recent
أخبار ساخنة

رواية امرأة العُقاب الفصل الثامن والخمسون 58 بقلم ندى محمود توفيق

jina
الصفحة الرئيسية

 رواية امرأة العُقاب الفصل الثامن والخمسون 58 بقلم ندى محمود توفيق

رواية امرأة العُقاب الفصل الثامن والخمسون 58 بقلم ندى محمود توفيق

رواية امرأة العُقاب الفصل الثامن والخمسون 58 بقلم ندى محمود توفيق


وقف بالمنتصف عند مقدمة الدرج وصاح بصوته الجهوري والذي جلل بأركان القصر بأكمله : 
_ مـــــامـــــا .. يا أســمــهــان هــانــم !!!!!!
بالأعلى انتفضت أسمهان فور سماعها صيحة ابنها المرعبة .. وهبت واقفة من فراشها مهرولة لتغادر غرفتها ومنها للدرج تنزل درجاته مسرعة وهي مزعورة .. وعند وصولها عند بداية الدرج من الأعلى توقفت للحظة تتطلع بقسمات وجهه النارية وتسأله بفزع : 
_ في إيه ياعدنان ؟! 
لم يجيبها واكتفى بنظرته المخزية والملتهبة فقط .. كان تمامًا كالوحش الثائر الذي ينتظر اقتراب فريسته منه ليلتهمها .
تعرفه جيدًا لا يكون بهذه الحالة المرعبة إلا عندما تحدث كارثة ! .. ولا يمكنها إنكار أنها خشيت ابنها في تلك اللحظة وانقبض قلبها رعبًا من أن يكون ما تخشاه قد حدث وعلم بكل شيء ! .
نزلت بقية درجات السلم ببطء حتى انتهت منه ووقفت أمامه مباشرة بثبات مزيف تسأله بحنو وتوتر : 
_ في إيه ياحبيبي مالك متعصب كدا ليه ؟! 
طالت سكونه المريب .. الذي تمامًا شبهته بهدوء ما قبل العاصفة .. لكنه تحدث بصوت متحشرج ونظرة مميتة يسألها مستنكرًا : 
_ إزاي عملتي كدا فيه ؟! 
اضطربت وردت بخوف : 
_ مين ده ؟ 
عدنان بنفس النبرة السابقة : 
_ جوزك وأبو ولادك يا أسمهان هانم 
اتسعت عيناها دهشة ولوهلة شعرت بأن جسدها كله يرتجف رعبًا ثم أجابت عليه متلعثمة تنكر خطأها : 
_ أنا معملتش حاجة .. لا يمكن أعمل حاجة في أبوكم !
أثارته جنونه وهيجت عاصفته حيث صرخ بها بصوت نفضها بأرضها : 
_ بابا مات بسببك .. كنتي عارفة إن الصفقة دي كانت أهم حاجة عنده في شغله وتعب سنين عشان يوصلها وينفذها ورغم كدا خونتيه وبعتيه .. واللي حصل بعد كدا إيه .. من كتر زعله تعب وجاتله جلطة ومات .. هااا لسا برضوا بتقولي معملتيش حاجة 
تعرقت بشدة وغامت عيناها بالعبارات لتهتف وهي تهز رأسها بالنفي رافضة الاعتراف :
_ لا لا لا أنا معملتش كدا .. ده كدب والله ياعدنان متصدقش الكلام ده يابني .. أنا مستحيل أذي أبوك 
عدنان بنظرة كلها خزي هتف بغضب : 
_ نفسي اصدقك بس مش قادر .. رصيدك خلص يا أسمهان هانم خلاص 
تشبثت بقميصه تهتف متوسلة وسط بكائها العنيف : 
_ لا ياعدنان متقولش كدا  .. إنت وأخوك اغلى حاجة عندي عشان خاطري متصدقش الكلام الفارغ ده يابني .. أنا لا يمكن أعمل كدا ! 
بكائها لم يحرك شعرة واحدة منه بل بقت نفس النظرة المخزية في عيناه والساخطة حتى قال بخفوت مخيف وهو يثبت نظره على عيناها تمامًا كنظرة العُقاب الثاقبة والمرعبة : 
_ تعملي أكتر من كدا كمان يا ماما وأنا اكتر واحد اعرفك وعارف ده كويس .. متمثليش قدامي دور المظلومة والملاك الصالح عشان صدقيني مش لايق عليكي 
طالت نظرتها المذهولة له للحظات وسط دموعها التي تملأ وجهها وتغيم عيناها .. إلا أنها لم تتحدث ورفعت يدها بالهواء ثم هوت بها تصفعه بقوة فوق وجهه .
