم باسمًا :
_ مقربش منها !! .. هي مش بنت خالتي ولا إيه ! 
هشام بنظرات مشتعلة : 
_ بنت خالتك .. بس تخصني 
اتسعت ابتسامته وقال غامزًا بمكر : 
_ طب ما أنا عارف 
عم السكون بينهم للحظات قبل أن يكمل هو مربتًا فوق كتف هشام برزانة ونظرة صافية :
_ أنا عارف إنك بتحبها .. ومتقلقش زينة زي اختي بنسبالي ومستحيل تكون حاجة تاني  .. ومش عايز حاجة غير إنها تكون سعيدة ومرتاحة وأنا واثق إنك هتعرف تعمل كدا 
ثلاث دقائق مرت من السكون التام المهيمن على هشام بعد رحيل آدم .. ثم رفع كفه يمسح على وجهه متأففًا بغضب وخنق فور تذكره لنظراتها له .. لن يتحمل ذلك الوضع أكثر إما يضع له الحدود الفاصلة أو ينهيه تمامًا !!! .. فقلبه ليس بحاجة لمزيد من المعاناة ! .
شعر باختناق صدره فقرر المغادرة في صمت ليخلو بعذابه وحده .. فتح باب المنزل وغادر وعندما سمعت ميرفت صوت غلق الباب مرة أخرى خرجت ولم تجده فضيقت عيناها بدهشة وتعجب ثم عادت للداخل مرة أخرى حيث تجلس ابنتها وهدرت : 
_ هشام مشي !! 
زينة باستغراب مماثل لوالدتها : 
_ مشي ! .. هو لحق !!! 
تبادلوا النظرات بينهم بحيرة وعدم فهم .. ثم اندفعت ميرفت للداخل لتمسك بهاتفها وتجري اتصال به ! .
                                     ***
داخل مقر شركة الشافعي تحديدًا بمكتب عدنان ......
فتحت جلنار الباب ودخلت ثم اغلقته خلفها بهدوء .. توقفت لثانية تأخذ نفسًا وهي مبتسمة فتراه يقف أمام النافذة موليًا ظهره للباب وواضعًا قبضتيه في جيبي بنطاله .. تقدمت إليه بخطواتها الناعمة حتى وقفت خلفه مباشرة وهمست برقة : 
_ وافقت يعني !! 
بعد ثواني معدودة التفت لها وطالعها مبتسمًا بغرام مجيبًا : 
_ عشانك بس 
اقتربت أكثر ولفت ذراعها حول رقبته تتمتم في دلال : 
_ عارفة 
عدنان بانزعاج واضح وغيظ : 
_ اظن كدا ملكيش حجة تاني .. ومش عايز اسمعك بتجيبي سيرته بقى لغاية ما يخلص المشروع ده 
تدللت أكثر وهي تضحك ثم تجيبه مازحة : 
_ طيب وبعد المشروع ؟! 
عدنان بحزم حقيقي : 
_ جلنار !!! 
قهقهت بقوة ومالت عليه تلثم وجنته برقة هامسة بغنج :
_ طيب خلاص متتعصبش .. كفاية إنك وافقت وعملت كدا عشاني 
عدنان بدفء وحب : 
_ واعمل اكتر من كدا كمان عشانك ياحبيبتي 
رفعت كفها تملس فوق لحيته ووجنته بنعومة هامسة في عشق ونظرات هائمة : 
_ ربنا يخليك ليا 
رأت العشق المتبادل في نظراته قبل أن يغمز لها بلؤم ويتمتم : 
_ وحشتيني على فكرة 
توردت وجنتيها وحين وجدته يدنو منها فتراجعت للخلف بسرعة هاتفة بدهشة وبابتسامة خجلة : 
_ عدنان احنا في المكتب !!! 
ضحك بنظرات جريئة ثم أمسك بيدها وجذبها معه ناحية المرحاض الملحق بغرفته هاتفًا : 
_ عندك حق ، تعالي 
افلتت يدها من قبضته قبل أن يصلوا واستدارت تهم بالفرار منه لكنه اسرع وجذبها من ذراعها ضاحكًا وهتف : 
_ إنتي دخلتي بإرادتك ومش هتطلعي غير بإذني 
جلنار بضحكة مكتومة وذهول من جديته في الكلام فقد ظنت بالبداية أنه يمزح : 
_ عدنان سيب ايدي .. إنت بتتكلم جد ! .. مينفعش عيب كدا  
جذبها إليها أكثر ولف ذراعه حول خصرها هامسًا بابتسامة لعوب وتلذذ : 
_ هو إيه ده اللي عيب ! 
