recent
أخبار ساخنة

رواية امرأة العُقاب الفصل السابع والأربعون 47 بقلم ندى محمود توفيق

jina
الصفحة الرئيسية

             رواية امرأة العُقاب الفصل السابع والأربعون 47 بقلم ندى محمود توفيق

رواية امرأة العُقاب الفصل السابع والأربعون 47 بقلم ندى محمود توفيق

رواية امرأة العُقاب الفصل السابع والأربعون 47 بقلم ندى محمود توفيق



كان بطريقه لخارج مقر الشركة عندما أجاب على الهاتف في إيجاز ونبرة قوية : 
_ تمام يا آدم أنا جاي دلوقتي .. خليك معاهم لغاية ما اوصل
انهى الاتصال مع أخيه وكان قد وصل عند بوابة الشركة وخرج يقود خطواته تجاه سيارته ولكن الصدمة سمرته بأرضه عندما رأى فريدة تقف بجوار سيارته وتتطلع به كأنها تنتظره ! .
التهبت نظراته واغلق قبضة يده بقوة في محاولة لتمالك أعصابه .. ثم اندفع نحوها كالثور الهائج وقبض على ذراعها بعنف وقسوة دون أن يلحظه أحد ويهتف بصوت جاهد في إخراجه منخفضًا وبأعين قذفت الرعب في قلبها  : 
_ بتعملي إيه هنا .. جاية عشان اكمل عليكي واقتلك خالص
حاولت التملص من قبضته متأوهة بألم : 
_ إيدي ياعدنان حرام عليك 
همس في صوت مرعب ونظرة قاتلة : 
_ حرام ! .. وهو إنتي تعرفي الحرام
تلفت حوله وحين لاحظ بعض الأنظار عليهم فرمقها شزرًا وجذبها من ذراعها بقسوة ليتجه نحو مقعد السيارة المجاور له ويفتح الباب ثم يدفعها للداخل شبه صائحًا بها : 
_ اترزعي .. جيتي لقدرك برجلك تاني 
جلست في المقعد ببعض الخوف بينما هو فصفع باب السيارة بغضب والتفت للجهة الأخرى ليستقل بمقعده وينطلق بالسيارة غير منتبهًا للعيون التي تتابعهم من النافذة بالأعلى ! ...
كان يقود السيارة بسرعة جنونية مخيفة وملامح وجهه محتقنة بالدماء تجعله كالشبح المخيف تمامًا .. لم تشعر بالخوف كأول مرة رأت منه هذا الجانب منه لكن انتابها التوتر حول وجهته القادمة وما سيفعله بها فسألته بقلق وارتيعاد : 
_ إنت واخدني فين ياعدنان ؟!
رمقها بنظرة لا تحمل الرحمة وقال في صوت محمل بالانتقام والنقم : 
_ على المكان اللي كان المفروض تكوني فيه من بدري .. السجن !
اتسعت عيناها بذهول بعدما اخترقت اذنيها كلمته الأخيرة .. وبقت تحدق به بعدم استيعاب وتصديق لما تفوه به .. ظنته في البداية يمزح ويخيفها لا أكثر .. لكنه بدا جادًا بالفعل وهو يقود السيارة في طريق قسم الشرطة !! .. فتعرقت وارتعدت بشدة لتسرع وتتعلق بذراعه تهتف متوسلة إياه بخوف هادر : 
_ عدنان ابوس ايدك متسجنيش .. أنا غلطت ومعترفة بغلطي وعندي استعداد أعمل أي حاجة بس ابوس ايدك مدخلنيش السجن
 لمستها لذراعه هيجت عواصفه وحولته لوحش كاسر .. حيث ضغط على مكابح السيارة فجأة بعنف يتوقف على جانب الطريق .. فارتدت هي للأمام حتى كادت أن تصطدم بالزجاج لكنها توازنت على آخر لحظة .. ثم وجدته يهجم عليها كالأسد ليقبض على فكيها بقوة ويهتف وهو يصر على أسنانه بشكل مرعب : 
_ سرقتيني وخونتيني وكمان حاولتي تقتليني وأنا رغم كدا اديتك فرصة للحياة بشرط إنك متورنيش وشك تاني بس إنتي مصدقتنيش ورجعتيلي برجلك 
انهمرت دموعها وقالت بخوف وصوت متقطع : 
_ أنا ندمانة على اللي عملته .. نفسي تسامحني .. والله أنا أدركت غلطي وعرفت قيمتك وكمان اكتشفت إني فعلًا بحبك بس أنا اللي ضيعتك مني بطمعي وجشعي 
لم تؤثر به كلماتها بقدر ذرة واحدة واجابها بنظرة لا تحمل الشفقة : 
_ تؤتؤ إنتي عملتي كدا عشان إنتي *****
استمرت دموعها في السقوط فوق وجنتيها وهي تشهق بقوة فتابع هو مبتسمًا بقسوة ونقم : 
_ زعلانة ليه ما إنتي هتروحي لل**** اللي خونتيني معاه وهتكون نهايتك زيه في السجن
التقطت أنفاسها المتسارعة من أثر البكاء وقالت بصوت مبحوح وقسمات وجه غير طبيعية : 
_ إنت لا يمكن تكون بتحب جلنار .. إنت بتحبني أنا ! 