ضمت يدها بعدها مصدومة وكأنها لا تصدق أنها صفعته .. لأول مرة ترفع يدها عليه .. لكن ذلك لم يمنعها من التحدث والتصرف بصلابة كعادتها حيث صاحت به مستاءة : 
_ ياخسارة تربيتي فيكم إنت وأخوك .. أنا أسمع منك إنت الكلام ده ياعدنان !!! 
كان وجهه لا يزال مائلًا للجانب من أثر صفعتها وهو يغلي كالقدر فوق النيران  .. ثم انتصب في وقفته ورمقها مطولًا بغضب وبتلك اللحظة كان الباب ينفتح ويدخل آدم الذي هرول مسرعًا من الخارج بعدما نزل من سيارته وسمع صوت صياح أخيه المرتفع ! .
عدنان بعينان مشتعلة وصوت محتقن : 
_ عملتي كدا ليه ؟ 
سكتت ولم تجيب ليعيد ويصيح بصوت هز أركان المنزل كله : 
_ ردي عليا عملتي كدا لــــيــــه ؟! 
اقترب آدم منهم وهو ينقل نظره بينهم بحيرة وعدم فهم ليهتف محدثًا أخيه : 
_ إيه ياعدنان بتزعق لماما كدا ليه .. هو في إيه بظبط !!
عدنان بنظرة لا تحيد عن أمه : 
_ هنعرف كلنا دلوقتي في إيه ! 
ثم ابتعد واستدار ليتجه بخطوات صلبة ويجلس فوق الأريكة بإريايحية تامة ويقول في برود مخالف تمامًا لثورانه قبل قليل : 
_ احنا سامعينك  يا أسمهان هانم .. اعتقد جه الوقت إن الأوراق كلها تنكشف ونعرف كل حاجة مخبياها
نقلت نظرها بين نجلها الأكبر الذي للحظة رأت نفسها فيه .. حين يرغب فيمكنه نزع الشفقة والرحمة من قلبه ويصبح وحشًا قاسٍ لا يرحم .. وهو الآن شخصًا مختلفًا عن ابنها الذي ربته ! .. لا ترى أي ضوء حنو أو عطف بعيناه تجاهها كما اعتادت .. يبدو أنها وصلت حقًا للنهاية المحتومة ! .
ألقت نظرة أخيرة على آدم الذي مازال يتجول بنظره بينهم في حيرة .. واغمضت عيناها بقوة تبكي بصمت ترفض التحدث حتى سمعت صوت عدنان المريب وهو يقول : 
_ خايفة من إيه .. قولتلك رصيدك خلص يا ماما .. يعني سواء قولتي أو لا مش هيتغير حاجة لأن من النهارده اعتبري ملكيش ابن اسمه عدنان 
اجهشت بالبكاء الحار فور سماعها لجملته الأخيرة ووسط ضغطه المستمر عليه وجدت نفسها تصرخ وهي تعترف بكل شيء دون أن تشعر : 
_ هو السبب .. هو اللي خلاني أعمل كدا .. أبوكم هو اللي وصلني للنقطة دي .. لما سمح لعمتك إنها تدَّخل وتخليك تتجوز بنت نشأت غصب عني وتقف قصادي .. اهاني ومسح بكرامتي الأرض قدام اهلي كلهم وكان عايز يطلقني لما عرف إني عملت عمل لأخته عشان متتجوزش .. عملت كدا عشان اقرص ودنها واخليها تعرف إن مش أنا اللي تعاديني وتخلي ابني يقف قصادي عشانها 
كانت الصدمة الأكبر من نصيب آدم الذي اتسعت عيناه بعدم استيعاب أن والدته فعلت ذلك الفعل الشنيع .. بينما عدنان فضحك بهدوء ورد في سخرية : 
_ وطبعًا عشان تنتقمي من بابا عملتي فيه كدا .. وكنتي السبب الأكبر في موته 
أسمهان صائحة برفض : 
_ لا أنا مموتهوش .. أنا مليش دعوة بموت أبوكم 
خرج صوت آدم أخيرًا وهو يتطلع بأمه مذهولًا ويسألها بتأكيد ينتظر منها تكذيب ما قالته أو ما يقوله أخيه حول تسببها بموت والده : 
_ ماما الكلام اللي بيقوله عدنان صح .. إنتي عملتي كل ده فعلًا !! 
رمقت آدم بأسف وانهارت باكية دون أن تتحدث ليضيق عيناه بدهشة ولوهلة شعر بطعنة قاسية أصابت يساره أما عدنان فقد صابته تلك الطعنة منذ وقت طويل وقتلته !! .
استقام واقفًا من مقعده واقترب متريثًا من أمه يقول بصوت هاديء ونظرة عاجزة ومنكسرة : 
_ وصلتي بيكي الدرجة إنك تلجأي للسحر والشعوذة عشان تأذي عمتي وكل ده عشان إيه .. عشان اتجوزت جلنار !!! 
