روايات

رواية غمرة عشقك الفصل السابع والعشرون 27 بقلم دهب عطية

رواية غمرة عشقك الفصل السابع والعشرون 27 بقلم دهب عطية

رواية غمرة عشقك الجزء السابع والعشرون

رواية غمرة عشقك البارت السابع والعشرون

رواية غمرة عشقك
رواية غمرة عشقك

رواية غمرة عشقك الحلقة السابعة والعشرون

لا فرار من الحب ياعزيزي ، ولا شفاء من داءه
وان قررت الرحيل…….. ارحل دون قلب
واخبرني هل تستطيع العيش دون قلب…
#دهب_عطية
________________
لا يعرف كيف وصل لمكان عملها ولا يدرك كم حادث
كان سيصاب به لولا تمسكه بالوصول إليها…..
خرج من السيارة بسرعة فوجد بالفعل الصالون يشتعل بنيران من جانب واحد والجانب الآخر
اماناً وهو المتواجد عند باب الخروج…..
لكنها لم تخرج ولم تحاول حتى الخروج…….
تقدم من الباب الزجاجي وركله بقدمه بقوة وهو ينادي عليها بصوتٍ جهوري……
“سمر…….. سمر…….”
لمحها من عند الباب الزجاجي تجلس في احد الزوايا على الأرض تضم ساقيها لصدرها وتنظر لنيران بتأهب واستسلام لمصيرها المحتوم !…..
خفق قلبه خفقة مؤلمة وتوهجت عيناه بهلع وغضب كذلك…….. ركض ابراهيم مجدداً للسيارة اخرج غطاء السيارة من الصندوق وكذلك مطفئة حريق كبيرة تستعمل في الطورئ………
ركل الباب الزجاجي وهشم اياه بمطفئة الحريق…
صرخت سمر ووضعت يداها على اذنيها برعب لتجده يتقدم منها ويلفها بالغطاء ثم يحملها للخارج……….
وضعها بمكان امان وبمطفئة الحريق اطفاء النيران
في الجزء المشتعل ولحسن الحظ انه اتى في وقتاً
قياسياً وقد لحقها ولحق المكان قبل ان تمسك فيه
النيران اكثر وتصنع منه رماد……..
القى المطفئة وخرج إليها حملها ووضعها بسيارة
جواره استلقى بجوارها ومسك وجهها وهو يسالها
بقلق……
“انتي كويسه ياسمر….. حصلك حاجه…..”
هزت راسها ونزلت دموعها امام عيناه القاتمة….
اغمض عيناه بعذاب وهو يضمها الى صدره….
تشبثت في قميصه وهي تبكي بحرقة وقالت
بحسرة…..
“السنتر ولع…………….ولع يابراهيم…….”
تحسس كتفها بيده بحنان وقبل راسها وهو يقول بعطف……..
“فداكي…….. فداكي ياحبيبتي…….. المهم انك
كويسه…….”
هبطت عباراتها اكثر وهي ترد عليه بقهر…..
“انا مش كويسه….. مش كويسه يابراهيم…..”
ضمها اكثر إليه وهو يمنعها من المتابعه……
“هششش…. اهدي انتي اعصابك تعبانه…..انا هطلع بيكي على البيت عشان ترتاحي…” ربت على كتفها حينما وجد جسدها يرتعش اسفل يده….
“اهدي ياسمر……الحمدلله انك كويسه……..دا عندي بدنيا……. وفي داهيه اي حاجة تانية………”
اغمضت عينيها بتعب في احضانه ورائحته الرجولية التي اشتاقت اليها تغزو انفها بقوة تخلق خلفها شعور من الامان والطمأنينة التي افتقدت اياهم منذ ان حل الفراق عليهم……
وصلا الحارة بسيارة ابراهيم……..
حينما وقفت السيارة نظر ابراهيم لها وقال
بهدوء…..
“وصلنا ياسمر…..”
كانت تسند راسها على ظهر المقعد خلفها وحينما سمعت صوته رفعت راسها ونظرت اليه ثم للنافذة بجوارها حيثُ البنيه التي تقطن بها……سالها
باهتمام قلق….
“هتقدري تطلعي لوحدك…….”
هزت راسها بنفي ثم قالت بنبرة مجهدة….
“لو معاك رقم احمد رن عليه…….”
حل حزام الأمان من عليها ثم قال وهو يفتح الباب جواره وترجل من السيارة….
“مش مستاهله…….اسندي عليا وانا هطلعك…..”
حينما فتح الباب لها نظرت إليه بعينين
حزينتين وقالت بوهن…..
“الناس يابراهيم……”
“ملكيش دعوة بيهم………تعالي…..”مد يده اليها باصرار……..وضعت يدها بيده وسندت عليه وهي
تدخل البنية……….
عند السلم وضعت يدها على كتفه وهو مسكها برفق من خصرها وصعدا للأعلى سوياً……كانت بعد كل درجتين من السُلم تقف بتعب وتسند راسها على كتفه
فيقع قلبه وهو يمسك خصرها اكثر ويجعلها تستند عليه أكثر من الازم……كانت متعبه بشكلاً ملحوظ عاشت اسواء كوابيس حياتها في غمضة عين وجدت النيران تحيط بها من كل مكان……
كان وجهها باهت متبلد شفتيها تقارب على اللون الارجواني عينيها ميتة النظرات تلمع بدموع… شعرها مشعث من هول الموقف التي عاشته وحدها ولولا وجوده كانت النيران اكلته وهي محتجزة
بداخل……
وقفت مجدداً ومسكت به بيدٍ ترتجف…. مالى
عليها لفرق الطول بينهما وسالها باهتمام…..