صاح بها يخرسها في انفعال ولهجة تحذيرية مخيفة : 
_ سيرتها متجيش على لسانك القذر ده .. أنا لو في سبب إني مقتلتكيش لغاية دلوقتي إنتي وال*** التاني ده فهو جلنار وبنتي .. يعني لولا وجودهم كان زمانكم مدفونين في التراب
 انهارت باكية تتوسله برعب وارتجافة صوت : 
_ عدنان ابوس ايدك متسجنيش 
ابتسم بشياطنية وعدم مبالاة بتوسلها ثم اعتدل في جلسته وانطلق بالسيارة من جديد يكمل طريقه لقسم الشرطة وسط توسلاتها وبكائها الشديد الذي لا يكترث له ! ....
بعد دقيقة ارتفع صوت رنين هاتفه أكثر من مرة ولا يتوقف عن الرنين .. وحين نظر لاسم المتصل كانت ليلى من الشركة .
ليس من الطبيعي أن تصر على الاتصال به بهذا الشكل .. أجاب بالأخير عليها في حزم : 
_ خير يا ليلى .. طالما مردتش عليكي يبقى مش فاضي ، في إيه !!!
وصله صوتها المذعور والمتلهف وهي تهتف : 
_ عدنان بيه في حريق في جراج العربيات بالشركة تحت وجلنار هانم بندور عليها مفيش أثر ليها .. والحريق كبير محدش قادر يقرب منه قبل ما تيجي المطافي 
انقبض قلبه ولوهلة شعر بأن نبضاته توقفت .. مجرد تخيله إنها قد تكون بالحريق جعله يفقد عقله وكأنه توقف عن التفكير من فرط زعره ورعبه .. فانزل الهاتف من فوق أذنه وقد فرت الدماء من وجهه ، فأوقف السيارة جانبًا وهتف لفريدة دون أن ينظر لها : 
_انزلي 
رمقته بحيرة من تحوله المفاجيء بعد مكالمة ليلى .. ولم تلبث للحظة حتى عاد يهتف ولكنه صرخ بها بصوت جهوري نفضها بمقعدها : 
_ انزلي من العربية بقول
فزعت وارتعدت من نبرته ومنظره فامتثلت لأوامره بسرعة وفتحت باب السيارة ثم نزلت وبمجرد نزولها وإغلاقها للباب انطلق هو بالسيارة كالسهم يغير وجهته ويعود بطريق  الشركة ! ....
                                   ***
بعد وصول فرح ابنة فاطمة بصباح اليوم كانوا جميعهم يجلسون حول مائدة الطعام ويتحدثون بمرح وضحك وسط تناولهم الطعام .. باستثناء نادين التي كانت نظراتها المشتعلة عالقة على فرح بغيرة وغيظ .. فمنذ أن أتت وهي تضحك وتتصرف بمياعة مع زوجها وهو يبادلها المداعبة والضحك وكأنه يتعمد إثارة غيرتها .
انتبهت على صوت فرح التي قالت بعذوبة : 
_ ماما كانت بتحكيلي عنك كتير أوي يا نادين 
رسمت ابتسامة صفراء وتطلعت بفاطمة تجيب في نبرة طبيعية مزيفة : 
_ عن جد !!