ضحك بيأس ثم تابع بصوت غليظ ونظرة نارية : 
_ وعملتي كدا في بابا عشان عمرك ما حبتيه .. كنتي بتحبي نشأت ومازالتي 
طالعته بصدمة بعد تلك الجملة بينما هو فتابع باسمًا بثبات غريب : 
_ مالك مصدومة ليه .. إنتي فاكرة إني معرفش ولا إيه .. لا عارف من زمان أوي وعمري ما حسيت للحظة واحدة بحبك لبابا .. إنتي كل اللي يهمك نفسك والفلوس وبس يا أسمهان هانم ..
عارفة كمان أنا صممت ليه على جلنار بذات إني اتجوزها عشان أنا عارف كل حاجة .. وللأسف اخدتها بذنب أبوها وظلمتها معايا بس أدركت بعدين إننا الضحية وسط قذارتكم .. والحمدلله إني فوقت قبل ما اخسرها وربنا كشفلي حقيقة **** فريدة .. عشان لحظتها بس عيني تفتح وتشوف كل حاجة بوضوح .. تشوف حقيقة أمي اللي خانت بابا طول حياته وبسبب غضبي خلتني اخد الخطوة دي واظلم جلنار وهي ملهاش ذنب في  قذراتكم .. شوفت حقيقة الست اللي حبيتها وامنتها على اسمي وعيلتي وكنت مستعد أمنها على ولادي كمان عشان اعرف أن هي كمان كانت بتخوني ..
 شوفت اكتر حاجة وجعتني هي إني بسببكم ظلمت اكتر انسانه مكنتش تستحق مني غير الحب والاحترام والتضحية الحقيقية .. إنسانة لو كنت أدركت قيمتها من البداية مكناش هنوصل للنقطة دي بسببكم وكنت هكون سعيد بجد في حياتي مع مراتي وبنتي ! .. بنتي اللي حاولتي تقتليها هي وأمها .
توقف عن الكلام وهو يخفي ابتسامته المنكسرة ويقول في الأخير بقسوة وقوة باتت تظهر مزيفة : 
_ من اللحظة دي أنا مش موجود واعتبريني ميت يا أسمهان هانم .. كنتي عايزة الفلوس والاسم والغنا الفاحش وأهو القصر وكل حاجة قدامك وليكي وحدك .. بس أنا مليش أم 
انهى عباراته واستدار مسرعًا ليندفع لخارج المنزل .. بينما آدم فالقى آدم غاضبة ومخزية على أمه قبل أن يتركها ويهرول خلف أخيه صائحًا : 
_ عدنان .. عدنان 
لحق به قبل أن يستقر بسيارته وقبض على ذراعه هاتفًا بقوة : 
_ عدنان استني 
التفت عدنان برأسه لأخيه وقال بصوت مكتوم ووجه منطفيء : 
_ مش وقته يا آدم .. محتاج اقعد وحدي شوية 
ترك ذراعه ببطء وأسى على أخيه حين رأى دموعه في عيناه .. ولم يضغط عليه أكثر بل تركه يستقل بسيارته ويرحل .. ليظل هو مكانه واقفًا لدقائق قبل أن يتجه هو الآخر لسيارته ويغادر ! .
                                  ***
داخل منزل رمضان الأحمدي تحديدًا بغرفة مهرة ........
فتحت سهيلة الباب بهدوء تام ودخلت ثم اغلقته .. لتقف مكانها للحظة تتطلع بصديقتها الكامنة في فراشها وعيناها منتفخة من أثر البكاء .. تجلس ضامة ركبتيها لصدرها ودموعها تنهمر بصمت .
تنهدت سهيلة الصعداء بحزن وإشفاق .. لتتقدم من فراش مهرة وتجلس بجوارها على حافته ثم ترفع كفها وتملس فوق كتفها برفق متمتمة : 
_ ليه محكتلهوش الحقيقة ؟! 
مهرة بصوت مبحوح من فرط البكاء : 
_ مقدرتش ياسهيلة .. خايفة احكيله كل حاجة تتعقد أكتر 
دققت سهيلة نظرها على صديقتها وسألتها بترقب : 
_ طيب إنتي مش كنتي عايزاه يبعد عنك واهي جات الفرصة وحدها وهيبعد عنك .. زعلانة ليه ! 