لا تفهم سبب خجلها منها رغم مرور السنوات على زواجهم ولكن ربما لأن مشاعر الحب والرومانسية هذه يشهدونها لأول مرة .. فردت باضطراب بسيط : 
_ اللي إنت بتعمله ! 
عدنان قاطبًا حاجبيه بحيرة مزيفة ويجيب بتصنع البراءة رغم ابتسامته اللعوب : 
_ بعمل إيه !!!
جلنار بخجل شديد وهي تحاول الإفلات من قبضته : 
_ اوووف ابعد بقى ياعدنان
ضحك ومال عليها يطبع قبلة عميقة فوق وجنتها هامسًا بعشق جارف : 
_ بحبك !
رسم البسمة فوق ثغرها بلحظة واحدة .. لتتطلع به بحب ودفء .. وقبل أن تبدأ لحظاتهم الخاصة اقتحمت جميلة الغرفة وهي تمسك بيدها أوراق خاصة بالعمل كانت ستعرضها عليه .
انتفضت جلنار عنه والتفتت خلفها لترى جميلة تقف جامدة الملامح لكن بعيناها نظرة شيطانية .. استاءت وغليت دمائها في عروقها لتصيح بها جلنار في عصبية : 
_ إنتي إزاي تدخلي كدا من غير استاذآن 
جميلة ببرود مغلف باعتذراها المزيف : 
_ بعتذر مكنتش أعرف إنك موجودة يا جلنار 
طفح كيلها منها ولم تعد تتحملها لتكمل صياحها منفعلة : 
_ إذا كنت موجودة أو لا تستأذني .. بس واضح إنك متعلمتيش الكلام ده 
هتف هو بهدوء بالقرب من إذنها : 
_ جلنار خلاص صوتك عالي 
رمقته بنظرة شرسة ومنذرة ثم قالت : 
_ يبقى رد إنت بدل ما اخنقها بإيدي 
اكمل عدنان همسه بجدية : 
_ الموضوع مش محتاج العصبية دي كلها يا جلنار ! 
إجابته بسخط وشبه تحذير : 
_ هترد إنت وتعرفها حدودها ولا أرد أنا  
عدنان بحدة من لهجتها وأسلوبها : 
_ جلنار في إيه !!
اشتعلت غيظًا بعد رفضه الغير مباشر لإيقاف تلك الجميلة عند حدودها .. ورمقته شزرًا بغضب حقيقي ثم اندفعت تجاه جميلة وجذبتها من ذراعها معها للخارج .
اندهش هو قليلًا في البداية من ردة فعلها لكن سرعان ما ارتفعت الابتسامة المتلذذة والماكرة فوق شفتيه الغليظة !!! ......
                                    ***
تركت جلنار ذراعها فور خروجهم من الغرفة وحدقتها بشراسة هاتفة في تهديد صريح : 
_ واضح إنك نسيتي نفسك أوي .. بس مفيش مشكلة أنا أفكرك ياجميلة 
همت بالاستدارة لكنها قبضت على ذراعها توقفها وتهتف في سخرية وشجاعة : 
_ عدنان مش بيحبك ولا هيحبك .. هو لسا بيحب فريدة إنتي مجرد ورقة حظ بس كسبها عشان ينسى حبه وخيانتها ليه !
جذبت ذراعها من قبضتها بقوة ووقفت أمامها عاقدة ذراعيها أسفل صدرها تتطلعها مبتسمة بغطرسة وبرود .. فتتابع الأخرى مكملة : 
_ بلاش تخدعي نفسك وتدخلي في حرب إنتي عارفة إنك هتطلعي منها خسرانة وحبه لفريدة وهو اللي هيفوز 
_ خلصتي !! 
كانت كلمة هازئة وغير مكترثة من جلنار التي تابعت بعدها بغضب وتحذير : 
_ الإنذار الأول والأخير ليكي .. إياكي تتخطي حدودك معايا تاني وإلا صدقيني هخليكي تندمي على اليوم اللي فكرتي فيه تقفي قصادي .. فهمتي ولا لا .. اتمنى تكوني فهمتي !
أنهت كلامها والتفتت لتتجه نحو مكتبها الخاص في خطوات قوية وثابتة وعيناها تطلق شرارات حمراء حارقة ومخيفة !! ......