لاحظ حاتم طريقتها المختنقة في التحدث فرمقها بنظرة حازمة لتبادله هي النظرات لكن بأخرى نارية ثم اشارت له بعيناها أن يأتي معها وتهب واقفة تقول مبتسمة بعذوبة متصنعة : 
_ بعتذر منكم .. بس بدي احكي شيء ضروري مع حاتم بيخص الشغل 
تبادلت فاطمة وفرح النظرات باستغراب بينما هو فطالع زوجته بثبات وقال بنبرة قوية : 
_ خليها بعدين يا نادين 
نادين بابتسامة متكلفة ونظرات ملتهبة ترسل من خلالها إشارات الإنذار : 
_ ما بيصير ياحبيبي هاد شيء ضروري 
تنهد الصعداء بعدم حيلة وخنق ثم استقام واقفًا وسار خلفها باتجاه غرفة عمله الخاصة .
اغلق الباب خلفه بعد دخولهم والتفت لها وقبل أن يتحدث كانت هي تسبقه وتهتف بانزعاج : 
_ هيك كتير .. من وقت لأجت بنت خالتك وإنت معها وهي عم تضحك وتهزر معك بطريقة كتير مستفزة وإنت بتزودها معها عند فيني مشان تعصبني 
ضيق عيناه بعدم فهم وتعجب ثم أجابها بجدية : 
_ في إيه بظبط يا نادين ! 
اندفعت نحوه ووقفت أمامه تمامًا شبه ملتصقة به تتطلع إليه في ثقة وتهتف بغيرة مفرطة : 
_ في إني كتير بغار عليك وما بسمحلك تتصرف بهاي الطريقة مع أي بنت غيري 
ضحك وهدر مشاكسًا إياها بسخرية : 
_ تحبي تنقبيني كمان يا نادين هانم 
_ أنا ما عم امزح 
طالت نظرته الغرامية إليها مع ابتسامته الجذابة قبل أن ينحنى عليها ويلثم وجنتيها بقلبتين متتاليتين هامسًا في مشاعر صادقة : 
_ إنتي بس اللي في قلبي 
ذابت أمام قبلاته وهمساته التي امتصت غضبها بلحظة واحدة ورسمت الابتسامة العفوية والخجلة فوق شفتيها .. أما هو فاتسع ثغره أكثر بعينان تهيمان عشقًا ثم مال عليها من جديد يلثم وجنتها الأخرى  ويتنقل بقبلاته على وجهها كله .. حتى أبعدته هي بالاخير بعد أحسته سيتمادي وقالت بتذمر مزيف امتزج بخجلها الشديد : 
_ بيكفي شو عم تساوي
حاتم مداعبًا بغمزة جريئة : 
_ دي بحبك بس بطريقة مختلفة شوية 
ابتسمت دون أن تظهر أسنانها باستحياء وتلونت وجنتيها باللون الاحمر ثم رفعت أناملها تعبث بقميصه في دلال وتقول بنعومة دون أن تتطلع بوجهه : 
_ إنت سامحتني خلاص وما عدت زعلان مني  ؟
قال بتفكير وخبث دفين : 
_ على حسب يعني ارشيني وأنا اسامحك تمامًا 
فهمت ما يلمح إليه وعلى عكس المتوقع ضحكت بخجل ورفعت جسدها الضئيل لمستواه وطبعت قبلة سريعة فوق وجنته ثم فرت هاربة للخارج بسرعة بعدها فلم يتمكن هو من الشعور بالقبلة جيدًا ولا حتى الإمساك بها .. ليتأفف بغيظ ويضرب الأرض بقدمه في خنق !!! .
                                     ***
وصل بسيارته أمام مقر الشركة ونزل منه بسرعة ثم قاد خطواته التي كانت أشبه بالركض تجاه چراچ السيارات بالشركة وكانت سيارة الإنقاذ لم تصل حتى الآن وبعضًا من الموظفين يحاولون إطفاء النيران والدخول عندما أصبحوا شبه متأكدين من وجود جلنار بالداخل بعدما رأوها بكاميرات المراقبة وهي تدخل الچراچ .
اندفع عدنان بينهم وصاح بهم بصوت جهوري نفضهم مكانهم فافحسوا الطريق له فورًا .. وصل آدم خلفه تمامًا وهرول راكضًا إلى موقع الحريق .. بتلك اللحظة كان عدنان قد تسلل للداخل من إحدى الفتحات التي لم تطولها النار بعد .. وكان آدم سيلحق له لكنه صاح عليه وأمره أن يبقى مكانه .
كان يحاول تفادي النيران بقدر الإمكان بعد دخوله لكنها لحقت بسترته  واشتعلت بها فأسرع ونزعها عنه فورًا ثم القاها وسط النيران .. وأكمل طريقه يحاول رؤية أي شيء وسط تلك النيران ويصيح مناديًا عليها .. ازداد سعاله من رائحة الدخان والحريق وبالأخير لمح سيارتها الحمراء بآخر الچراچ ولحسن الحظ أن النيران لم تصل للسيارة بعد .. تخطي عقبات النيران بصعوبة حتى وصل إليها وكان باب السيارة مفتوح وهي تجلس بالمقعد الأمامي فاقدة الوعي .
وصل أخيرًا إليها وانحنى يدخل جزء من جسده لداخل السيارة ويهز وجهها برفق هاتفًا بزعر : 
_ جلنار .. جلنار ردي عليا إنتي سمعاني
لم يجد منها أي إجابة فحملها بين ذراعيه وعاد يسلك بها نفس الطريق وبتلك الأثناء كانت سيارة الإنقاذ قد وصلت وتمكنوا من تهدئة إشتعال النيران قليلًا مما سهل عليه خروجه بها بسرعة وسط نظرات الجميع المذعورة .
سار مسرعًا لداخل مقر الشركة هاتفًا بقلق موجهًا حديثه لأخيه : 
_ اتصل بالدكتور يا آدم بسرعة 
اسرع آدم وأخرج هاتفه ليجرى اتصال بالطبيب أما عدنان فقد استقل بالمقعد الكهربائي وهو مازال يحملها بين ذراعيه وبين كل لحظة والأخرى يتحدث إليها على أمل أن تجيبه .. توقف المصعد بعد لحظات وخرج منه ليتجه إلى مكتبه .. فتح الباب بسرعة ودخل بها ثم وضعها برفق فوق الأريكة واعتدل في وقفته ولحسن الحظ أنه انتبه لزجاجة العطر الموضوعة فوق سطح المكتب فأسرع والتقطها ثم نثر القليل منها فوق يده وقرب كفه من انفها حتى تستيقظ .. لم تفتح عيناها إلا بعد خمسة دقائق من محاولاته المختلفة .
وضعت كفها أسفل رأسها متأوهة بألم فسمعت صوته المتلهف يقول بقلق : 
_ جلنار إنتي كويسة ياحبيبتي ؟
ردت بصوت مبحوح وموجوع : 
_ راسي بتوجعني أوي ياعدنان آااه 
_ إيه اللي حصل ؟! 
اعتدلت في نومتها بمساعدته وتمتمت بصوت خافت ومتألم : 
_ نزلت عشان اركب العربية وامشي بس فجأة النور قطع في الچراچ وشوفت نار من مكان الكهرباء فنزلت بسرعة من العربية عشان اطلع برا قبل ما النار تزيد لكن في حد ضربني على راسي ومن بعدها مش فاكرة حاجة 
احتدمت نظراته بعد جملتها الأخيرة وقال بنظرة ثاقبة : 
_ مشوفتهوش مين اللي عمل كدا ؟! 
_ لا مشوفتهوش كان ورايا 
أول من خطر على ذهنه وأنه هو المتسبب في ذلك الحادث كانت فريدة .. فتلونت عيناه باللون الأحمر القاتم واحتقن وجهه بالدماء من فرط غضبه .. لكنه تمالك زمام انفعالاته ونفرها من تفكيره فبهذه اللحظة لا يهمه شيء سوى زوجته حيث عادت ملامح دافئة مرة أخرى وهو يعتدل ليجلس بجوارها ويميل عليها يلثم شعرها بعدة قبلات متتالية في غرام وصوت مرتعد : 
_ وقفتي قلبي يارمانتي من الرعب 
تطلعته مبتسمة وسألت بثبات بعدما تذكرت آخر شيء رأته قبل حادثة الحريق : 
_ عرفت إزاي ؟!! 
_ ليلى اتصلت بيا 
جلنار بنظرة ذات معنى : 
_ سبت الاجتماع وجيت !!! 