رمقتها مهرة بدهشة وقالت رافضة بضيق وانكسار : 
_ مش بالطريقة دي ياسهيلة .. أنا كنت عايزة ابعده مش اخليه يكرهني ويشوفني بالصورة البشعة دي 
_ طيب احكيله يا مهرة مستنية إيه لما تخسريه بجد وميبقاش في مجال للعودة  
انهارت باكية وقالت بصوت مرتجف : 
_ مش هقدر .. خايفة اقوله .. خايفة من ردة فعله 
سهيلة ببعض الحزم هتفت : 
_ خايفة من إيه يا مهرة إنتي ملكيش ذنب .. كل غلطك إنك وثقتي في الحيوان اللي اسمه عامر ده .. لكن إنتي معملتيش حاجة غلط تخليكي تخافي تحكيله عنها 
طالت نظرات مهرة إلى سهيلة بصمت ودموعها تنهمر بصمت فوق وجنتيها .. فتلين نظرات الأخرى من جديد وتضمها لصدرها في حنو هامسة بأسى : 
_ إنتي بتحبيه بجد يامهرة وده واضح في عنيكي ياصاحبتي .. وهو بنفسه اعترفلك بحبه ليكي وضحى بنفسه عشانك .. مش إنتي اللي قولتيلي إنه قالك إنه بيحبك بعد ما ضربه عامر بالنار .. يعني إنتي عارفة إنه بيحبك وإنتي بتحبيه وكمان أنا متأكدة إنك لو حكتيله هيتفهم وهيقف جمبك ومش هيسيبك 
لم تجيب عليها بل فقط استمعت إلى صوت بكائها الحاد وهي تنتفض بين ذراعيها نفضًا وتهتف من وسط بكائها بصوت موجوع : 
_ بحبه أوي يا سهيلة .. بس مش هينفع نكون مع بعض تيتا لا يمكن توافق وهي عندها حق احنا مختلفين ومش هنعرف نعيش بسعادة ومرتاحين 
نظرت سهيلة بخفوت وصوت رزين كله لطف : 
_ احيانًا بنكون محتاجين الاختلاف ده عشان نعرف نعيش يامهرة 
وسط حديثهم منذ بدايته حتى آخر جملة تفوهت بها سهيلة كانت فوزية بالخارج تستمع لهم من خلف الباب وهي عابسة بيأس وضيق على حفيدتها وعزيزتها التي تذبل يومًا بعد يوم بسبب قلبها العاشق !! .
                                    ***
بمنزل الخالة انتصار ........
تجلس جلنار بالصالون فوق الأريكة العريضة عابسة وتتأمل الفراغ أمامها بشرود .. حتى رأت انتصار تقترب منها وهي تحمل فوق يديها كوبين من القهوة .. ابتسمت لها بحنو وهبت واقفة لتسرع إليها وتحملهم عنها هاتفة بعتاب لطيف : 
_ ليه بس يادادا تعبتي نفسك أنا جيتلك عشان وحشتيني واشوفك وافضفض معاكي شوية .. مش اتعبك ! 
انتصار باسمة بحب : 
_ وهو فين التعب بس .. ده يدوب فنجانين قهوة ولا إنتي موحشتكيش القهوة بتاعتي 
جلنار ضاحكة بمداعبة : 
_ لا إزاي دي وحشتني أوي .. ربنا يخليكي ليا يادادا 
ملست انتصار على ذراع جلنار بدفء متمتمة : 
_ ويخليكي ليا ياحبيبتي .. ده إنتي بنت الغالية وبنتي اللي مجبتهاش بطني 
ابتسمت لها جلنار بحب وادمعت عيناها فور ذكرها لأمها لتقترب وتعانق انتصار بقوة هامسة في صوت باكي : 
_ وحشتني أوي يادادا 
انتصار بحزن شديد : 
_ وأنا كمان وحشتني .. ربنا يرحمها ياحبيبتي 
انهارت جلنار بالبكاء فجأة وأصبح صوت نحيبها مرتفع .. فابعدتها انتصار عنها بهلع وهتفت بقلق : 
_ مالك ياجلنار .. بتعيطي كدا ليه يابنتي ! 
لم تجيب واستمرت بالبكاء القوي .. فجذبتها انتصار من يدها واجلستها فوق الأريكة وجلست بجوارها هاتفة في جدية وخوف : 
_ طمنيني يابنتي متقلقنيش إيه اللي حصل ؟! 
رمقتها جلنار بعينان عاجزة وقالت في ألم : 
_ لسا بيحبها يادادا ! 
سكنت انتصار لبرهة تحاول فهم جملتها حتى ادركتها بالأخير وردت بسرعة في دهشة : 
_ عدنان لسا بيحب فريدة !!! 