                                     ***
في مساء ذلك اليوم ............
كامنه بمضجعها في غرفتها وعقلها لا يتوقف عن التفكير به منذ أن عاد بالصباح وجاء لها ليعطيها أوراق العقود الخاصة بالمشروع وقال لها بانزعاج وجفاء ( المشروع هيتم زي ما كنتي عايزة .. وأنا وافقت اتمنى تكوني مرتاحة دلوقتي بعد الكلام اللي قولتيه وعدم ثقتك فيا .. لو وافقت عشان حاجة هتكون اني اثتبلك إنك غلطتي في كل كلمة قولتيها ) .
لا تنكر أنه فاجأها فلم تكن تنتظر منه الموافقة بعد الشجارات العنيفة التي اندلعت بينهم بسبب ذلك الأمر .. وبعدما أهلكت نفسها ليومين من البكاء والحزن على سوء علاقتهم وابتعادهم والقسوة التي أصبحت بينهم .. باتت لا تدري هل هي على حق أم أن ردة فعلها مبالغة .. لا تعرف لكنها حسمت قرارها أن تنهي ذلك الفتور الذي بينهم خصوصًا بعدما تذكرت كلمات فاطمة لها ( يابنتي متعمليش مشكلة من مفيش بينكم .. حاتم بعتبره ابني أنا اللي مربياه وبفهمه كويس .. والحقيقة إنه محبش جلنار أساسًا مشاعره تجاهها كانت إعجاب وانجذاب أنا متأكدة من ده .. لكن اللهفة والشغف والفرحة اللي بشوفها في عنيه ليكي بتقول ألف كلمة وإنه بيحبك بجد وأوي كمان ) .
استقامت واقفة من فراشها واتجهت إلى الحمام لتفتح صنبور المياه ثم تملأ كفيها بالمياه وترفعها لوجهها لتغسله جيدًا من آثار دموعها ثم خرجت بعدما جففته جيدًا واتجهت إلى خزانتها تخرج فستان قصير نسبيًا يصل لركبيتها وبحاملات عريضة تنزل بفتحة مثلثية عند الصدر دون أن تظهر داخلها .. ووقفت أمام المرآة تسرح شعرها بسرعة ثم أسرعت وغادرت غرفتها .. وقادت خطواتها الحذرة تجاه غرفته متلفتة حولها ثم وقفت أمام غرفته وانحنت تستند بأذنها على الباب تحاول سماع أي صوت يؤكد لها وجوده لكن لم تلتقط أذنها سوى الصمت .. فتنهدت الصعداء بعدم حيلة واغلقت على كفها لترفعه وتطرق برقة فوق الباب .. طرقت مرة ولم يفتح فعادت تطرق من جديد بعد لحظات والنتيجة نفسها لتضيق عيناها بحيرة تتساءل هل نام ؟!! ، مازال الوقت مبكر على موعد نومه .. طرقت للمرة الثالثة واستندت بأذنها على الباب تحاول التقاط إي صوت ، فينفتح الباب فجأة لتميل وتكاد تسقط لولا ذراعيه التي التفت حولها بإحكام وجعلتها تستقر بإحضانه في الأخير ! .
توترت وارتفع تدفق الإدرينالين في جسدها لتتأمله طويلًا  بشرود .. أما هو فقد ضمها أكثر إليه كأنه يروى شوقه إليها في لحظات أشبه بعناق وعيناه ثابتة على خاصتها بهيام .. عادت لوعيها وانتشلت جسدها من بين ذراعيه لتستقيم واقفة وترفع أناملها ترجع بخصلات شعرها للخلف هاتفة ارتباك : 
_ فينا .. نتكلم شوي
طالت نظرته الجامدة من المشاعر إليها ثم افسح لها الطريق للعبور هاتفًا : 
_ ادخلي 
تصلبت وقالت بتوتر : 
_ عندك بالأوضه راح نتكلم ! 
_ امال هنتكلم فين يعني .. ادخلي قبل ما تطلع خالتي وتشوفك 
تنحنحت في خجل ودخلت ببطء واضطراب ثم التفتت برأسها للخلف عندما سمعت صوت الباب ينغلق وتحرك هو ليقترب منها يهتف في جدية امتزجت باستنكاره وضيقه :
_ خير هنتكلم في إيه المرة دي ياترى ! .. ناوية تقوليلي نتطلق ؟!! 
