Uncategorized

رواية أشلاء الفصل الرابع والثلاثون 34 بقلم علي اليوسفي

 رواية أشلاء الفصل الرابع والثلاثون 34 بقلم علي اليوسفي

رواية أشلاء الفصل الرابع والثلاثون 34 بقلم علي اليوسفي

رواية أشلاء الفصل الرابع والثلاثون 34 بقلم علي اليوسفي

هذا الهدوء مخيف، تماما كالهدوء الذي يسبق العاصفة، مرّ أسبوعان كاملان ولا حركة أو رسالة منه، يكاد يُجنْ وهو يفكر أين من الممكن قد  اختبأ؟؟ 
بحث  كثيراً، عمّم اسمه ومواصفاته على كافة الحدود والمنافذ، زاد الحواجز وكثّف الحراسة على أميرة في القصر وفي الشركة ولكن…….لا شئ.
حسب معرفته بيوسف فهو يتوقع منه شيئاً غير اعتيادي، لكن السؤال ماهو ؟؟؟
كان جالساً في مكتبه كعادته مؤخراً، يستند بظهره للخلف وهو يحرك كرسيه بحركات رتيبة، ممسكٌ بقلم يضغطه ليغلقه ثم يفتحه في إيقاعٍ مُضطرد، شاردٌ في نقطة في الفراغ وقد بدأ صبره ينفذ، أين اختفى ذلك اللعين؟؟؟
منذ آخر يوم لهما لم يقابلها إلا صدفة سريعة، رغم شعوره بالحنين إليها والاشتياق يمزق أحشائه يريد أن يعترف لها بحبه ومشاعره الخالية من التزييف  ، لكن شغله الشاغل الآن هو إيجاد يوسف، يعرف أنه لن يستطيع أن يربطها به مادام هذا اللعين حرّاً.
تصله أخبارها أولاً بأول وكم كان سعيداً لاالتزامها بتعليماته، فقد قضت طوول الفترة الماضية بين الشركة والمنزل،ابتسم بسعادة عندما تذكر منظرها وهي ببذلتها الرسمية والتي بدأت بارتدائها مؤخراً، خاصةً أنها محتشمة. 
أخرجه من شروده صوت طرق الباب ليدلف سمير هاتفاً بسعادة واضحة: بارك لي صديقي، لقد وافقت ملك أخيرا. 
ابتسم بخفه وهو يقف قبالته ليعانقه مُربتاً على ظهره: مُبارك  لك صديقي، أتمنى أن تتحقق أمانيك كلها.
تنهد الآخر بقوة هامساً بترجي: آمين. 
ثم تطلع إلى صديقه ليخبره: اسمع، سأبلغ أقارب والدي لنذهب إلى قرية ملك يوم الغد  ونطلبها من والدها بشكلٍ رسمي، وأيضاً سنقيم احتفالاً صغيراً بمناسبة الخطبة، وبالطبع لن أستغني عنك في هذا اليوم. 
تنفس بعمق وهو يجلس على الكرسي ليجيبه: أنت تعلمُ أن شغلي الشاغل الآن هو إيجاد يوسف،  فلن أتمكن من الذهاب معك،اعذرني أرجوك. 
قطب جبينه بانزعاج جلي متحدثاً بجدية: بالطبع لا براء، لن أقيم حفلة خطبتي دون وجودك. 
خطرت في ذهنه فكرة ليردف بمكر: ومن ثم أميرة ستأتي معنا لأجل ملك. 
انتبهت حواسه كلها مع ذكر اسمها ،فعقد حاجبيه ليستمع إلى باقي كلام سمير: فأنت تعلم أنهما صديقتان، ومن المؤكد أن أميرة لن تترك صديقتها في هذا اليوم المميز. 
شرد لثواني في حديثه، ربما هذه فرصة جيدة ليراها ويحميها في الوقت ذاته، فهو ليس باستطاعته أن يمنعها من الذهاب إلى خطبة ملك وإلا ستعتبر الأمر تحكماً بها، ولن يتركها ترحل دونه، تطلع إلى سمير هاتفا بابتسامة طفيفة: بالطبع سأحضر. 