أماءت لها بالموافقة فتجيب الأخرى برفض تام : 
_ مستحيل يا جلنار .. مفيش راجل ممكن يفضل شايل حب في قلبه لست خانته وخدعته
تمتمت بثقة عمياء وألم : 
_ مكنش لازم ادي فرصة تاني للعلاقة دي .. هي أساسًا منتهية من زمان يادادا .. هو مش هيقدر ينسى فريدة وأنا مش هقدر اكمل معاه وهو لسا بيحبها .. مش هقدر اتحمل احساس إنه ممكن يكون بيعوض نقص فريدة من خلالي أنا .. يعني بيحاول ينساها بيا 
انتصار بعدم حيلة وحيرة سألتها برزانة : 
_ طيب فهميني إيه اللي جرا لده كله بس .. ما إنتوا كنتوا زي السمنة على العسل !
جلنار بصوت موجوع :
_ محصلش حاجة بس أنا بقيت متأكدة إنه لسا بيحبها خصوصًا بعد ما شوفت صورتها في محفظته وأنه شايلها معاه لحد دلوقتي .. أنا غلطت ومكنش ينفع اسامح واتنازل من البداية !
_ جلنار بلاش تخلي الشيطان يلعب في عقلك يابنتي .. جوزك بيحبك ولا يمكن يرجع لفريدة تاني أبدًا 
رفعت أناملها وجففت دموعها تقول بثبات مزيف : 
_ عارفة إنه مش هيرجعلها .. بس أنا كمان مش هقبل أكمل وأنا عارفة إنه لسا بيحبها 
انتصار بلهجة قوية : 
_ ومين قالك إنه بيحبها !! .. بعد كل اللي عمله عشانك ده وعشان يرجعك ليه ويخليكي تسامحيه ميقولش غير إنه بيحبك إنتي وبس ياهبلة 
هتفت باستياء باكية : 
_ بس أنا مش عارفة ابني الثقة بينا من جديد .. انا اتظلمت كتير يا دادا وخايفة أنا اللي اظلم نفسي المرة دي مش هو اللي يظلمني .. خايفة اظلم كرامتي من تاني ويكون فعلًا مش بيحبني بجد ولسا فريدة في قلبه 
رفعت انتصار كفها لشعرها ومررت أناملها فوقه بلطف متمتمة : 
_ خوفك ملوش داعي يا جلنار .. إنتي بتحبي جوزك وهو بيحبك بلاش تسمحي للماضي وشيطانك إنه يفرق بينكم وينهي علاقتكم 
أجفلت نظرها أيضًا وقالت ببحة مريرة وألم : 
_ هي مبدأتش عشان تنتهي أساسًا يادادا 
                                     ***
وصل هشام أمام المتجر الخاص بزينة وتوقف بسيارته ثم نزل وقاد خطواته الهادئة تجاه الباب .. أخرج نسخة المفاتيح التي معه ووضعها بقفل الباب ليفتحه ويدخل .
كانت الاضواء مغلقة ولا يوجد سوى ضوء الغرفة الداخلية الخاصة بالتصميم هي المضيئة .. ضيق عيناه باستغراب وصاح مناديًا عليها : 
_ زينة ! .. زينة !!! 
أتاه صوتها من الداخل وهي تصرخ عليه : 
_ متجيش ياهشام خليك عندك لحظة 
غضن حاجبيه ورد بصوت رجولي قوي : 
_ مجيش ليه !! .. في إيه ؟! 
ثوانٍ معدودة وخرجت من الغرفة وقد أغلقت الضوء خلفها لتقترب منه وهي تبتسم باتساع وتقول بحماس : 
_ اتأخرت ليه ؟! 
هشام بريبة من تصرفاتها : 
_ الطريق كان زحمة ومقفول .. هو في حاجة يازينة ؟! 
هزت رأسها بالنفي وابتسامتها تملأ ثغرها ليعود ويكمل بنفس النظرة : 
_ معقول يعني مفيش حاجة !! .. ده إنتي جايباني على ملا وشي حتى 
مدت يدها بعفوية وقبضت على كفه تشبك أصابعها بأصابعه وتجذبه معها إلى الداخل هاتفة : 
_ تعالى هوريك حاجة 
سار خلفها كالمغيب وهو يبتسم لكنها أوقفته عند الباب والتفتت بجسدها إليه تتطلع في عيناه بحماس طفولي هاتفة : 
_ غمض عينك ! 
رفع حاجبه بتعجب دون أن يمتثل لطلبها لتعيد وتقول بغيظ جميل : 
_ غمض عينك يا هشام الله .. يلا بقى 
ضحك واغلق عيناه بصمت تام دون أن يتفوه ببنت شفة ليتسع ثغرها من جديد وتعود وتجذبه من يده لتسيره معها للداخل وسط تحذيرها الحازم : 
_ اوعى تفتح عينك 
أردف هشام وهو يبتسم دون أن يفتح عيناه : 
_ حاضر بس فهميني في إيه حتى ! 