” لو مش قادره تطلعي اوي كده….. اشيلك….. ”
هزت راسها وهي تضغط على نفسها كي
تصعد الدرج…….
“لا مش هينفع…….. انا هقدر…….”
اوقفها عن السير وهو ينظر لوجهها بقلق….
“متقوحيش…….. انتي تعبانه جامد…. تعالي
نروح المستشفى طيب…….”
ردت بتلقائية وهي تبعد عيناها عنه….
“متخفش ياحبيبي…….. انا كويسه……”
خفقات لا منتهية بقربها وسيطرة غير طبيعيه على نفسه وهو معها….. عذاب في كل شيء وكانه يجلد
نفسه بسوط كل ثانية وهي معه……
اثناء صعودهما سالها ابراهيم بهدوء….
“ملمحتيش حد من اللي كان قاصد يولع في الصالون وانتي فيه…….”
هزت راسها بنفي وهي تقول بنبرة مرهقة….
“لا….. مشفتش حد…. ولحد دلوقتي مش عارفه مين
اللي بيكرهني اوي كده لدرجة ان عايز يولع فيه…”
رفعت عيناها عليه وهي تسأله…..
“تفتكر سرقة……”
هز راسه وهو ينظر امامه بقنوط….
“لو سرقه هيولعوا ليه…. ولو سرقه مسرقوش ليه…. الموضوع ورا حد حطك في دماغه…. احنا هنطلع على النيابة بكرا نعمل محضر ويجوا يشوف المكان ويكشفه على كامرات المرقبة… وهما هيجيبوا اللي عملها……”
سالته سمر بتيه…..
“وتفتكر مين اللي عملها……”
زم شفتيه وهو يقول بقسوة……
“يعني لو اعرف هتكل على الحكومه ولا هفضل وقف معاكي……… سبيها على ربنا بكرة هننزل انا وانتي
النيابة ونبلغهم باللي حصل وهما هيجيبوا اللي عملها……”
وقفت امام باب شقتها وهي تساله بيأس…..
“تفتكر هيجبوا اللي عملها……”
“هيجبوا ياسمر….. دا شغلهم…….” اطرق على الباب
وهي جواره…. فتحت زينب الباب ونظرت لهما خصوصاً لمظهر ابنتها الغير مرتب وجهها الشاحب وعينيها الباكيه…… قالت زينب بهلع……
” بسم الله الرحمن الرحيم…. اي اللي حصلك
ياسمر… ”
القت سمر نفسها في احضان امها وانتحبت بقوة……… ربتت زينب على ظهرها وهي تنظر
لابراهيم وتسأله بشك…..
“اي اللي حصل يابراهيم اتكلم……”
رد ابراهيم بنبرة خشنة….
“خير يام أحمد…….سمر تحكيلك على روقان… اطمني……” أشار لهم بسلام بيده وهو يقول لسمر…
“بكره الصبح هعدي عليكي ياسمر….عشان هنطلع
على النيابة سوا……..”هبط ابراهيم على السلالم وتركهم…..
صاحت زينب بفزع وهي تبعد ابنتها عن احضانها وتسالها بشك…..
“نيابة يالهووي………اي اللي حصل يابت…..انطقي…..”
ردت سمر وهي تجلس على اقرب مقعد….
“السنتر ولع……..ولع وانا كنت فيه……..”
ضربت زينب على صدرها باعين متسعة بعدم تصديق وهي تقول…..
“ينهار اسود….ولع إزاي………وانتي حصلك حاجة…”
فتشت زينب بها بلهفة بيداها وعينيها…اوقفتها
سمر وهي تقول بتعب…..
“انا كويسه ياما…..ابراهيم لحقني……..”
نزلت دموع زينب وهي تتحسر على حظها
وحظ اولادها……
“مين اللي عمل كده…. ويولعه ليه في اكل عيشك…اي السواد ده……..اعوذ بالله…..دا عين
وصبتنا احنا مش مكتوبلنا الفرح أبداً……مش
مكتوبلنا… ”
نظرت سمر امامها بقهر والحزن ساكن بعينيها السوداء……..
……………………………………………………………..
دخل ابراهيم الشقة واغلق الباب خلفه فوجد والدته تنتظره عند احد المقاعد تجلس….القى ابراهيم عليها السلام وهو يتجه اليها ويقبل يدها…..
“سلام عليكم ياحاجه…اي اللي مسهرك لحد دلوقتي……”
سحبت نوال يدها بغضب وهي تساله….
“كنت فين يابراهيم……”
استغرب انفعالها معه فجلس جوارها وسالها
ببعضاً من المرح….
“في شغل يامي…مالك شكلك مضايقه….الحاج مزعلك ولا إيه…….انا ممكن اعمل قعدت عرب ونخليه يدفع……المهم البركة بتاعتنا تفك تكشيرة وترضا
عنه……..”
قالت نوال وهي تسند يداها على الطاولة….
وتنظر له بحزن…..
“انا طول عمري راضيه عن ابوك…وكنت راضيه عليك لكن دلوقتي……مبقتش عارفه ارضى ولا اغضب…”
سألها باستفهام….
“لي ياحاجه انا عملت ايه…..”
احتد صوتها وهي تحدثه بانفعال….