اتسعت ابتسامته وهو يضرب كفيه ببعض صارخا بالإنكليزية: نعم ،هذا صديقي. 
أشار له بالإيجاب مُردفاً: أخبرني بالعنوان وسأوافيك مع أميرة  إلى هناك.
جلس على كرسي آخر بجواره مُتحدثاً بحماس: لاداعي لأرسله لك فنحن  سنجتمع كلنا قرب القسم لننطلق سوياً، لن نكون كُثر، فقط سيارة واحدة لأقاربي وسيارتي سأقل بها ملك وسمر شقيقتها،  وكذلك سيارة عادل وسيجلب معه سلاف،وتبقى سيارتك أنت ولاتنسى أن تجلب معك والديك. 
هز رأسه متفهما ثم أضاف: بالتأكيد، لكن لا أعتقد أن والداي سيحضران، فأنت تعرف والدي لايحبذ السفر بالسيارة  لمسافات الطويلة ،ووالدتي لن تتركه وحده.
عقد حاجبيه لثانية قبل أن يضيف بضيق قليل: ولو أنني أتمنى أن يحضرا، لكن لا بأس. 
انفرجت اساريره قليلاً ليضيف وهو يربت على كتف براء: انت تكفي وتسدّ عن الجميع. 
استقام واقفاً في اللحظة التالية متابعاً: سأذهب الآن لأوضب نفسي .
التفت نحو صديقه مجددا وقد وصل إلى الباب: ولاتنسى سنجتمع قرب القسم في الساعة التاسعة. 
غادر سمير اخيراً ليترك براء وهو يفكر في زيارة الغد، لمَ يشعر بأنها ستكون رحلة استثنائية لكليهما؟؟،  ابتسم بسعادة وهو يرى وجهها وقد ارتسم أمامه، رفع كفه ليلمس وجنتها الوهمية هامساً : أعدك بأنني سأحميك طالما فيَّ عرقٌ نابض، حبيبتي. 
ابتسم الخيال له فاتسعت ابتسامته مُضيفاً وكأنه يحدثها:  لن تغيبي عن عينيّ للحظة  ، وما إن ألقي القبض على يوسف سأتقدم لخطبتك أنا أيضاً ، لنعيش الحياة سوياً ولن يفرقنا حتى الموت، أميرتي. 
…………………………………………………………………
لم تراه منذ الليلة الأخيرة إلا لمحة سريعة، تشعر بفراغٍ قاتل في غيابه وتريد أن تراه بشدة ولا تعلم السبب، حاولت أن تتصل به عدة مرات لكنها تتراجع في اللحظة الأخيرة، لاتريد أن تفرض نفسها عليه، لربما انزعج من سؤالها عن والده، ولكن لايحق له فسؤالها عادي جدا!!!
زفرت باختناق وهي تغمض عينيها بقوة بعد أن استشعرت حركة ملك بجانبها والتي كانت تعمل بهمةٍ كبيرة خاصة بعد لقائها بسمير اليوم، تشعر بأن قلبها يقرع كالطبول كلما رأته، فهي بالفعل أحبته. 
انتبهت ملك إلى رفيقتها لتشعر بتعاستها وهي تعرف السبب الحقيقي وراء هذا، رغم أن اميرة لم تخبرها عن حقيقة مشاعرها تجاه براء، ربما لأنها هي نفسها لاتعرف ،لكن ماتراه من يأسها وانزعاجها الدائم بسبب غيابه ماله إلا تفسير واحد، هي تحبه ولا تعلم!!!
بينما هي تراقب أميرة بتمعن رن هاتفها مُعلناً عن ورود رساله، فتحتها لتجدها من سمير يخبرها فيها عن ترتيبات الغد،ومن بينها أن براء سيأخذ أميرة بسيارته،ابتسمت بمكر وهي تنادي عليها  تسألها: إذاً أميرة، لم تخبربني، كيف ستذهبين إلى قريتي؟؟؟
تنهدت بتعب وهي تعتدل في جلستها قائلةً بنبرة ضعيفة: لاأعلم بعد، لكن أعتقد سأذهب بسيارتي. 