_ هتشوف دلوقتي  
تركت يده عند تلك اللحظة وسمع صوت خطواتها وهي تبتعد عنه خطوات بسيطة لكي تضيء الضوء ثم عادت له مجددًا وقالت بنبرة حماسية  : 
_ فتح خلاص 
فتح عيناه دفعة واحدة لتسقط نظراته على تصماميم الملابس الجاهزة والمعلقة فوق دمية عرض الملابس .. كان هناك أكثر من خمس فساتين مصممة بدقة شديدة ورائعة .. لكل منهم لون مختلف وشكل مميز .. جميعهم يعكسون شخصيتها وجمالها هي ! .
وقبل أن يطرح سؤاله المتوقع أجابت هي برقة تذيب العقل : 
_ الأيام اللي كنت مش عارفة اتواصل معاك فيها كنت تقريبًا بقضي اغلب اليوم هنا شغالة على التصاميم دي لغاية ما جهزتها تمامًا الصبح عشان تبقى بالشكل ده في النهاية .. تعبت فيهم جدًا وكنت حريصة إنك تكون إنت أول حد يشوفهم وتقولي رأيك حتى ماما مشافتهمش لسا 
تطلعها هشام بنظرة عاشقة ودافئة اربكتها قليلًا لكنها جاهدت في التصرف بثبات وعدم إظهار خجلها .. حتى هدم ذلك الجدار المزيف باقترابه وهو يتمتم بنظرة ذات معنى :
_ عايزة تعرفي رأي يازينة ؟ 
وجدت نفسها توميء له بالإيجاب لا إراديًا وهي تحدق بعيناه في عدم وعي .. حتى شعرت بكفه الضخم يحتضن يدها الناعمة ويهمس : 
_ أنا فخور بيكي وواثق إنك هتوصلي للي نفسك فيه وأكتر كمان .. مبسوط إنك مسمحتيش لأي حاجة توقف حلمك أو تعيق طريقك .. عايزك تفضلي كدا دايمًا وتستمري في إنك كل مرة تدهشيني يا حبيبتي 
صابها بالذهول بعد كلمته الأخيرة والجديدة على مسامعها لكنها لم تمنع تأثرها بكلماته الأولى والتي تسببت في اغراق عيناها بالدموع .. لتكسر حاجز توترها منه وتقترب تعانقه بقوة هاتفة في صوت صادق يشوبه البكاء : 
_ هشام بجد أنا محظوظة جدًا إنك موجود معايا وجمبي .. ربنا يخليك ليا 
تلك الكلمات البسيطة جعلته يحلق في السماء من فرط سعادته .. وتراقص قلبه على الحان عشقه المُتيم بها .. ليتحدث بنبرة أثارت قشعريرة في جسدها : 
_ صدقيني أنا اللي محظوظ بيكي 
ابتعدت عنه بعد لحظات من السكون بينهم لترمقه مطولًا باسمة حتى سمعته يهمس بنفاذ صبر وعيناه لامعة : 
_ مش كفاية بقى ولا إيه يازينة ؟!! 
اضطربت وردت بصوت خافت :
_ كفاية إيه ؟!! 
تقدم خطوة أخرى منها وثبت عيناه على خاصتها يهتف في عين لامعة بوميض صادق بمشاعر العشق واللهفة : 
_ تتجوزيني يا زينة ؟ 
فغرت عيناها وشفتيها بصدمة وشعرت بأن لسانها انعقد وعقلها توقف عن التفكير وجسدها تجمد مكانه بالأرض .. فبقت تتطلعه بذهول دون أي حركة أو رد .. لتجده يكمل باسمًا :
_ أنا عارف إن مرات خالي قالتلك إني طلبت إيدك منها .. بس حبيت اخليكي تسمعيها مني أنا كمان .. صحيح نفسي اسمع ردك في اللحظة دي لأني مبقيش عندي طاقة صبر تاني بس كمان مش هضغط عليكي عشان تفكري كويس وبعدها تبلغيني بقرارك 
دقيقة كاملة من الصمت مرت بينهم حتى خرج صوتها الخافت وهي تتحاشى النظر إليه خجلًا : 
_ ولو رفضت هتسيبني تاني وترجع المانيا ! 
ضحك بصمت ثم هدر بنبرة اذابت ثلوج قلبها : 
_ تؤتؤ هفضل وراكي لغاية ما توافقي 
هنا عيناها لا إردايًا ارتفعت وتطلعت به مدهوشة من رده وسط بسمتها الساحرة .. ليقطع اللحظة صوت رنين هاتفها وكان بالنسبة لها المنقذ حيث سرعان ما أخرجته بسرعة وأشارت له وهي تبتسم بخجل أنها ستغادر الغرفة لتجيب على صديقتها ! ......
                                    ***
بتمام الساعة العاشرة مساءًا .........
سمعت أسمهان صوتًا منبعثًا من غرفة ابنها بالجوار .. انقبض قلبها رعبًا وهرولت خارجة من غرفتها شبه راكضة لتذهب له وتدخل غرفته .. وكما توقعت تمامًا كان يخرج ملابسه من الخزانة ويضعها في حقيبة سفر ضخمة ! .
وقفت للحظة مذهولة وباللحظة التالية كانت تندفع نحوه تهتف متوسلة إياه : 
_ آدم رايح فين ؟ .. متمشيش أنت كمان وتسيبني يابني ابوس إيدك 
لم يبالي بتوسلها وأكمل اخراج ملابسه ووضعها في الحقيبة حتى وجدها تنتشل الملابس من يده تمنعه من متابعة ما يفعله صائحة ببكاء : 
_ مش هخليك تسيبني يا آدم .. أنا مقدرش اعيش من غيرك إنت وأخوك 
صاح بها بصوت جهوري وعيناه حمراء من فرط الغضب : 
_ قولتلك هيجي يوم وتخسرينا احنا الاتنين يا ماما .. يارب تكوني مبسوطة بأفعالك .. ومش عدنان بس اللي مبقيش موجود ده حتى أنا كمان مش موجود 
تشبثت بقميصه تترجاه باكية بحرقة : 
_ أنا غلطت ومعترفة بغلطي وندمانة عليه والله .. بلاش تعاقبني إنت وعدنان العقاب القاسي ده ابوس إيدك يابني 
ابتسم بسخرية وقال في جفاء مماثل لشقيقه : 
_ وقت العقاب عدا من زمان أوي .. ده مش عقاب يا أسمهان هانم ده ثمرة أفعالك اللي جه وقت إنك تحصديها وحدك 
انهي عباراته واغلق غطاء حقيبته ثم انزلها من فوق الفراش ليحملها ويسير بها للخارج وهي تركض خلفه هادرة ببكاء : 
_ آدم عشان خاطري يابني متسبنيش .. طيب هتروح فين يا حبيبي .. آدم استني 
لحقت به وجذبته من ذراعه توقفه هاتفة بيد ترتجف وحالة يرثى لها : 
_ طيب خليك جمبي واوعدك إني مش هكلمك خالص .. بس خليك جمبي ومعايا متسبينيش وحدي يا آدم .. ومن هنا ورايح مش هعمل أي حاجة تضايقك إنت وأخوك واللي هتطلبوه مني هنفذه فورًا 
شعر بغصة مريرة في حلقه وأن عيناه على وشك ذرف الدموع لكنه دعس على قلبه وعطفه ليبعد يدها عنه ببطء ويسرع للدرج كأنه يهرب من كل شيء وليس منها فقط .. وصل لباب المنزل وغادر وهو يسمع صوت نحيبها وصراخها عليه وهي تبكي وتصرخ بصوت ملأ أركان القصر بأكمله !!! ......
                                   ***
ساعات طويلة قضتها بغرفتها وهي بانتظاره .. تعلق عيناها على ساعة الحائط تتابع تقدم عقرب الساعة والدقائق .. حتى تخطت الساعة الثالثة فجرًا وهو لم يعد حتى الآن  .. رغم محاولاتها الكثيرة للاتصال به ولكنه لا يجيب ! ....
غلت الدماء في عروقها والوساوس الشيطانية تنهش عقلها نهش أنه قد يكون بالفعل معها لكنها تعود في محاولة للإجابة بمنطقية على تلك الوساوس السخيفة أنه من المستحيل أن يحدث شيء كهذا ..
 يبدو أن تتوهم من دون داعي بالفعل كما أخبرتها الخالة انتصار !! .
لكن أكثر ما يثير جنونها هو تجاهله لاتصالتها وتأخره عن المنزل لهذا الوقت .. لتستمر في طرح الأسئلة الطبيعية على ذهنها ( أين هو ؟! ) .......
طغى عليها النوم فلم تتمكن من الصمود أكثر حيث نهضت من مقعدها واقتربت من الفراش لتفرد جسدها فوقه وتسحب الغطاء عليها .. أغلقت عيناها وكانت على وشك الخلود للنوم لكن صك سمعها صوت الباب وهو ينفتح .. سكنت مكانها دون حركة أو صوت .. وهي تتابع بأذنها أثر خطواته في الغرفة حتى شعرت به يتسطح بجانبها على الفراش دون أن يقترب منها نهائي وأنفاسه الساخنة والقوية تستطيع سماعها .. تصرفت كأنها نائمة ولم تلتفت وتسأله حتى مر ما يقارب النصف ساعة وهو لم يتحرك انشًا واحدًا منذ أن وضع جسده فوق الفراش .. فضيقت عيناها باستغراب والتفتت أخيرًا برأسها له لتجده نائم بسكون وانفاسه القوية أصبحت منتظمة وهادئة ! .
لا تتمكن من إيقاف ذلك الصوت المُلح الذي لا يتوقف عن محاولة إثبات حقيقة شكوكها في داخل كل فعل يفعله .. ذلك الماضي الكئيب لا يفارقها ويعكر عليهم صفو حياتهم ! ...
تنهدت الصعداء بخنق وعادت لنومتها الطبيعية متأففة من كثرة التفكير .
فتحت عيناها بصباح اليوم التالي بعدما تسلل لعيناها ضوء النهار من النافذة .. فاعتدلت في نومتها وهبت جالسة وهي تفرك عيناها لتزيح أثر النوم عنهم .. لتجد باب الحمام ينفتح ويخرج هو منه بعدما أخذ حمامه الصباحي .. تابعته بنظراتها في صمت حتى رأته يقترب منها وينحنى عليها لاثمًا شعرها بحنو ويتمتم : 
_ صباح الخير يارمانة 
اكتفت بابتسامة خافتة كنبرتها تمامًا وهي تجيبه : 
_ صباح النور 
ثم استقامت واقفة واتجهت للحمام وبعد دقائق قصيرة خرجت فتقدمت منه وسألته بنبرة عادية : 
_ خارج دلوقتي ؟ 
أجابها بالنفي :
_ لا لسا شوية 
_ طيب أنا هروح أحضر الفطار واصحي هنا عشان متتأخرش على الحضانة 
هز رأسه بالموافقة وأثناء مرورها من جانبه مال عليه وطبع قبلة سريعة ودافئة فوق رأسها .. فابتسمت له برقة واكملت طريقها لخارج الغرفة ........
                                   ***
انتظرت فوزية رحيل مهرة وفور مغادرتها مدت يدها تلتقط هاتفها الخلوي الموضوع فوق المنضدة المجاورة لها .. وراحت تبحث في قائمة الأسماء على رقم واسم بعينه حتى عثرت عليه بالأخير ....
أخذت نفسًا عميقًا قبل أن تضغط على زر اتصال وترفع الهاتف لأذنها منتظرة الرد .. وبعد عدة رنات أتاها صوته وهو يجيب بغلظة : 
_ الو 
فوزية بثبات قوي : 
_ رقم آدم الشافعي مش كدا ؟ 
ضيق آدم عيناه واردف بإيجاب : 
_ أيوة أنا .. مين معايا ؟! 
تمهيدا طويلة أخذتها قبل أن تجيبه بحزم : 
_ أنا فوزية جدة مهرة 
                                   ***
بمنزل عدنان الشافعي ......
كانت جلنار تجلس على الأريكة بعدما سمعت مكالمته الهاتفية المريبة .. لم تفهم منها شيء لكن حدثها أخبرها بأن هناك شيء يجب عليها معرفته ولن تهدأ إلا عندما تكتشفه بنفسه .
انتظرته حتى انتهى من ارتداء ملابسه وفور مغادرته من باب المنزل استقامت واقفة واسرعت لترتدي حذائها وتغادر خلفه وما سهل عليها الأمر أن ابنتها قد رحلت على دوامها اليومي منذ أكثر من نصف ساعة .
 استقلت بسيارتها فور انصراف سيارته عن المنزل ولحقت به تتبعه في ذكاء دون أن يلاحظها ...
وبعد دقائق طويلة من القيادة توقف أخيرًا بالسيارة أمام إحدى البنايات الضخمة ونزل من سيارته ثم قاد خطواته السريعة لداخل البناية .
رفعت نظرها من داخل السيارة تتفحص البناية بعيناها ولم تتردد للحظة حيث نزلت ولحقت به للداخل .. صعدت درجات السلم تتبع أثر خطواته دون أن يراها .. حتى توقفت خطواتها أمام إحدى الشقق السكينة بالبناية .
رفع يده وطرق عدة طرقات على الباب وبعد لحظات انفتح الباب لتظهر من خلفه فريدة ! ... اتسعت عيني الأخرى التي تشاهد ما يحدث من بعيد دون أن يراها أحد وصابتها الدهشة الممتزجة بالغضب والنقم عندما رأته يدخل معها ذلك المنزل بكل هدوء ويغلق الباب ليختفوا عن انظارها بشكل كلي !!! .....
يتبع.....
لقراءة الفصل التاسع والخمسون : اضغط هنا
لقراءة باقي فصول الرواية : اضغط هنا
نرشح لك أيضاً رواية اختار القدر ان يجمعنا للكاتبة فاطمة علي مختار
google-playkhamsatmostaqltradent