“اسمع….انا صبره عليك كل ده عشان عارفه ان اللي شفته في السجن واللي عشته بعد خروجك منه كان صعب ومحدش يستحمله….لكن دلوقتي انت بقيت احسن من الأول بتشتغل وتكسب والحمدلله بقيت احسن من الاول بكتير…….”
سالها بهدوء…..
“عايزه تقولي اي يامي…….”
قالت نوال بسرعة…..
“تجوز……….. وعروستك عندي…..”
“حبيبه !….”لوى شفتيه باستهجان….
قالت نوال بجدية……
“مش حبيبة……..هبه….. الممرضه هبة…….بنت حسان………..جارنا راجل طيب ومتدين وبناته آدب واخلاق وجمال وتعليم…….وهبه زي القمر انا شوفتها وعرفاها وانت كمان عارفها………”
قال ابراهيم بحنق مكبوت….
“بس انا مش عايز اتجوز……”
قالت نوال بغل……
“يعني إيه……. داخل على السته وتلاتين سنه ومش عايز تجوز…..آآه…شكلك عايز تجوز الارملة اللي بعتك
وتجوزت واحد قد ابوها…….”
رد عليها باحترام وصبر غير متناهي…..
“لا هي ولا غيرها ياحاجه…..”
رفعت نوال شفتيها للاعلى وقالت بسخرية….
“لا هي ولا غيرها….انت هتعملهم عليا يابن بطني…دا انا شايفاك بعنيا دول وانت طالع معاها لحد بيتها……وهي لزق فيك بمياعه وقلة ادب……”
قال ابراهيم بجزع….
“انتي مش فاهمه حاجة سمر تعبانه…..”
هتفت نوال بجفاء…..
“الف سلامه ميخصنيش…..هي كلمة واحده تروح معايا انا وابوك نخطبلك هبه بنت حسان…..قولت
ايه…….”
زفر بقنوط وحاول انهاء النقاش بـ……
“قولت لا إله إلا الله…..اجليها لحد ما فضى…..وبعدين نشوف…….”
هدرت نوال من بين انفاسها العالية….
“اسمع وعز وجلالة الله ما تبقى ابني لو فكرت بس يابراهيم ترجعلها تاني…….”
اطرق ابراهيم براسه ثم صمت لبرهة وعاد
الحديث قائلا بهدوء…..
“انسيها ياماا……..انا مبفكرش في جواز لا منها ولا من غيرها…….”
قالت نوال بتبرم…..
“لما انت تنساها ابقى انساها انا…..وبعدين انت مش هتحرم نفسك من الجواز عشان خاطرها…كانت هي حرمت نفسها منه…….فوق يابني وبلاش تشتري اللي باعك……..هبه محترمة وطيبة وهتريحك وترضيك…
اسمع مني دي اللي تستحق تكون مراتك وام عيالك……….اسمعني يابراهيم وبلاش توجع قلبي معاك…..كفايانا وجع قلب لحد كده….. ”
نهض ابراهيم من مكانه وقبل راسها وهو
يقول بصوتٍ حاني….
“ريحي قلبك ياحاجه وسبيها بظروفها……منين ما انوي………هشاورلك عليها بنفسي……..تمام….”
اومات نوال له بقنوك وهي تنظر اليه…قال
إبراهيم وهو يقبل يدها……
“ربنا يباركلنا فيكي……..تصبحي على خير….”
……………………………………………………………
بعد مرور أسبوع……
استلقت جواره بسيارة واغلقت الباب خلفها ثم نظرت اليه بتساؤل وقالت….
“ها يابراهيم….اي المشاور المهم اللي عايزني فيه…”
نظر اليه وقال بعتاب….
“طب قولي صباح الخير الاول…….”
ابتسمت برفق وهي ترجع شعرها للخلف بحرج…..
“صباح النور…….معلش اصلي مليش مزاج للنزول
والخروج…….”
اوما لها بتفاهم وهو ينظر امامه ثم سألها….
“المحامي كلمك……….مفيش جديد في القضية…..”
ردت سمر بسأم…..
“لا مفيش جديد…..اخر مرة كلمته من يومين…هو كلمك؟……”
اوما وهو يعود لعينيها الجذابة……
“كلمته امبارح بيقول ان لسه النيابة شغاله على القضية……..بس اكيد هيجبوه الواد اللي كامرات المرقبة لقطته وهو بيحدف ازايز البنزين وشه معروف عندهم اول ما يمسكوا هيعرفوا مين اللى وراه………”
زفرت بملل وهو تشيح براسها عنه….
“واضح ان الموضوع مطول……انا زهقت من قعدة البيت…”
عقد حاجبه وسالها بمكر……
“واي اللي مخليكي في البيت تعالي اشتغلي معايا…..”
عادت لعيناه ومطت شفتيها باستنكار…..
“اشتغل معاك إيه…..لا انا عايزه ارجع اظبط الصالون تاني وفتحه……..”
سالها بفتور…..
“واي اللي منعك……”
ضيقت عينيها وقالت ساخرة…..
“الفلوس….. تقريباً كل اللي كان معايا ضيعته على المكان….. تمليك وتجهيز ومنتجات بالشيء الفلاني حاجات كتير اتصرفت عليه……..وفي الاخر النار كلتها….”
وضع يده بجيبه وقال بسماجة…..
“لو محتاجه فلوس انا ممكن اسلفك…..”
هزت راسها بنفي وهي تقول بانف مرفوع…..
“لا طبعاً……انا هرجع اشتغل تاني وربنا يسهل
هجمع فلوس التشطيب من تاني واحده واحده….”