زمت فمها بتفكير ثم اردفت : وهل سيقبل المحقق براء بذهابك؟؟
تنبهت حواسها لدى ذكر اسمه فعقدت حاجبيها بعدم فهم لتسألها: ماقصدك؟؟؟
رفعت كتفيها بقلة حيلة لتضيف بنبرة ماكرة: لاأعلم ،ولكن أعتقد أنه لن يسمح لك بالذهاب دون أن تُغلق قضية والدك ويقبضوا على يوسف. 
تنهدت بزيف وهي تحمل بعض الأوراق لتخرج تاركةً أميرة شاردة في حديثها، انتبهت لتوها إلى قصة قاتل والدها ويوسف، وأيضاً عليا!!
ياآلهي لقد نسيت أمرهم تماماً لانشغالها الدائم في الشركة، زفرت بضيق وهي تفرك وجهها بيديها، عبثت بشعرها قليلاً ثم اعتزمت الذهاب إلى القصر ، فالدوام  انتهى بطبيعة الحال منذ فترة ولم يبقَ سواها مع ملك،حملت حقيبتها لتهبط الدرجات، ثم استقلت سيارتها متجهة نحو قصرها،بعد أن هاتفت ملك لتخبرها بمغادرتها. 
………………………………………………………………..
دلفت إلى صالة قصرها الكبيرة، لتفاجأ بوجود علبةٍ كرتونية كبيرة،مُغلقة بورق هدايا من اللون الأحمر،  قطبت جبينها وهي تقترب منها لتتفحصها، حملتها فلم تكن ثقيلةً ،نادت لآمال التي حضرت فوراً فسألتها أميرة وهي ماتزال تحمل العلبة: من الذي جلب هذه العلبة آمال؟؟؟
ابتسمت بتحفظ وهي تمشي ناحية طاولة في منتصف الصالة: أحدهم جلبها وقال أنكِ سبق واشتريتي هذا الفستان لتُهديه للآنسة ملك في حفلة خطبتها. 
عقدت حاجبيها باستغراب  فهي لم تشترِ شيئاً ولم تخطط بعد لهدية ملك،فمن صاحب هذه الهدية ياترى؟؟ 
انحنت آمال صوب الطاولة لترفع مظروفاً ورقياً مُغلقاً أمامها وتتجه نحو أميرة مُضيفةً: ولكن قبل هذا المحقق براء….
التفتت إليها بكامل جسدها حالما آتى ذكره، وابتسامة سعيدة شقت ثغرها دون أن تدري لتتابع آمال: لقد تركَ لكِ هذا الظرف. 
رمت العلبة من يدها بإهمال والتقفت المظروف بلهفة، ثم سارت نحو الأريكة لتفتحه بسرعة، وجدت ورقة كرتونية مربعة الشكل، مكتوبٌ عليها بخطٍّ أنيق مميز وحبرٍ ذهبي اللون(( أراكِ في أعين الجميع وأنتِ الجميع في قلبي،  فهل من مسمىً لهذا؟؟)))
حروف رسالته دغدغت مشاعرها بأحاسيس خلابة لم تشهد مثيلاً لها قبلاً، ظلت تتأمل تلك الكلمات،- والتي على مايبدو أنه خطّها بيده- بنظرات مُحبة لا يُخطأها من أمامها، شردت للحظات في مغزى حديثه عندما اقتحمت نبرته المميزة أذنها، اتسعت ابتسامتها وهي تقف بتمهل لتقابله، رفعت أنظارها إليه لترى غمازتيه الساحرتين، اقترب منها حتى أصبح أمامها مباشرةًوهو يرمقها بوله. 
بقيا شاردين في ملامح بعضيهما لمدةٍ لايعلمانها، لتهمس أخيرا وماتزال مُحتفظةً بابتسامتها: شرّفت منزلي براء. 
لم يجبها بل ظلّ يناظرها بسوداوتيه اللتان تنضحان عشقاً،حتى انتبه لنفسه فحمحم ليبتعد عنها متوجهاً نحو الأريكة ليجلس عليها بكل مهابة،فيما هي تتابعه بعينيها، رفع رأسه ليقابلها قائلاً : هلّا جلستِ أميرة.