نادين بنظرة عتاب : 
_ حاتم ! 
أردف بغضب : 
_ ما هو ده اللي ناقص ومقولتهوش يا نادين .. بعد اللي سمعته منك بقيت متوقع أي حاجة
اجفلت نظرها أرضًا بأسى وتمتمت برجاء : 
_ فينا ننسى كل شيء صار ونرجع متل أول ؟ 
_ لا ! 
كان ردًا جافًا وقاطعًا منه جعلها تتطلعه بصدمة وخيبة أمل ثم تابع هو بضيق وصوت مهموم : 
_ بالسهولة دي لا .. أنا لسا غضبي مهديش ولا نسيت اللي قولتيه .. ياريتها كانت غيرة وعصبية وخناقة عادية يا نادين لا إنتي مسبتيش كلمة إلا وسمعتهالي من غير ما تفهمي مني ولا تحاولي تتكلمي معايا حتى .. وفوق كل ده اثبتيلي إنك معندكيش ذرة ثقة واحدة في حبي ليكي ولا حبنا لبعض وعلاقتنا 
أجابت بندم وحنق : 
_ الغيرة عمتني وما كنت دريانة شو عم اقول .. حس فيني شوي طبيعي بعصب بعد نظرتك إلها .. أي بعترف إني زودتها شوي بس كمان إنت اتهمتني إني دبرت هاد الاجتماع عن قصد 
_ وأنا مقولتش ملكيش حق تتعصبي ولا تغيري .. بس اللي سمعته منك كان قاسي وجارح بجد 
اطرقت رأسها وانهمرت دمعة حارقة فوق وجنتيها لتجيبه بصوت مبحوح : 
_ بعتذر ! 
استدارت وهمت بالانصراف لكن أوقفها بقبضة يده على رسغها وادارها إليه ليمد أنامله لوجنتيها يمسح دموعها هامسًا برجاء ودفء : 
_ متعيطيش .. احنا الاتنين غلطنا في حق بعض ومحتاجين وقت لغاية ما نهدى كويس
هزت رأسها بالإيجاب ترد بخفوت : 
_ معك حق 
ثم سحبت رسغها من قبضته وقالت بصوت يكاد لا يسمع وهي تلتفت لتتجه إلى خارج الغرفة : 
_ تصبح على خير 
رد بعبوس ونظرات تائهة بعد رحيلها :
_ وإنتي من أهله 
                                         ***
_ إنتي هبلة يابت !!! 
كانت جملة استنكارية وعنيفة من سهيلة لمهرة التي تجلس بجوارها فوق الفراش بغرفتها وعابسة الوجه بعدما سردت لها كافة تفاصيل الأيام الأخيرة .. وبعد جملة صديقتها قالت بلوعة : 
_ كنتي عايزاني أعمل إيه يعني يا سهيلة 
ردت الأخرى هازئة : 
_ طيب أمه وطلعت ست ارشانة ولئيمة هو ذنبه إيه ! 
مهرة بجفاء مزيف وأعين متلألأة بالدموع : 
_ ذنبه إنه ابنها .. تيتا كان عندها حق لما قالت إن مينفعش تحصل حاجة بينا 
سهيلة بحماس : 
_ ليه هي حصلت حاجة !! 
رمقتها مهرة بقرف وقالت ساخرة : 
_آه حصل والفرح الأسبوع الجاي في قاعة اللؤلؤة .. هو أنا ناقصاكي انتي كمان يعني ليا ساعتين بحكيلك عن مأساتي وإنتي تقوليلي حصل حاجة !! .. أنا اللي هيحصلي حاجة منك 
رتبت سهيلة على كتفها ضاحكة بمرح : 
_ إن شاء الله عدوينك ياحبيبتي .. ألا هي فين قاعة اللؤلؤة دي صحيح عشان لما اروح متوهش 
 حدقتها مهرة بنظرة مشتعلة وهبت واقفة لتنقض عليها وسط ضحكات الأخرى وهي تحاول الفرار منها وبالأخير هتفت بأنفاس متقطعة من كثرة الضحك : 
_ خلاص هسكت ومش هفتح بقي تاني .. آه يابطني مش قادرة اخد نفسي من الضحك 
مهرة بغيظ : 
_ يامستفزة 
_ الله بحاول افرفشك ياببلاوي في إيه !!