ضيق عيناه وقال بتاثر سمج……
“لسه هتجمعي…..هسلفك وخلاص الجيب عمران متقلقيش……..”
ضحكت بخفوت وهي تقول له بمحبة…..
“ربنا يزيد ويبارك ياسيدي…لو عوزت حاجة هبقا اقولك……..ها قولي هنروح فين……”
اشار باصبعه وهو يوضح……
“مشورين اول مشوار هنروح لمرات عبود ناخدها ونطلع بيها على بيت جوزها ونرضيهم على بعض…….وطبعا انا جيبك معايا عشان تعرفي تميلي
دماغها بكلمتين من بتوع النسوان دول……”
امتعض وجه سمر بعد اخر جمله…..
“نسوان ! تمام اعتبره حصل….” تغاضت عن الامر وسألت….. “بس انت عرفت مكانها منين…”
اجابها باختصار…….
“من ابوها طلعت قعده عند خالتها في حي (….)عرفاه……”
اومات بجد وهي تخبره……
“آآه عرفاه راحته كذا مرة……عفاف عايشه هناك….طب تمام هنروح لمرات عبود ادي مشوار والتاني بقا ؟…….”
ادار محرك السيارة وهو يقول……
“لا دا خلي مفاجأة……..”
فغرت شفتيها وسالته بدهشة…..
“من امتى يابراهيم وانت بتعملي مفاجات …….”
رد بابتسامة فاتره…..
“دا استثنائي ياشبح……….”
انطلقت السيارة خارجة من الحي تحت انظار نوال والدته وزوجة عمه والدة حبيبة اللتينِ كانوا يقفوا
في شرفة معاً يراقبنا ما يحدث بالاسفل……قالت صفاء بكراهية…..
“شوفتي ابنك ماشي وراها ازاي…..رجعت سحرتله تاني مش قولتلك……اموت وعرف بتعمل العمل عند انهو شيخ……..”
نظرت نوال بغضب لسيارة ابنها التي تكاد تكون اختفت عن عيناها…….
“وبعدين يام حبيبة…..هنعمل إيه في النصيبه دي..دي لزقه في ابني بغره…..وكانها سحراله فعلاً…..”ضربت نوال على سور الشرفة وهي تقول باستنكار….
“على جثتي ان اتجوزها…….معقول هيربط نفسه بارمله……بواحده باعته عشان الفلوس……”
بخت صفاء سمها وهي تقول……
“والله يام ابراهيم…. انا من رأيي نكسر مناخيرها….”
“ازاي يعني…….”نظرت لها نوال باهتمام تدفعها للمتابعة…
اجابتها صفاء بغل…….
“نسم بدنها بكلام……….خليكي انتي بعيد عن الموضوع…..اطلع انا ورباب ليها ونسم بدنها بالكلام
ونكسر مناخيرها……… ونخليها تبعد عنه بحرقة الدم……..”
ترددت نوال قليلاً وهي تسالها……
“تفتكري الكلام هيأثر فيها يام حبيبة….”
اكدت صفاء وهي تقول بكره وتشفي من ما تنوي فعله…….
“مياثرش ليه دا انا هتوصى بيها ورباب معايا.. ورباب مبطقهاش من ساعة عملتها السودة… اطلع انا وهي
ونحرق دمها يمكن تخلي عندها دم وتبعد عن ابنك وتفك السحر االلي ربطاه بيه……”
دعت نوال بقلبا ملتاع…..
“يارب يام حبيبة…….يارب تبعد عننا وتسبنا في
حالنا بقا……من ساعة مشفناها واحنا مش عارفين نرتاح….. ”
بدات صفاء التقريع كالعادة من يوم ان تزوجت
سمر الرجل الثري امام مرأى الجميع……..
“قولتلك الكلام ده من الاول انتي اللي مسمعتيش كلامي……..”
قالت نوال بطيبة وحزن…..
“مكنتش فكراها كده….دا انا كنت بعزها وكانها واحده من بناتي…….”
برمت صفاء شفتيها بتفزز وكانها رأت فار ميت….
“بناتك !! ايش جاب لي جاب… بناتنا ادب واخلاق وجمال اما دي…….ياختي انا لحد دلوقتي مش عارفه ابنك بيحبها على إيه…..دا مفيهاش ريحة الانوثة……”
دافعت نوال عنها بحزن وهي تقول بصدق…..
“نقول اللي لينا ولي علينا سمر زي القمر وست البنات لكن لولا اللي عملته…….آلله يسامحها كسرت فرحتي وفرحة ابني…….”
لوت صفاء شفتيها وهي تقول باستهجان…..
“ست البنات دي بهدلت ابنك ودخلته السجن…
ونبي انا ما شفت في طيبة قلبك يانوال
ياختي……”
…………………………………………………………..
وصلا معاً بسيارة لحي شعبي…..ترجل من السيارة وهي معه سارت جواره وهي تساله بهدوء….
“لحد دلوقتي مسالتكش….لي عايز تصالحهم على بعض…..يعني بعد اللي عبود عمله…..”
اخرج زفرة عميقة مكبوته وهو ينظر امامه واجابها بنبرة خشنة…….
“معاكي انه غلط……..بس مراته وولاده ملهمش ذنب……مراته وعياله محتاجينه زي ماهو محتاجهم…….حتى بنته محتاجه لوجودهم مع بعض عشان تقدر تكمل علاج الكيماوي وتخف باذن آلله…..”
ابتسمت وهي تتأمل جانب وجهه اثناء سيرها
جواره…….قالت باعجاب…..