تقدمت نحوه حتى جلست بجانبه دون أن تلتصق به فأضاف: كيف حالك؟؟؟
رمقته بنظرة ذات مغزى لتجيبه بلوم: وهل يهمك فعلاً السؤال عن حالي، صديقي؟؟؟
امتعضت تقاسيمه عندما تلفظت بكلمتها الأخيرة ،لكنه عاد وابتسم مجدداً ليخبرها: غداً سأعرج عليكِ باكراً لنذهب إلى خطبةِ سمير وملك. 
رفعت حاجبيها بدهشة بائنة لتردف: هل ستسمح لي بالذهاب؟؟
بدى مُتفاجأً من ظنها به فأضاف: وهل تعتقدين أنكِ مسجونةٌ أميرة؟؟
ابتسمت وهي تستند بذقنها على يدها مجيبةً بمزاح: ربما، نظراً لكثرة الحرس الذين نشرتهم حولي؟؟
بادلها ابتسامتها قائلاً: لا لستِ مسجونةً أبداً، والحراس في الخارج لحمايتكِ فقط. 
أردفت بأول كلماتٍ خطرت على ذهنها لتنطق بعفوية: تكفيني حمايتكَ لي.
كم كانت كلماتها صادقةً نابعةً من صميم قلبها، ولو تعلم كم أسعدته، شرد في ملامحها لحظة قبل أن يستقيم واقفاً هامساً لها: جهزي نفسك، سأحضر في الساعة الثامنة والنصف لأخذك. 
الغريب أنها لم تنزعج هذه المرة من عدم ردّه عليها، ربما لأنها اعتادت الأمر، وقفت قبالته وهي تكتف يديها أمام صدرها وتومئ له بالإيجاب، تحرك من أمامها مُشيراً لها بالوداع تاركاً إياها شاردةً به، كم سُعدت لحضوره بنفسه لإخبارها، أخفضت نظرها نحو تلك الورقة التي أرسلها  قبلاً لتتسع ابتسامتها.
تنهدت بقوة ثم صعدت إلى غرفتها لتنتقي ثياباً ملائمة لتحضر مناسبة الغد ،وقد نست أمر تلك العلبة تماماً.
……………………………..
خرج من القصر واتجه إلى رجاله الذين يحرسونه ليسألهم عمّا إن كان أحدهم حاول الدخول، فأخبروه بأمر فتى التوصيل الذي جلب هديةً زعمَ  ان أميرة قد ابتاعتها لتهديها لملك في حفلة خطبتها.
لم يفكر براء في الأمر كثيراً لظنه أنها فعلاً هي من اشترى الهدية، ركب سيارته ليرحل وقد انطلت عليه الحيلة هو الآخر. 
………………………………………………………………..
حلّ الصباح أخيرا وقد استفاقت مُبكراً لتجهز نفسها وهي تشعر بسعادةٍ حقيقية، ليس فقط بسبب خطبة رفيقتها ملك،بل لأنها ستقضي معظم اليوم برفقته.
نادت عليها آمال من الأسفل تنبأها بوصوله وأنه ينتظرها في الخارج، ابتسمت بسعادة وهي تتجه إلى المرآة لتتفحص هيئتها للمرة الأخيرة، وفستانها الحريري الأسود الذي يلامس ركبتيها، وأكمام تصل لمنتصف عضديها، وكان يزين الفستان فصوص لامعه عند فتحه الصدر المثلثة باحتشام محبب. 
ابتسمت برضى لهيئتها، حملت حقيبتها وهي تهبط الدرجات بسرعة فلا تريد أن تتأخر عليه، فتحت باب القصر لتجده يقف مُستنداً إلى سيارته بانتظارها، تأملت بذلته الرمادية والتي زداته وسامةً قاتلة ، فيما هو يبتسم باتساع على منظرها الملائكي، خاصة أنها تركت شعرها حراً لينساب على ظهرها بسلاسة، تأمل وجهها الخالي من أي مساحيق تجميل ولبست حذاءً ذو كعبٍ منخفض. 