_ إنتي كدا بتفرفشيني ولا يتنقطيني ! 
رفعت السبابة والبنصر معًا تشير بهم بمعنى الأثنين وهي تبتسم باتساع .. لتتأفف مهرة بنفاذ صبر ثم يعبس وجهها من جديد وتقول ببؤس : 
_ تفتكري هو مصمم يرجعني الشغل ومش عايز يحل عني  ليه 
_ عشان الصنارة غمزت ! 
كان ردًا سريعًا وواثقًا من سهيلة جعلها ترمقها بدهشة وعدم استيعاب لتكمل الأخرى مبتسمة : 
_ إيه مالك اتصدمتي كدا ليه .. بعد اللي حكتهولي ده كله ملوش غير معنى واحد وإنه بدأ يعجب بيكي إن مكنش حبك أصلًا 
عم الصمت بينهم للحظات طويلة وعينان مهرة ثبتت على الفراغ أمامها تفكر بما قالته صديقتها للتو .. لكن سرعان ما نفرت الفكرة لسذاجتها وقالت بعدم اقتناع : 
_ لا مستحيل إيه الهبل ده .. هو أكيد حاسس بالذنب بسبب عملة أمه وحابب يعتذر مني بطريقة جديدة شوية 
سهيلة ضاحكة باستهزاء منها : 
_ أنا برضوا اللي ابطل هبل !!! 
علقت نظرها على صديقتها لترى الثقة والخبث في نظراتها لتنفر برأسها سريعًا رافضة تصديق فكرتها .. لكنها انهزمت بالأخير حين سمحت لعقلها بالتفكير في توقعها وإن كان بالفعل حقيقة .. فارتفعت الابتسامة الهائمة فوق ثغرها والتفتت برأسها إلى سهيلة تقول بأمل وسعادة غامرة : 
_ تفتكري !! 
سهيلة بثقة عمياء وغرور : 
_ افتكر ونص كمان وبكرا تقولي سهيلة قالت ! 
شردت بعقلها لعالم آخر تتذكره فيه فقط وهي تبتسم ببلاهة وعاطفة تظهر بوضوح في عيناها المغرمة .. غير عابئة 
 بضحك صديقتها عليها والتي قالت بالأخير في مرح : 
_ لا ده إنتي طلعتي حالتك صعبة بجد ! 
                                     ***
خرجت من الحمام بعدما انتهت من حمامها المسائي الدافيء وكانت ترتدي رداء الحمام وتلف شعرها بالمنشفة البيضاء الصغيرة .. ثم قادت خطواتها إلى المرآة ونزعت المنشفة عن شعرها والتقطت الفرشاة لتبدأ بتسريحه بعدما استخدمت الجهاز. الكهربائي لتجفيف الشعر .
ترفع يدها لأعلى فروة شعرها وتنزل بالفرشاة للأسفل ونظراتها ثابتة على انعكاسها في المرآة بشرود .. رغمًا عنها لا تتمكن من إخراج كلمات تلك الشيطانة من عقلها وتستمر في التردد بتكرار حتى ملت وباتت تشعر أنها تصدقها ( عدنان مش بيحبك ولا هيحبك .. هو لسا بيحب فريدة إنتي مجرد ورقة حظ بس كسبها عشان ينسى حبه وخيانتها ليه ! ) .. يؤلمها قلبها بشدة كلما تتذكر تلك الكلمات لكنها تعود وتسكت صوت عقلها المزعج بأنه يحبها حقًا وإلا لم يكن ليتحمل كل هذا الوقت حتى سامحته .. كان بإمكانه أن يتركها ويحررها من زواجهم لكنه تمسك بها وأثبت حبه ورغبته بها .. قد تكون فريدة بالفعل هي السبب في جمعهم معًا من جديد .. هي الحلقة الفاصلة التي ساعدت على أحياء ما ردمته الرمال أسفل الأنقاض .. ليس بالضرورة أن تكون هي البداية والنهاية لكل شيء مرة أخرى !!! .
انتفضت جالسة على أثر لمسته لها فوق كتفها والتفتت برأسها إليه ترمقه مطولًا في ملامح ونظرات غريبة جعلته يقطب حاجبيه ويسألها بتعجب باسمًا : 
_ بتبصيلي كدا ليه ؟! 
اشاحت بوجهها عنه وثبتته على المرآة تكمل تسريح شعرها بصمت غريب .. حتى شعرت به ينحنى أكثر عليها ويدفن وجهه بين شعرها يستنشق رائحته ليهمس بلا وعي كالثمل بعدما تخللت أنفه رائحة غسول الشعر الذي برائحة الرمان وتملأ رائحته شعرها كله : 
_ رمان يارمانة ! 
تجمدت مكانها وعلقت انظارها على انعكاسه في المرآة تتطلعه بتدقيق كأنها تستكشف صدق أو كذب كلمات جميلة ! .
طبع قبلة رقيقة فوق شعرها وتمتم : 
_ مالك يا جلنار !! 
استقامت واقفة وقالت بجمود وثبات :
_ تعبانة وعايزة أنام .. تصبح على خير 
قبض على ذراعها يمنعها من التحرك هاتفًا بجدية : 
_ في إيه .. إنتي مضايقة مني في حاجة ؟! 
طالت نظراتها الصامتة إليه ثم انتزعت يدها من قبضته وسارت تجاه الفراش .. ليلحق بها ويوقفها مجددًا مردفًا : 
_ زعلانة عشان جميلة واللي حصل الصبح ؟ 
جلنار بإنطفاء : 
_ أنا عايزة أنام يا عدنان .. ممكن ! 
عدنان بغضب بسيط : 
_ لا مش ممكن فهميني في إيه الأول !! 
صاحت به بعصبية وانهيار : 
_ مفيش حاجة .. وأنا لا جميلة ولا فريدة يهموني خلاص كدا ! 
اعتلت الدهشة معالمه وارتخت عضلات وجهه المتشنجة ليقول :
_ إيه دخل فريدة بالموضوع !!!
تسطحت فوق الفراش وتدثرت بالغطاء توليه ظهرها هاتفة بخفوت :
_ اطفي النور please عايزة أنام
لم يفهم سبب تحولها الغريب وطريقتها المنفرة منه بشكل مفاجيء لكنه تأفف ماسحًا على شعره نزولًا إلى وجهه بعدم حيلة وغادر الغرفة .
سقطت دمعة حارقة ومتألمة من عيناها فور مغادرته وتوالت بعدها العبارات .. حتى مرت دقائق وتوقفت عن البكاء فسمعت صوت الباب ينفتح أسرعت بإغلاق عيناها تتصنع النوم .. ولحظات قصيرة أظلمت الغرفة واحست به يدخل بجوارها إلى الفراش ويعانقها من الخلف .. ثواني أخرى وسمعت همسه المبحوح وصوته المغلف بالحنان والحب يقول :
_ ولا أنا يهموني .. كل اللي يهمني هو إنتي وبس معنديش استعداد اخسرك أبدًا .. وعايز اعوض كل حاجة ضيعتها في الأربع سنين اللي فاتوا .. لما شوفتك أول مرة في شركة نشأت وكنتي بتعيطي رغم إني مكنتش اعرفك بس دموعك وشكلك فضلوا محفورين في عقلي لغاية ما شوفتك تاني .. ياريت الصدفة دي كانت حصلت من زمان أوي .. وكنت برضوا هحبك واعشقك اكتر واكتر
فتحت عيناها وسالت دموعها بصمت فشعرت به يوزع قبلات متفرقة على كتفها وشعرها بحنو .. بقت ساكنة دون حركة ولا كلام حتى مرت دقائق طويلة وشعرت بانفاسه هدأت وانتظمت فأدركت أنه نام .. ابعدت ذراعه عن خصرها بحرص واستقامت واقفة لتتجه إلى الشرفة لتقف بها وتتأمل السماء في شرود وعبوس !! ...
                                    ***
سمعت أسمهان صوت طرق الباب فضيقت عيناها باستغراب وحيرة فآدم يدخل بالمفتاح الخاص به ولا يحتاج لطرق الباب .
استقامت واقفة وقادت خطواتها الهادئة نحوه ثم امسكت بالمقبض وادارته لتجذب الباب إليها .. فتصيبها الصدمة وهي تتطلع بالطارق في عدم استيعاب لبرهة من الوقت وأخيرًا خرجت همسة هازئة من بين شفتيها : 
_ فريدة !!! 
يتبع.....
لقراءة الفصل السادس والأربعون : اضغط هنا
لقراءة باقي فصول الرواية : اضغط هنا
نرشح لك أيضاً رواية اختار القدر ان يجمعنا للكاتبة فاطمة علي مختار
google-playkhamsatmostaqltradent