“اوقات بحس انك مثالي….. ومفيش في طيبة قلبك…..”
القى عليها نظرة عابرة ثم اشاح وجهه وهو يقول….
“بيتهيألك….. كلنا جوانا الخير والشر…… مفيش حد كامل من كله ياسمر……”
افترت شفتيها بإبتسامة رائعة وهي تمدح فيه
بحب….
“صح…….. بس مفيش حد زي ابراهيم راضي….”
عدل ياقة قميصه بغرور وغمز لها بمناكفه…..
“صعب…………. هو واحد بس……”
(يخرابي على التواضع….بعشقك يابن عم راضي…)
قالتها بسرها وهي تكتفي بإبتسامة جميلة.. ولمعة براقة تسكن بعينيها السوداء كلما اختلست النظر إليه…….
وقفا امام احد المنازل البسيطة.. اطرق ابراهيم على الباب ففتحت له سيدة مسنة بجسد رفيع ووجه
مجعد جداً وتنحني بظهرها للإمام بتعب… نظرت
اليهم السيدة وقالت بصوتٍ مجهد…..
“خير ياولاد عايزين إيه……”
تنحنحت سمر وهي تقول للسيدة بهدوء…
“عايزين نجيه مرات عبود……احنا جيرانها…..”
خرجت نجيه من خلف العجوز وكانت سيدة نحيلة الجسد مرهقة الملامح من كثرة الحزن…. ابصرتهم
نجيه بحرج ثم اخفضت جفنيها وعدلت وشاح
راسها وهي تقول بخفوت…..
“ازيك ياسمر…. ازيك ياسي ابراهيم… تعالوا… نورتونا…….. احنا زرنا النبي النهاردة…….” اشارت نجيه لخالتها بعد ان دلفت سمر وخلفها ابراهيم للداخل….
“سلمي ياخالتي…. دول جيرانا…. احسن ناس في الحته واجدع ناس والله…….”
قالت السيدة بنبرة مجهدة……
“نورتم الدوار ياولاد……. انا هحضر غدا…..”
امتنع ابراهيم وهو يقول بمودة….
“كتر خيرك ياحاجه ربنا يجعله عامر…. بس لو مش هنتعبك كوباية شاي من ايدك الحلوة يابركة….”
ابتسمت السيدة لكلامه المعسول وهي تربت على كتف ابراهيم بحنان……
“عنيا يا بني…..قولتلي اسمه اي نجيه.. “سألت ابنة اختها وهي تحاول التذكر الاسامي التي لفظت اياها
نجيه منذ لحظات…..
قالت نجيه بحرج وهي تشاركهم الجلسه….
“أبراهيم راضي ياخالتي ودي سمر…. مراته………جيرانا…. ”
تبادلا النظرات معاً لبرهة ثم اشاحت سمر عينيها عنه وهي تشعر بالارتباك لمجرد نسج خيالها هذا الرابط بينهما…….
حينما جلست نجيه على المقعد وهما يجلسان على الاريكة امامها تنحنح ابراهيم وهو يقول بخشونة…
“احنا جايين نطمن عليكي يام رقيه ونطمن كمان على رقيه……”
قالت نجيه بصوتٍ حزين وهي تنظر لاحد
الغرف..
“رقيه كويسه……… هي نايمه فوق…….”
سالتها سمر باستفهام حتى تفتح مجال للتحدث….
“اي اللي مقعدك هنا يانجيه….لي مش في بيتك مع جوزك……….انتوا متعاركين……”
اطرقت نجيه براسها للاسفل بحرج…..
“شويه……….يعني شوية مشاكل كده……”
قال ابراهيم اليها بتحفظ….
“عبود تعبان ومحتاج لوجودك يام رقيه….”
انفعلت نجيه وقالت بغضب وتلقائياً بدون تفكير….
“تعبان من اللي عمله….اللي يقبل على نفسه القرش الحرام ويقبل يظلم…ويخون العيش والملح يستاهل كل اللي يجراله….. ازاي أأمان على نفسي معاه بعد اللي عمله فيك…..”وضعت يدها على فمها وهي تنظر لهم بخوف….
اوما ابراهيم بتفهم بعد ان قراء ردة فعلها….
“متخفيش….انا عارف كل حاجه ومن عبود
نفسه……هو جه اعترفلي بغلطه وطلب مني اني اسامحه……”
توسعت عينا نجيه بذهول….
“وسامحته ياسي ابراهيم……”
رد ابراهيم وهو يسند جزعه على ركبته ومال
للامام قليلاً وهو يقنعها….
“المسامح كريم يام رقيه…..ولو فضلنا شايلين في
قلبنا هنتعب….جوزك محتاجك وانتي محتاجاه
وبنتكم كمان محتاجه وجودكم معاها……”
قالت سمر بابتسامة انثويه خبيثة…..
“ولو عايزه تعقبيه عقبيه….الست الشاطرة اللي تعرف تاخد حقها وهي حطه رجل على رجل… ”
“وازاي دا يحصل……”تساءلت نجيه بحيرة….
وكذلك كانتا عينا ابراهيم ترمق سمر مليا بنظره
مبهمة بها لمحة من الإعجاب…..
غمزة لها سمر بوقاحة…….
“هقولك بس لما نعرف هتروحي معانا ولا لا……”
اسبلت نجيه جفنيها بتردد…نهضت سمر وجلست جوارها على ذراع المقعد ثم عانقتها بحنان وهي
تقول بعطف….