تقدمت نحوه بتمهل حتى أضحت أمامه،  فتح باب سيارته لتهديه ابتسامة جذابة وهي تصعد بها، ثم ركب إلى جانبها وانطلقا إلى حيث تجمع اصدقاؤه،  انطلق الموكب بعد اكتماله ولم يكن طويلاً،فقط أربع سيارات ،وكان سمير في مُقدمتهم ليدلهم على الطريق. 
لم تخلو الرحلة من مُشاكسات الأصدقاء لبعضهم،خاصةً عندما يتجاوزون بعضهم بسياراتهم ،فأصبح الموكب أشبه بموكب سباق، ضحكت من قلبها وهي تسمع ضحكاته التي تتعالى كلّما سبق رفيقيه ،بينما كانت السيارة الرابعة تخص اقارب سمير والذين كانوا ثلاث رجالٍ فقط،لم يشتركوا بالسباق الجنوني للاصدقاء الثلاثة. 
كانت قرية ملك تبعد عن بيروت العاصمة مسافة ساعة واحدة،  وصل موكب السيارات إلى مدخل القرية ليجدوا حشداً كبيراً من الأهالي في انتظارهم، استقبلوهم بالمزامير والطبول والعراضة اللبنانية  فتلك عادةٌ عندهم عندما يضيفهم شخصٌ من خارج القرية،خاصةً وأنهم قد علموا من والد ملك بأن عريسها المُنتظر ضابط شرطة  فكان لِزاماً عليهم استقباله بأفضل صورة .
وصلوا إلى منزل عائلة ملك والذي كان يقبعُ في وسط كرمٍ من الزيتون، دلف الجميع إلى المنزل المتواضع ،انفصل الرجال في مضافةٍ خاصة  فيما اجتمعت النساء في الصالة القريبة من المضافة. 
سُعدت أميرة عندما رأت المعاملة الطيبة التي تلقتها من أهالي القرية بشكلٍ عام، شعرت بينهم بالألفة والطمأنينة كأنها تعرفهم منذ أمدٍ بعيد، قامت بعضُ الفتيات بتشغيل جهازٍ موسيقي وأخذنَ يتبارينَ في إظهارِ مواهبهنْ، وقد تولى البعض الآخر مهمة تجهيز ملك، فخرجت بعد قليل لتجلس على مرتبةٍ مُرتفعة عن مستوى البقية،لينضمّ إليها سمير بعد قليل ليلبسها خاتمه الألماسي، وألبسته هي بدورها محبسه فقبلها على رأسها لتتعالى أصوات الزغاريد من النساء المتواجدات. 
حضر براء وعادل أيضا ليحضرا مراسم الخطبة، لم يأبه براء بأية مراسم فقد كانت عيناه مُسلطتان عليها هي فقط  ، يبتسم لابتسامتها ويتبعها أينما ذهبت  .
، فيما كان عادل يهوى مضايقة سلاف فينحني صوب أذنها ليهمس لها بأنه رأى فتاةً جميلة فتنكزه في خاصرته ليتلوى من الألم. 
تأملت منظر الكرم حول المنزل،لتنسلّ بهدوء من بين الحضور متجهةً إلى الخارج، غافلةً عن براء الذي ماانفكّ يراقبها، تبعها دون أن تشعر حتى رآها وقفت بجانب شجرةِ زيتونٍ كبيرة ،قطب جبينه وهو يراها تتأمل الشجرة باهتمام كأنه قرأ أفكارها، ربما هي لاتتذكره لكنها من المؤكد تتذكر لعبتها المفضلة في تسلق شجر الزيتون عندما كانت صغيرة. 
كم كانت عنيدةً ، تظلّ تبكي وتخبره بأن يساعدها في تسلق الأشجار فيما هو يرفض خوفاً عليها، وفي النهاية يخضع لدموعها ويساعدها في التسلق ويبقى هو في الأسفل يراقبها بقلق،يخشى أن تنزلق قدمها فتقع. 
تنهد بقوة ثم اقترب منها، استشعرت اقترابه فتحدثت دون أن تلتفت نحوه : أتعلم؟؟، أحلم دائماً بفتاةٍ صغيرة لم يتعدى عمرها الثلاثة أعوام، وهي تتسلق شجرة زيتون مشابهةً لهذه.