دني منها ولثم جانب ثغرها بحب ثم ضمها لصدره مجيبًا بصدق وعاطفة جيَّاشة : 
_ مفيش حاجة عندي أهم منك ياحبيبتي 
ابتعدت عنه ببطء ومعالم وجه جامدة أما هو فمن فرط قلقه عليها لم يلاحظ نظراتها وقسمات وجهها الغريبة وسألها باهتمام :
_ حاسة بألم شديد في راسك ؟ 
هزت رأسها بالإيجاب متمتمة : 
_ شوية حاسة بألم 
كان الباب مفتوحًا فدخل آدم وهتف محدثًا جلنار بقلق : 
_إنتي كويسة يا جلنار ؟ 
نظرت له وابتسمت بعذوبة مجيبة : 
_ كويسة يا آدم 
كان عدنان يحاوطها بذراعه فمال وعاد يلثم شعرها من جديد متمتمًا في دفء : 
_ آدم اتصل بالدكتور وهيجي دلوقتي
 أماءت له برأسها في الموافقة دون أن تنظر له .. لولا الوضع الذي هي فيه الآن لم تكن لتصمت أبدًا عن ما رأته
 لكنها قررت أنها ستضع النقاط فوق الحروف عندما تتحسن ويعودون للمنزل .
دقائق طويلة نسبيًا وجاء الطبيب وفحصها وبعد ذهابه واطمئنان عدنان بشكل تام عليها أخبرها بأن سينزل ليرى الأوضاع بالأسفل بمكان  الحريق ويتفقد ما حدث وكيف وقعت الحادث بالضبط !! ....
                                    ***
بمساء ذلك اليوم .......
كانت مهرة بطريق عودتها للمنزل بعدما انتهت من شراء بعض المستلزمات الخاصة بهم .. والوقت كان متأخرًا قليلًا وتسير بالشارع بمفردها .. وإذا بها فجأة تجد شابًا يعترى طريقها وكان طويلًا اسمر الوجه وملابسه رثة وشكله مثير للقلق .. فتصلبت بأرضها وطالعته بصمت حتى صاحت به بعصبية وشجاعة : 
_ ابعد من وشي .. خليني اعدى 
_ إنتي متعرفنيش ولا إيه !!
دققت النظر به وعندما لم تتمكن من التعرف عليه صرخت بغضب تهدده بدون خوف :
_ ومش عايزة اعرفك .. أبعد بدل ما أنزل بالإكياس دي فوق وشك ودماغك افشفشها واندمك إنك وقفت في طريقي 
اقترب منها الشاب بتريث وعلى ثغره ابتسامة تنبع بالشر والغل هاتفًا : 
_ أنا ابن عم ريشا اللي مرمي في السجن بسببك 
لم تشعر بأي ارتيعاد بل بالعكس ابتسمت ساخرة وقالت بنظرة استحقارية ولهجة فظة : 
_ صحيح ازاي معرفتكش ماهو الطبيعي العيلة كلها **** زي بعضها 
اشتعل كالجمرة بعد إهانتها البذيئة له واندفع نحوها يهم بالنيل منها .. وبتلك اللحظة كان آدم يمر بسيارته من نفس الشارع ينوي الذهاب إليها لرؤيتها رغمًا عنها .. فقد أخبرها أنها لن تستطيع التخلص منه بسهولة .. لكنه حين لمحها مع ذلك الشاب ورآه يحاول الاعتداء عليها وضربها نزل من سيارته فورًا وأسرع إليه ليجذبه من ملابسها ويوجه له اللكمات المتتالية بسخط .
أصابها الذهول بعد ظهوره المفاجيء وظلت تشاهد المشاجرة الطاحنة بينهم .. وبعد ثواني طويلة استفاقت من ذهولها واندفعت نحو ذلك الشاب تضربه بالإكياس وبقدميها بعدما رأته وجه بعض اللكمات العنيفة والمبرحة لآدم .. وبالنهاية بعدما تلقى جزائه وادرك أنه لن يتمكن من مجابهة ذلك الغريب الذي ظهر فجأة فألقى نظرة نارية عليهم قبل أن يهب واقفًا ويبتعد .
أسرعت هي تجاه آدم الذي سالت الدماء من فمه وكذلك هناك جرح بسيط بحاجبه وهتفت بزعر : 
_ آدم إنت كويس ؟ 
كانت نظارته المميتة عالقة على ذلك الشاب حتى استمع لصوتها فأجابها بنظرات ملتهبة : 
_ مين ده تعرفيه ؟!!! 
_ لا معرفهوش .. تعالى بس اركب العربية 
جذبته من يده دون أن تنتظر ردًا منه حتى وصلوا إلى السيارة فاستقل هو بمقعده وصعدت هو بجواره ثم فتحت احد الأكياس التي معها واخرجت منها قطن ومعقم فلحسن حظه أن المعقم انتهى من المنزل لديهم وقامت بشرائه الليلة .. كان هو يتابع ما تفعله بصمت حتى وجدها تضع القليل من المعقم فوق القطنة وتقربها من وجهه فتراجع برأسه لا إرديًا للخلف هاتفًا : 
_ بتعملي إيه ! 
هدرت بجدية واستنكار من جملته : 
_ هعقملك الجرح إنت مش ملاحظ إنك اتعورت مثلًا ولا إيه !!! 
سكن وتركها تقترب منه لتضع القطنة الممتلئة بالمعقم عند آخر ثغره بموضع الجرح تمامًا .. ووسط انشغالها بتعقيم جرحه كانت تتمتم بكلمات كثيرة لم يسمعها جيدًا بسبب تأمله بها وهي قريبة منه بهذا القدر لأول مرة .. رائحتها تخللت بأنفه فاسكرته وملامح وجهها الجميلة والهادئة سحرته فجعلته يتطلع إليها بشرود وكأنه بعالم آخر .. لم يفيق إلا عندما ابتعدت قليلًا عنه وقالت بغيظ منه : 
_ أنا بكلمك وإنت مش معبرني يعني و .... !
بترت بقية عبارتها عندما رأت نظراته لها وتجمدت مكانها بارتباك تحول لخجل وتوتر ملحوظ فوضعت المعقم والقطن بيده تهتف بإيجاز متفادية النظر إليه : 
_ خد كمل إنت !
انزل نظره ليده وابتسم على خجلها ثم عاد بعيناه إليها من جديد وقال بجدية :
_ إنتي كنتي فين ؟! 
ردت دون تفكير بعفوية : 
_ كنت بشتري شوية طلبات زي ما إنت شايف 
أجابها بصوت غليظ وغاضب :
_ وهي الطلبات مينفعش تصبر للصبح .. عشان تنزلي متأخر دلوقتي وتجبيها 
ضيقت عيناها باستغراب من طريقته وسخطه لكنها شعرت بالغيظ من أسلوبه فردت بنبرة فظة :
_ وإنت مالك !
_ نعم !!!!
_ زي ما سمعت 
اشتعلت نظراته فأردف بعصبية بسيطة وصرامة : 
_ ليا ونص كمان .. إنتي شوفتي اللي حصل أهو وربنا ستر إني جيت في اللحظة دي وشفتك 
مهرة بغرور : 
_ مكنش هيقدر يعملي حاجة على فكرة 
آدم بغيظ من عنادها : 
_ أه ما هو كان واضح فعلًا إنه مكنش هيقدر 
لوت فمها بتذمر ثم قالت وهي تهم بفتح باب السيارة : 
_ أنا همشي عشان متأخرش على البيت 
أمسك برسغها يوقفها بنظرة عميقة وتحمل الضيق متمتمًا : 
_ مفيش شكرًا حتى !!! 
ابتسمت برقة وخجل لكن سرعان ما أخفت الابتسامة بسرعة وقالت ببرود مزيف : 
_ شكرًا وياريت متجيش تاني 
هز رأسها باسمًا بعدم حيلة منها ثم رد بجدية : 
_ طيب متنزليش هوصلك لغاية البيت
_ لا توصلني إيه إنت مجنون أنا هروح وحدي 
آدم بخشونة ولهجة لا تقبل النقاش : 
_ مهرة مش هسيبك تمشي وحدك .. بعدين مفيش حد أصلًا في المنطقة يعني محدش هيشوفنا 
اضطربت قليلًا منه وامتثلت له بالنهاية مرغمة وهي تتأفف بخنق !! ........
                                   ***
لهيب نيرانها مشتعلة أكثر من حريق الصباح .. ولا يتردد بعقلها شيء سوى جملة جميلة حتى أنها بدأت تشك بصدقها وأنها على حق ! .
كذب عليها وأخبرها بذهابه لاجتماع عمل ومن ثم رأته يأخذ فريدة ويذهب بها بالسيارة .. هل كانت هي من تتصل به ولذلك لم يجيب على الهاتف أمامها ؟! .
 قد يكون حبه كذبة بالفعل وأن عقله مازال مشغول بها ولا زالت تحظى بمكانة في قلبه .. باتت هي أيضًا تفكر وتتساءل هل لو أصبح هناك فرصة لعودتهم حتى لو كانت فرصة مستحيلة الحدوث لكنها تخيلت وجود تلك الفرصة المستحيلة لعودتهم فهل سيتركها وسيختار فريدة عنها أم سيختارها هي ؟!! .
هي حتى لا تستوعب كيف تقارن نفسها بتلك الخائنة ولكنه هو من أجبرها على تلك المقارنة التي لا تصلح أبدًا أن تكون بين الحقيقة والزيف !! .. وتلك المقارنة السخيفة المتها وارهقتها بشدة ! .
انتظرت خروجه من الحمام وبمجرد خروجه وأقترابه من الخزانة حتى يخرج ملابسه هتفت بقوة : 
_ كنت بتكذب عليا الصبح ياعدنان ! 
رمقها بعدم فهم واستغراب ثم هدر متسائلًا : 
_  بكذب عليكي !!! 
استقامت من الفراش واقفة وتحركت نحوه تقول بهدوء مزيف : 
_ قولتلي إنك رايح اجتماع شغل ومكنش شغل 
غضن حاجبيه بحيرة أشد وأردف بجدية تامة وثبات : 
_ لا كان في اجتماع تبع الشغل فعلًا 
خرجت عن إطار هدوئها وهتفت بغضب بسيط : 
_ وكنت بتعمل إيه مع فريدة ؟! 
التزم الصمت متعجبًا من معرفتها بما حدث وتابعت هي منفعلة : 
_ ركبتها عربيتك ومشيت إنت وهي ! 
 أخذ نفسًا عميقًا وقد تقوست معالم وجهه بحزم وقال بخشوع تام وغريب : 
_ حصل وكنت رايح بيها على القسم عشان اخلص منها نهائي واسجنها بس نزلتها من العربية في نص الطريق وسبتها لما ليلى اتصلت بيا وقالتلي إنك في الحريق ورجعت زي المجنون ليكي 
لم تقتنع ولم تصدقه فقلبها يؤلمها وعقلها يؤنبها أنها سمحت بتلك الفرصة منذ البداية .. ابتسمت بسخرية وقالت : 
_ إنت هتسجنها !!! 
مسح على وجهه بقوة وهتف بغضب وألم مماثل لها بعدما خرج هو أيضًا عن الخشوع المزيف : 
_ إنتي ليه مش عايزة تصدقي حبي ليكي !! .. فريدة ماضي مبقيش ليه وجود بنسبالي أساسًا .. نسيته ومسحته من دماغي وقلبي نهائي ولو اقدر ارجع بالزمن واغير الماضي كنت غيرته ومسحتها من حياتي في الماضي كمان 
توقف للحظة ثم اقترب منها وثبت نظره عليها بعمق وهتف بنبرة منخفضة وصادقة : 
_ إنتي الحاضر والمستقبل يا جلنار .. إنتي كل حاجة بنسبالي دلوقتي ومش عايز غيرك إنتي وبنتي جمبي .. بقيت بحبك بطريقة عمري ما اتخيلت إني أحبك بيها .. الصبح لما حسيت للحظة إني ممكن اخسرك كنت هتجن ومش شايف قدامي من كتر الخوف والقلق عليكي .. ارجوكي بلاش تسمحي للماضي اللي انتهى إنه يدمر حاضرنا ومستقبلنا
أبت النظر إليه لكن بعد رجائه ارغمها لا إراديًا على النظر وحين تطلعت بعيناه في عمق لمحت لمعة غريبة تعبر عن دموعه المتحجرة بهم !!! ..........
يتبع.....
لقراءة الفصل الثامن والأربعون : اضغط هنا
لقراءة باقي فصول الرواية : اضغط هنا
نرشح لك أيضاً رواية اختار القدر ان يجمعنا للكاتبة فاطمة علي مختار
google-playkhamsatmostaqltradent