“مش محتاجه التفكير دا كله يانوجه….عبود بيحبك وانتي بتحبيه معاكي انه غلط ويستاهل اللي يجراله بس انتي ذنبك إيه تشحطتي عيالك هنا وهناك……..قعدي في بيتك انتي وعيالك وطرديه
هو برا…..”
رفع ابراهيم حاجبيه بصدمة ولبرهة خاف من تلك الشرسة اذا غضبت عليه يوماً !…….
ضربت نجيه على صدرها وقالت بهلع على
زوجها….
“لا….. يامُري ويروح فين الراجل….دا ملوش حد
غيرنا…”
لكزتها سمر ببغض كي تنهض وهي تقول بسخرية…
“ياختي طالما بتحبيه اوي كده قومي البسي وتعالي معانا………..وهقولك تعملي اي عشان تطلعي
القديم والجديد على جتته…..”
سالتها نجيه بحيرة وهي تنهض معها….
“واللي هتقولي عليه ده هيجيب نتيجه مع عبود…..”
نهضت سمر برشاقة وهي تقول بشراسة
جميلة…
“دا يجيب نتيجه مع التخين…..تعالي بس نحضر الشنط………”
سبقتها نجيه لاحد الغرف….. وبخطوات انثويه ماكرة اتجهت خلفها سمر بتغنج مهلك جعل ابراهيم يزفر وهو يشيح بوجهه للناحية الأخرى بتعب…..متمتماً…
“وبعدين معاكي ياسمر…….”
بعد ساعة ونصف تقريباً…طرق ابراهيم على باب شقة عبود الذي فتح باب شقته بوجهاً مكفهر واعين حمراء ولحية كثيفة لم تقترب منها شفرة الحلاقة
منذ اشهر…….
مط أبراهيم شفتيه باستهجان وهي يشير عليه لزوجته……
“اهو على الحال دا ياقلب امه من ساعة ما سبتيه….”
كتمت سمر ضحكتها بيدها….
حك ابراهيم في انفه يكبح ضحكته بعد ان سمع
رنة ضحكتها الفاتنة…… ثم نظر لعبود قائلاً…..
“تحب ندخل ولا نكمل كلام على الباب…….”
“اتفصل يابراهيم نورت البيت…..”ابتعد عبود عن الباب وهو يلفظ تلك الكلمات دخل ابراهيم وسمر وخلفهم نجيه وبناتها…….
وقف ابراهيم امامه وربت على كتفه وهو يقول…
“هو نور فعلاً بمراتك وعيالك…….”اشار ابراهيم بعيناه على نجيه وصغار ثم عاد بعينيه القاتمة
لعبود ونصحه بجدية خشنة…..
“مراتك وعيالك جم لحد عندك……شيل مراتك فوق راسك وحط عيالك في عنيك….وفوق من اللي انت فيه اللي حصل حصل…..شيل الغمامه عن عينك وركز في حياتك…….ارجع انزل الشغل واصرف على بيتك وعيالك…… وسند بنتك وقويها هي في فترة علاجها دي محتجالك انت وامها اكتر من اي حاجة تانيه………
فوق ياعبود ومتخليش الغلط يجر غلطات ملهاش عد……فوق وقرب من ربك وباذن الله هيفك كربك ويشفي لك بنتك…….”
نزلت دموع عبود وهو يشعر بالخزي من نفسه امام
ابراهيم الذي رغم كل الاذى الذي سببه له يقف جواره
ويدعمه ويحل مشاكله الذي عجز هو عن حلها !….
هبط عبود على كف ابراهيم وكان سيقبل يده
رفع ابراهيم يده سريعاً……..قائلاً بقنوط…..
“انت بتعمل إيه…….متوطيش غير للي خلقك…..ورفع راسك قدام مراتك وعيالك…….ونسى اللي حصل….. عشان انا كمان نسيته……..وسمر كمان نسيته…..”
نظر ابراهيم لسمر فوجد عيناها تلمع بدموع لكنها وقتها اهدته أجمل واعمق ابتسامة وهي تنظر لعيناه
بطاعه………خفق قلبه لابتسامتها وود لو تتوقف عقارب الساعة عند تلك البسمة فيطول تأمله
لها ، ويكتب شعر لوصفها……
عاد ابراهيم لعينا عبود وربت على كتفه بشفقة
“لو عوزت اي فلوس كلمني…….انا رقبتي سداده…”
قالت نجيه وهي تبكي مُتاثرة من شهامة ومروءة
هذا الرجل…..
“كتر خيرك ياسي ابراهيم…. ياريت الناس كلها في كرامك وجدعنتك….. ربنا يسعدك ويفرحك…. انت وسمر تستاهلوا كل خير……” ربتت نجيه على كتف
سمر التي ابتسامة لها ذوقياً وهي تمسح دمعه
متعلقه بجفنيها ثم نظرت لابراهيم وقالت
بهدوء….
“مش كفايه كده يابراهيم……. يلا بينا…….”
اوما لها ابراهيم بالموافقة لكن نجيه قالت باعتراض….
“تمشوا ازاي لازم تتغدو معانا… قولهم حاجة ياعبود…..”
اكد عبود على حديث زوجته وقال….
“قعد معانا يابراهيم ربع ساعه وهجبلكوا احلى اكل…..”
ربت ابراهيم على كتفه وهو يستدير…..
“بالف هنا ياعبود…… بس احنا مستعجلين…..