ازدرد ريقه يسألها: وهل تعرفين تلك الصغيرة؟؟
لم تجبه لثوان كأنها تفكر ، حتى التفتت إليه فجأة وهي تهمس: لاأعلم،أعتقد أنها تشبهني كثيراً.
رمش بعينيه وهو يتأملها ،كم هو شعور مُهلك عندما لا تتذكرك من نسيتَ العالم لأجلها، لكن لمَ التعجب براء؟؟ فهي لم تتذكر نفسها ولا والدتها فكيف ستتذكرك أنت؟؟؟
أخذ نفسا عميقا زفره بقوة وهو يسألها: ما رأيك، هل نتمشى قليلاً؟؟
أبتسمت باتساع وهي تمشي إلى جانبه،مُحافظاً على مسافةٍ جيدة بينهما، ظلّا يمشيان دون حديث في معظم الأحيان، يكفيه فقط وجودها بجواره. 
كم كانت سعيدة بقربها منه وإن استشعرت ألماً في عينيه معظم الأحيان، ناهيك عن بروده معها وحرصه على عدم لمسها،لكن هذا كله لم ينقص من سعادتها بقربه. 
قرر العودة إلى الحفل عندما اقترب النهار من انتصافه وزادت درجة الحرارة، دخلت إلى الصالة لتجلس مكانها، فيما بقي هو في الخارج مع  عادل وبعض الشباب من القرية. 
اقتربت منها سيدة بدى عليها الكِبر لتجلس بجانبها وهي ترمقها بتفحصٍ جلي، أخذت السيدة تتحدث عن نفسها وابنها الوحيد وعمله كطبيب،  وعائلتها ومكانتها الرفيعة، وأميرة تستمع إليها بإمعان،حتى صدمتها السيدة بقولها: لقد سألت سمر عنكِ وأخبرتني أنك صديقة ملك وأنك لستِ مخطوبة، فهل تقبلين إذا تقدم ولدي لخطبتك؟؟؟
سيطرت عليها الدهشة ولم تعرف بمَ تُجيبها،  فهي لم توضع في موقفٍ مُشابه أبدا،  تلقائيا ودون وعيٍّ منها وجدت نفسها تبحث عنه حتى رأته، لاتعلم لما سوّلَ لها شيطانها بأن تعبث معه قليلاً ،فالتفتت إلى السيدة لتخبرها بكل براءة: إن كان طبيباً كما قلتِ فلا مانع لدي،  لكن أولا عليكِ أن تطلبيني من أبن عمي.
دُهشت السيدة من حديثها،فهي قد علمت من سمر بأن أميرة لا أقارب لها بعد وفاة والدها، فسألتها باستغراب: ومن يكون ابن عمك هذا؟؟
أشارت لها إليه وهي تهمس لها: ذاك هو، إنه ضابط شرطة أيضاً مثل سمير. 
طالعته السيدة لثوان ثم عزمت أمرها،استقامت من مكانها موجهةً حديثها إلى أميرة: وانا سأذهب لأكلمه الآن.
تحركت من فورها متجهةً نحوه، استغرب عندما طلبت هذه السيدة أن تتحدث معه على انفراد في موضوع خاص، مشى معها فلم يلمح تلك الابتسامة الماكرة على شفتيها، والتي اتسعت وهي ترى ملامحه التي تجهمت أثناء حديثه مع السيدة.
رمقها بنظرةٍ مطولة غامضة أخافتها  ،فجأةً تحولت ملامحه للابتسام وهو يتوجه بالحديث إلى  السيدة التي أشارت له بالإيجاب، ثم تحركت من أمامه تاركةً إياه يطالع أميرة بغموض. 
لاتنكر أن نظراته تلك أرعبتها، وقد زاد فضولها لمعرفة ماذا أخبر تلك السيدة خاصة انها قد رحللت..
يتبع..
لقراءة الفصل الخامس والثلاثون : اضغط هنا
لقراءة باقي حلقات الرواية : اضغط هنا
نرشح لك أيضاً رواية العشق الطاهر للكاتبة نسمة مالك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى