recent
أخبار ساخنة

رواية وقبل أن تبصر عيناك الفصل العشرون 20 بقلم مريم محمد غريب

jina
الصفحة الرئيسية

         رواية وقبل أن تبصر عيناك الفصل العشرون 20 بقلم مريم محمد غريب

رواية وقبل أن تبصر عيناك الفصل العشرون 20 بقلم مريم محمد غريب

رواية وقبل أن تبصر عيناك الفصل العشرون 20 بقلم مريم محمد غريب


_ متفق عليها ! _
متأنقًا بأفخر ثيابه المؤلفة دومًا من عباءة ثمينة باهظة.. خرج "سالم" إلى الشرفة الرئيسية مطلًا على واجهة السرادق العملاق و المتد أمامه حتى نقطة لم يدركها بصره 
تبيّن من مكان وصزل عدد من أصدقاؤه و شركاؤه بالعمل، كان المكان قد بدأ يزدحم تدريجيًا، لكنه فضل البقاء قليلًا لغاية في نفسه 
حتى عندما لوّح له أحد الرجال قامة و قيمة، معروفًا مثله في عالم الجريمة، لم يتفضل عليه سوى بايماءة صغيرة من رأسه مكتفيًا بها وعدًا بالانضمام إليهم قريبًا 
لا يستطيع أن ينكر مدى سعادته الليلة، حقًا كان مسرورًا، إذ تعتبر هذه الخطوة التي تتهيأ عائلته للاقدام عليها كبيرة و مهمة جدًا، أربعة من أبنائهم ذكور و إيناث.. يستعدون للزواج بدءً من الليلة 
يا لها من غبطة تستحق الاحتفال و كل هذا الإصراف و المظاهر الباذخة التي صمم عليها ... 
لم يكن هناك ما يعكر صفاء سعادته هذه إلا أمرٌ واحد.. و هو بالطبع زيجة إبنه الأولى التي ذهب و أتمها من وراء ظهره، و لكي يكبله عن التصرف قام بتهديده ذلك التهديد الذي لا يستطيع أمامه صمودًا 
الكلمة لا تزال ترن بأذنيه : "مش هاتشوف وشي تاني" ! 
لا يمكن أن يصير شيئًا كهذا، هذا الطفل الذي رباه، و الرجل الذي كبر في كنفه و إشتد عوده، إنه إبنه، فلذة كبده و قلبه 
الأفضل و الأحب على الإطلاق، لا نظير له بجميع أولاده، يعلم بأنه ربما يكون مخطئًا أو ظالمًا كما ينعتونه... لكنه دائمًا ما يعزي نفسه بالقول : "لا تلُومُوني فيما لا أملك !" 
إنه يحب أولاده و لا شك، و لكن "رزق".. "رزق" يساوي بالنسبة إليه شيئًا أعمق من الحب لا يمكن أن يعبر عنه بكلماتٍ ... 
_______________ 
بعد المواجهة الأخيرة بينهما، و بعد أن إستمع إلى كلامها و لمس و لو مجرد أمل بأن مشاعرها تجاه أخيه الأكبر ما هي إلا مشاعر مراهقة، و أنها بالفعل إكتشفت بأنها لا تحبه 
كان يشعر بالإقبال.. الإقبال على كل شيء و ليس على حياته فقط 
حتى أنه قبل قليل ذهب بنفسه و أشترى لها باقة زهور حمراء كبيرة كتعبيرًا على حبه، بل عشقه و غرامه بها، لم يبالي بهمزات أصدقائه و سخريتهم منه و هم يرونه أثناء مروره مهرولًا إلى المنزل و هو يحمل الباقة راسمًا على وجهه تلك الابتسامة الطفولية البلهاء 
إتجه للأعلى، مشتاقًا و آملًا أن يصل عندها بأسرع وقت، لم يكن يعلم أن قلبه قد سبقه أولًا ... 
°°°°°°°°°°°° 
-مبروك يا أحلى عرايس ! .. قالتها خبيرة التجميل الشابة مبتسمة بعد أن رفعت يديها أخيرًا عن "ليلة" 
ردت "ليلة" لها الابتسامة و قالت برقتها المعهودة : 
-الله يبارك فيكي يا جميل. و حقيقي.. تسلم إيديكي 
و كانت تمسك بمرآة بيضاوية صغيرة و تلقي على وجهها المزين ببراعة و بساطة نظرات الاعجاب ... 
إبتهجت الشابة للثناء المعتاد التي تسمعه باستمرارٍ و قالت : 
-ده جمالك إنتي و القمر التانية حبيبتي.. ألف مبروك و الله يسعدكوا يارب 
ثم إلتفتت نحو مساعدتها الصبية التي جلست فوق كرسي منخفض لتتمكن من الرسم بالحناء على يد "فاطمة" و ذراعها، أما "ليلة" فقد إكتفت بنقشٍ على شكل قياس نبض القلب تحت عظمتيّ الترقوّة، و عبارة مزخرفة من إختيار الشابة تبدأ من منتصف معصمها إلى ظاهر يدها ... 
-خلصتي يا شاهندا ؟ 
نظرت الصبية إلى رئيستها قائلة : 
-خلاص يا أبلة أماني. آخر صوباع ! 
و بالفعل طلت لها آخر أصابع يدها بلونٍ ذهبي برّاق يتماشى مع لون فستانها.. ثم قامت و جمعت كل الأغراض و لحقت بالأخيرة بعد أن ودعت العروستين بابتسامة خفيفة 
لم تمر دقيقة، بينما كانت "ليلة" تقف أمام المرآة تهندم فستانها الجميل الجذاب و الأغمق ثلاثة درجات من اللون الأبيض، دخلت السيدة "نجوى" مزدانة بدورها مزدانة بجلبابٍ أنيق على الطراز الخليجي 
إتجهت من فورها صوب إبنتها و احتضنتها بقوة مغمغمة : 
-يا حبيبة أمك. قمر.. بدر منور يا قلبي. الله يحميكي من العين الليلة دي يا بطة. ونبي يارب تكمل فرحتي بيها ! 
-ربنا يخليهالك يا مرات عمي ! .. هتفت "ليلة" ناظرة إلى إنعاكسهما بالمرآة 
إستدارت "نجوى" ناحيتها مستطردة بحبورٍ : 
-الله يسعدك إنتي كمان يا حبيبتي.. إيه الحلاوة دي يا ليلة. ما شاء الله عليكي يابنتي لو تتحطي في أوضة مضلمة تنوريها 
كان هذا أعرب غزل أو مدح سمعته "ليلة" في حياتها، لكنها لم تستطع إلا أن تبتسم ردًا على المجاملة، ثم تقول : 
-تسلمي يا طنط نجوى.. أكيد ستي قاعدة على نار طبعًا ! 
أومأت الأخيرة ضاحكة : 
-أيوووة يا حبيبتي. كل خمس دقايق تتصل تستعجلني. أقولها أنا سايباهم مع الماكيرة لوحدهم قربوا يخلصوا.. مافيش فايدة. شوية و هاتكلني. إنتوا خلصتوا صح ؟ 
لم يخرج صوت "فاطمة" كالمتوقع، فأجابت "ليلة" على الفور : 
-أيوة طبعًا خلاص.. بصي طيب إسبقينا حضرتك. و أنا هجايب فاطمة دلوقتي و ننزل 
-ماشي يا حبيبتي. بس ما تأخروش بقى. أنا مش أد الست دلال. ماتحطونيش في وش الدفع لوحدي 
و ضحكت الإثنتان، ثم رحلت "نجوى" و بقيت "ليلة" بمفردها مع "فاطمة" ! 
كانت تعلم منذ البداية بوجود خطبًا ما بها، منذ رأتها، و الطراهية الدفينة التي لمستها بها تضمرها لها وحدها، لا تعرف سببها، و لا تود أن تعرف 
و لكن يشق عليها أن ترى عروس تعيسة مثلها في ليلة كهذه، يكفي ما تشعر به هي و ما تعانيه، لا يمبغي أن ترى أخرى حزينة مثلها.. و إن كانت هي تظهر عكس ذلك، و لكن "فاطمة" واضحة كالشمس ... 
-فاطمة ! 
إرتعدت "فاطمة" و هي تجلس فوق مقعدها عندما شعرت بيد "ليلة" تحط فوق كتفها ... 
رفعت "ليلة" يدها في الحال قائلة : 
-آسفة.. خضيتك ؟ 
هزت "فاطمة" رأسها سلبًا دون أن تنظر إليها، لتصدر "ليلة" تنهيدة عميقة و هي تستدير حولها، لتشد مقعدٌ آخر و تجلس مقابلها.. أخذت تحاول القبض على نظراتها عبثًا و هي تقول بلطفٍ : 
-مالك يا فاطمة ؟ إنتي تعبانة و لا إيه يا حبيبتي ؟! 
-أنا كويسة ! .. نطقت "فاطمة" بهمس يكاد يُسمع 
رفعت "ليلة" حاجبيها دلالة على عدم تصديق جوابها، و قالت بعد برهةٍ : 
-بس أنا مش شايفة كده.. بصي يا فاطمة بعيدًا عن موقفك الغريب ناحيتي. بعيدًا عن كل البغض و النفور إللي أنا مش قادرة أفسر أسبابهم.. أنا صفتي هنا بنت عمك. و لو إنتي حاسة إني مش أهل لثقتك أو بصراحة أكتر عدوتك. على الأقل ماتتكسفيش تظهري مشاعرك قصادي. أنا مش بحاول أحسن من صورتي في عينك.. إنما هدفي الوحيد و بجد إني أخفف عنك. أنا حاسة بيكي كويس. أنا أكتر حد هنا ممكن يحس بيكي يا فاطمة صدقيني ! 
و صمتت شادة على شفتيها بحركة تنم عن يأس ... 
لكنها ما لبثت أن حبست أنفاسها، حين تطلعت إليها دامعة العينين، هذا العذاب الكامن بنظراتها، وحدها "ليلة" القادرة على رؤيته بالطبع 
رباه ! 
ما بال هذه الفتاة الصغيرة ؟ ماذا يمكن أن يحدث لها ؟ و ما سبب كل ما يحيق بها في أسعد ليالي حياتها ؟؟؟ 
-يا قلبي !!! .. تمتمت "ليلة" بجزعٍ شديد 
و لم تتردد و هي تقوم واقفة باللحظة التالية لتقف فوق رأسها ضامة إياها بحضنها، حاولت جهدها أن تواسيها، تحمل معها هذا الثقل الذي صارت تشعر به جيدًا الآن 
و في غمرة كل هذا لم يسع "فاطمة" إلا البكاء و النواح الآن فوق الصدر الوحيد الذي أحست به يغير و يميز من أجلها، تلك هي غريمتها.. لكنها الآن أفضل الناس بنظرها و أكثرهم نفعًا ... 
-مالك بس يا فاطمة ؟ .. آنت "ليلة" طارحة عليها هذا السؤال 
-إحكيلي يا حبيبتي.. إيه إللي فيكي بالظبط. حصل إيه يابنتي ؟!!! 
لكن ما من إجابة ... 
ظلت تنتحب و تذرف الدموع فوق صدرها فقط، فلم تتذمر "ليلة" للحظة، بل تركتها تفرغ كل ما بها دون شكوى أو محاولة لزعزعتها و إزعاجها 
إلى أن شعرت بأنهما لم تعودا وحدهما، و بالفعل، عندما رفعت "ليلة" رأسها فجأة لمحت "مصطفى" يقف عند عتبة الباب في يده باقة من الزهور القانية الناضجة تكاد رؤوسها تلامس الأرض 
تعبير وجهه المتجهم أنبأها بأن ما يعتصر "فاطمة" الآن و يحط من نفسيتها و معنوياتها بالحضيض، هو بالحقيقة لا يكون سوى هو.. بالتأكيد.. هي واثقة من ذلك ... 
-مصطفى ! 
صاحت "ليلة" و قد تمكنت باحترافٍ في ثانية بقلب تعبير وجهها المكروب إلى إبتسامة كبيرة أشرقت على محياها 
كانت "فاطمة" تتذبذب بين ذراعيها الآن، كان خوفها واضحًا، و لكن "ليلة" آزرتها جيدًا و شدت على كتفها ناجحة ببث شيء من الثقة و الطمأنينة بقلبها ... 
-إزيك يا عريس ؟ 
نظر "مصطفى" إلى "ليلة".. لم يتكلم فورًا... لكن رد في الأخير بلهجةٍ جافة : 
-كويس يا ليلة.. إنتي إزيك يا عروسة ؟ 
ليلة بابتسامة عريضة : 
-تمام و زي الفل و الله 
-ألف مبروك 
-الله يبارك فيك يا سيدي.. مبروك ليك إنت كمان 
رد عليها بايماءة و ابتسامة مقتضبة، ثم نقل نظره ثانيةً إلى "فاطمة" قائلًا بجمودٍ : 
-مالها بطة ؟! 
قالت "ليلة" بثباتٍ و بنفس الابتسامة المتقنة على وجهها : 
-مالهاش دي قمر أهيه و جميلة. عنيها بس مطروفة شوية و أنا بحاول أشوفها. أحسن الميك آب يبوظ إنت عارف ! 
أومأ لها مرتان، ثم رفع باقة الزهور متمتمًا : 
-دي عشانك يا بطة.. مبروك علينا يا حبيبتي. يلا أسيبكوا بقى و أنزل للرجالة ! 
و ألقى بالباقة فوق طاولة قريبة، بينما ترد عليه "ليلة" و هي تراه يستدير مغادرًا بسرعة : 
-إتفضل يا مصطفى.. و مبروك مرة تانية 
على الطرف الآخر، إنتظرت "فاطمة" حتى ضمنت رحيله تمامًا، ففكت اشتباكها بإبنة عمها و رفعت وجهها متطلعة إليها بتضرعٍ ... 
-شكرًا ! .. غمغمت بصوتٍ متقطع تتخلله شهقاتٍ مكلومة 
وجهت لها "ليلة" إبتسامة عطوفة و هي تفرد كفها فوق رأسها و تربت عليه بحنوٍ هامسة : 
-العفو ... 
و دققت النظر بوجهها الذي تلطخ قليلًا بدموعها الممتزجة بالكحل و الماسكارا، لتقول و هي تتلفت حولها بحثًا عن حقيبة المكياج الصغيرة : 
-وشك و عنيكي إتبهدلوا شوية. بس و لا يهمك.. في ثواني هارجعك زي الأول و الأحسن. و بعدين ننزل بقى أحسن يطلعوا يجرجرونا من شعورنا إحنا الجوز ! 
_______________ 
إنقضت ساعات الإحتفال الأولى على الوتيرة المألوفة، في المنزل بشقة "دلال" توافدت النسوة و تفرقوا ما بين العروستين، الجميع يهلل و يغني و يرقص 
حتى "ليلة" و قد تطوعت برقصة أظهرت من خلالها مدى براعتها و إتقانها في هذا الصدد إلى حد أذهل النساء و الفتيات اليافعات و الأطفال أيضًا على حد سواء 
و بالطبع سعادة الجدة بها لم تكن تُضاهى أبدًا، التركيز مع "ليلة" و البهجة الغريبة التي نشرتها خدم مزاج "فاطمة" لأقصى حد، فلم ينتبه أحد إليها مطلقًا، حتى أمها
. وجدت ما يشغلها عنها 
و هذا بالضبط ما كانت تحتاجه، ألا تنزعج لأيّ سبب و ألا تحمل ثقلٍ آخر فوق أثقالها، و قد كان لها ما أرادت حقًا ... 
°°°°°°°°°°°°°°° 
بالخارج كان النصف الثاني من الإحتفال من نصيب الرجال، هنا بالسرادق الفخم حيث إنضم "سالم الجزار" إلى ضيوفه برفقة أولاده الثلاثة 
فور حلوله بينهم أعطى الأمر ببدأ المرح كله، و توزعت علب قوارير الخمور الفاخرة على الجميع، معها أقراص و لفافات مخدرة هدية من الكبير و المضيف السخي.. و المأكولات أيضًا نزلت على الطاولات كلها 
كان الكل منتشي و منسجم بكل ما يجري هنا، الأدمغة نصف صاحية، فقط لأجل هذه اللحظة.. اللحظة التي صعدت فيها أول راقصة شبه عارية فوق المسرح مجتذبة أعين الرجال من فورها 
الآن فقط بدأ المرح ... 
نسى الرجال الطعام و جميع الملذات الأخرى و بقول ينظرون فقط إلى الأجسام العارية فوق المسرح.. صاروا الآن خمسة راقصات، واحدة منهن نزلت عن المسرح و ذهبت رقصًا تجاه الطاولة التي يجلس إليها "سالم" و أولاده و رجلٌ آخر من الكبار 
حاولت إستمالة "سالم" فلم يعطها الفرصة أبدًا، ليقع في القرعة من بعده "رزق".. بينما كانت تشده من يده بجماع عبثًا نفسها ليقوم معها، جاءت قرينتها الثانية و إجتذبت "مصطفى" بدورها 
ليضطر "رزق" للرضوخ لها حين وكزه أخيه في كتفه مشجعًا ... 
تعالت الصيحات و القهقهات الفجة من حولهما و هما يمشيان مطوقين الراقصتان حتى صعدا معهما إلى المسرح 
و تحت أنظار والدهما الفخورة المزهوّة وقفا ثابتين بينما الراقصات تتمايلن صوبهما بميوعةٍ و عهرٍ بيّن ... 
فإذ مر القليل من الوقت، بدأت حالة "مصطفى" العقلية تزداد سوءً، لعل لا أحد غيره يعرف و قد حصى الكم الكبير الذي عاقره من الخمور... إلى أن إحترقت تلك الشعرة الأخيرة من إنفعالاته المتماسكة 
فاستدار مخرسًا صخب الاحتفال كله بإشارة من يده، ليطبق السكون التام في كل شيء الآن و يظل الحشد من حولهما في ترقبٍ و حيرة، مع مرور الثوانِ.. حتى تمت الدقيقة الثانية 
معها ظهرن النسوة من خلال الشرفة الأرضية لمنزل العائلة، و استطاع "مصطفى" أن يلمح من بينهن "فاطمة" تقف مثلهن و تراقب بفضولٍ و دهشة.. و قلق ... 
-جرالك إيه يا ديشا. تعبت و لا إيه ؟ .. قالها "رزق" مازحًا و هو يدفعه بكتفه دفعة جعلته يترنح بشدة في مكانه 
لينتفض "مصطفى" غاضبًا و هو يتشبث بقدميه فوق الأرض، و في غفلة يدس يده خلف ظهره ليستل سلاحه الناري مشهرًا إياها في وجه أخيه ... 
-أقتلك يا رزق ! 
مع نطقه بها خاصةً بنظرته الدموية لهجته الوحشية إنطلق الصراخ من فم الراقصات و سارعن إلى الهبوط عن المسرح فورًا 
بينما يقفز "مصطفى" أمام "رزق" في طرفة عينٍ موجهًا السلاح إلى رأسه.. فجاء الرد المتوقع في الحال و شقت صيحة "سالم" الصمت المتوتر السحيق ... 
-مصطفــــــى !!!! 
و لكن الأخير لم يلتفت حتى له، لم يعيره أدنى إهتمامٍ و ظل يصوّب فوهة سلاحه نحو رأس أخيه الكبير.. حتى ألصقها بجبهته تمامًا 
نظر بعينيه ليرى فيهما نفس النظرة الواثقة، الباردة، و كأنه لا يتحداه فحسب، بل يتحدى الموت بذاته و هو يقف بمكانه ثابتًا و شامخًا هكذا 
في جوًّا من الغيظ و الضغينة بسبب ما أبداه "رزق" من إستفزازٍ لأخيه الأصغر عمرًا، لم يتردد "مصطفى" في هذه اللحظة و هو يضغط على الزناد 
بنفس الوقت تنفجر صرخة "سالم" من أعمق أعماقه باسمه هو هذه المرة : 
-رزق ! 
و لكن "رزق" كما هو ... 
في الحقيقة كما، حتى عندما سمع صوت صمام الأمان و هو يندفع نحوه، لم يرف له جفن 
بينما كان الجميع في حالة من الصدمة و الذهول، و قد قام القعود من مجالسهم و من بعيدٍ النساء كن على وشك الإنهيار 
فجأة جلجلت ضحكة "مصطفى" و ملأت الآذان، حانت منه نظرة تجاه أبيه الشاحب كليًا و هو يقول بثمالةٍ واضحة : 
-فاضي.. المسدس كان فاضي. بس شوفت يابا.. رزق طلع جامد بجد. ماغمضلوش جفن و لو ثانية واحدة ! 
و استأنف ضحكه الهستيري و هو يرتمي على أخيه تاليًا معانقًا إياه، تلقاه "رزق" بين ذراعيه و هو يبتسم بفتورٍ رابتًا على ظهره بقوة 
و بإشارة من يده هو هذه المرة أطلق صخب الاحتفال من جديد، و طفق يراقص أخيه و يلهو معه فوق المسرح و كأن شيئًا لم يكن، و كأن ما جرى مجرد نمرة مرحة متفق عليها 
فعلها حتى أجبر الجميع على التصديق، و لكن "سالم" ليس مثل الجميع، و حتمًا لم يصدق.. إن تكن أعراض خرف مبكرة فهو يشعر الآن بارتجافة يديه و ساقيه حتى و هو جالسٌ هكذا 
ماذا لو وقع هذا الكابوس حقًا و قد فقد "مصطفى" عقله ؟ ماذا لو أصيب "رزق" بمكروهٍ ؟ ماذا سيحدث له هو ؟ 
يتبع.....
لقراءة الفصل الحادي والعشرون : اضغط هنا
لقراءة باقي فصول الرواية : اضغط هنا
google-playkhamsatmostaqltradent