متعوضه ان شاء الله…. ”
اتجه ابراهيم لسمر ومسك يدها وخرج من باب الشقه لكنه سمع نداء الصغيرة عليه وهي اكبر بنات
عبود (رقيه..)……
توقف ابراهيم وعاد اليها بخطوتين تقريباً ثم جثى على ركبتيه امامها تحت انظار سمر الواقفة بجواره تنظر اليه بحنان وللطفلة بحزن وشفقة فقد بدات تفقد بعضاً من خصلات شعرها الناعم وملامح وجهها
شاحبه ومتعبه بشكلاً واضح ومع ذلك تتألق بأجمل
إبتسامة وكان القوى وصبر يكمن في تلك البسمة البريئة….. سمعت سمر الصغيرة تقول لإبراهيم
ببراءة….
“شكراً ياعمو……”
سيطر ابراهيم على مشاعر الشفقة وهو يسالها بحنان…
“على اي ياروح عمو……”
اخبرته الصغيرة ببراءة تشع من عينيها….
“اننا رجعنا البيت… بابا كان وحشني اوي….. مكنتش عايزه أروح المستشفى من غيره……الجلسات بتوجع اوي وماما بتقعد تعيط…… وانا مبعرفش اسكتها عشان بعيط زيها….. ”
مرر ابراهيم يداه على كتفها وهو يخبرها
بابتسامة حانيه…….
“تعرفي انك بطله يارقيه…….”
اومات الصغيرة وقالت بابتسامة جميلة…
“ايوا عارفه الدكتور بيقولي اني لازم اكون بطله عشان اهزم المرض………. هو انا هقدر اهزمه؟…”
عند تلك النقطة اولات سمر ظهرها اليهم ونزلت دموعها على الصغيرة وقد كتمت شهقاتها بيدها
وهي لا تعرف السيطرة على دموعها ومشاعرها…
عانق ابراهيم الصغيرة وترقرقت الدموع بعيناه
وهو يخبرها……
“هتهزميه وهتخفي يارقيه…… انا واثق انك بطله وقويه كمان…..” اخرجها من احضانه وطبع قبله
على وجنتها ثم نهض من مكانه بينما بتسمت اليه الصغيرة ببراءة وسارت لعند امها التي عانقتها
بقوة وقبلة كتفها بحنان……..
مسك ابراهيم يد سمر وقال بصوتٍ رخيم…
“يلا بينا ياسمر…….”اومات له وهي تمسح دموعها……..
المعافرة هو ان تحافظ على اللون الأبيض بداخلك
ولا تتأثر بسواد البشر مهما رأيت حافظ على نقاءك……حافظ على هوايتك ولا تتبع غيرها…….
………………………………………………………………
نظرت من خلال نافذة السيارة فوجدته قد اوقف السيارة امام صالون التجميل الخاصه بها…..
عادت بعيناها اليه وسالته…..
“جايبني هنا ليه يابراهيم……”
“المفاجأة هنا….تعالي…..”قالها وهو يترجل من
السيارة وهي كذلك خرجت بعده ناظرة للمكان
بنفس الدهشة ويعلو وجهها التساؤل…..
انزلت كنزتها الانيقة من الخلف وهي تساله مرة أخرى……
“حيرتني معاك…..فين المفاجأه دي…..”
سارت معه للصالون فوجدت عفاف احد العاملات معها تقف امام عتبة الباب تنتظرها….عقدت سمر حاجبيها وهي تسألها بتعجب….
“عفاف !….اي اللي جابك هنا…..”
عانقتها عفاف وهي تقول بحفاوة….
“مبروك تجديد السنتر من تاني……”
فصلت سمر العناق وقالت بغير استيعاب..
“تجديد اي ياعفاف………ومين جدده…..انتي جرا لعقلك حاجة النار مسكت فيه من أسبوع….. “اتجهت سمر للداخل فوجدت بالفعل المكان عاد جديد كما كان وكانه لم يصاب بالحريق من أيام…..
الحوائط زاهيه بنفس اللون الأنيق…. المرايا مكانهم
ناصعين مزينين بمصابيح الاضاءة وكانهم لم يتم تهشم اياهم سابقاً اثار الحريق …حتى هناك منتجات فخمة مرصوصه على احد الرفوف الزجاجية بمنظر زهوٍ متقن……كل شيء تجدد وعاد لعهده كسابق…..
سارت سمر بالمكان بصدمة والفرحة تلمع بعينيها
وهي تسأل عفاف بغير استيعاب….
“أزاي اتجدد كده……. مين اللي عمل كده ياعفاف….”
ردت عفاف بمحبة وهي تبتسم….
“ابراهيم….. كتر خيره بقاله تلات ايام وقف على دماغ الصنايعيه لحد ماخلصه الحيطه اللي كان ماسك ناحيتها الحريق…..ووصاني اجيب كل حاجة
نقصه………وجبت كل حاجة وفرشنا الصالون من تاني انا والبنات……كتر خيره مهنش عليه قعدتنا كده من غير شغل ولا هان عليه زعلك ياسمر……”اقتربت
منها عفاف وهمست في اذنها بحنان…..
“امسكي فيه بايدك وسنانك اللي زي ده
مايتعوضش ولو بمال الدنيا كله….”
ابتسمت سمر بحزن وهي تعود ادراجها إليه….
خرجت من الصالون فوجدته عند سيارته يستند على صندوقها ينفث سجارته بشرود……
اقتربت منه وقالت بعتاب….
“لي عملت كده يابراهيم…. ضيعت فلوسك عليا…”
نظر لبريق عينيها الذي زاد توهجة وعاد ينبض بالحياة…..عقب بفتور رغم ان كلماته اهلكت قلبها…
“وضيع عمري كله…. اي فيها…. المهم المكان عجبك رجع زي الاول ولا عفاف قصرت في حاجة…..”
نظرت اليه بحب وقالت….
“زي الاول طبعاً…….. المهم قولي دفعت كام….”
القى سجارته ارضاً ودهس عليها بحذائة وهو
يسالها بخشونة…….
“ليه هترديه….”
عقدت ذراعيها امام صدرها وهي تهتف
بتصميم…..
“آآه هرده يابراهيم… مش كفايه عملت كل حاجة من ورايا ولا حتى شورتني……”
لوى شفتيه بحنق منها ثم سالها ببرود….
“عايزه تدفعي كام يعني……”
عقدت حاجبيها وقالت بوجوم….
“اللي دفعته كله……بس يعني هسدد قسط موافق…”
نظرت اليه وتساءلت مجدداً…..
“دفعت كام بقا…….”
دار حول السيارة ووقف امام بابها وهو يخبرها
بجفاء….
“لم تيجي تديني القسط هقولك…….ماشي…”
“وبعدين معاك…..”لحقت به ووقفت خلفه…استدار
لها قبل ان يفتح الباب وقال بتعجب من امرها….
“وبعدين إيه اديني وفقت على القسط زي مانتي عايزاه…….سبيني بقا وقفلي الموضوع ومنين ما تجيبي القسط نشوف……..”
فتح باب السيارة وقال….
“انا مروح………… تيجي اوصلك……”
هزت راسها بنفي وهي تقول…..
“لا انا هقعد شويه مع البنت وبقا اتصال بسواق التاكسي ياخدني……..”
نظر لها نظرة دافئة حانيه وهو يقول….
“ماشي خدي بالك من نفسك…….وابقي ردي على الرسايل وطمنيني…….”
“رسايل……”قالتها وهي تكبح غيظها وتخفي تلك الصفعة الوهمية التي تلقتها منه للتو…..مالذي ينوي فعله بضبط..؟!…
يحيرها عن السابق واوقات تشعر انها في متاهة
معه………
رد عليها بجدية بها لمحة من المرح…..
“آآه رسايل واياكي مترديش…..انت بقيتي مديونه دلوقتي ولازم تحترمي الديانه وتردي وقت ما اعزوك……..ماشي…..”
عبس وجهها وهي تقول باقتضاب….
“دا اي الذل ده…ماشي هبقا ارد….وانت ابقى
طمني عليك…. ”
استلقى سيارته واخبرها بايجاز…….
“على الله……”انطلق بسيارة وهو يودعها بعيناه…
غمغمت سمر بحنان وهي تراقب سيارته تبتعد
عنها….
“ونعم بالله ياحبيبي…………..في رعاية آلله…..”
……………………………………………………………
هب خالد من مكانه وافقاً بتشنج وقد انتفخت اودجه
من كثرة الغيظ……
“يعني اي مش موافق…. بقولك انا وهي متفقين على
كل حاجة وخلاص قررنا نرجع لبعض……”
رد عز الدين ببرود…والذي كان يجلس امامه على المقعد يضع قدم على أخرى بمنتهى الغطرسة وعيناه كنمر ترمق خالد الغاضب باستهانه…..
“قرارك وقرارها ملوش اي قيمه قصاد موافقتي….”
نظر خالد لوالده الجالس على احد المقاعد يتابع الموقف بهدوء وتأني اغاظ خالد اكثر…..لذلك وجه
إليه الحديث من يجز على أسنانه…..
“سامع يابابا….. سامع رده وكاننا عيال…… مستنين الاذن من انكل عز ……” رمق عز الدين ببغض….
نفض عز الدين شيءٍ وهمي على بنطاله باطراف اصابعه ثم عاد الى خالد وقال بنبرة جليديه….
“الكلام خلص ياخالد… آية مش هترجعلك… انساها واذا كان على ابنك فاحنا مش هنحرمك منه… تقدر تشوفه في اي وقت……”
جلس خالد على الاريكة مجدداً وقال من بين
اسنانه بضجر…
“اسمع انا مش همشي من هنا غير بموافقتك…. مانا عارفها مش هترضى تزعلك…. بس انا اتفلق
عادي !……” ثم اضاف بنبرة محتده…..
“وبعدين انا مش بس عايز ابني انا عايز مراتي كمان
وجاي ارجعها ياعز….وياريت مخك يستوعب ان هي كمان موافقه على رجوعي ليها…يبقا ماتخنش مخك وتعاند معانا…….”
زم عز الدين شفتيه وقال بسماجة….
“لا انا ما بعندش…انا بحافظ على اختي منك….اي اللي يضمنلي إنك متقهرهاش تاني…..وأول ماتعجبك
واحده تروح رامي عليها اليمين….”
كبح خالد غيظه….. وقال بخفوت……
“غلط… غلطه ومش هتتكرر……انا عرفت قمتها…..ومفيش واحده هتملى عيني غيرها…..”
القى عز الدين نظرة ساخطه وقال…..
“لا الكلمتين دول تضحك عليها بيهم اما انا ما يكلش
معايا الكلام ده……”
ضرب خالد على ركبته وهو ينظر لها بعيناه الخضراء
التي تكاد تخرج شرار منها……
“لا حول ولا قوة إلا بالله….الصبر…..اوامرك ياعز باشا
تحب اكتب تعهد على نفسي اني مش هكرر غلطتي السودة دي تاني……..”
ابتسم عز الدين من زاويه واحده باستفزاز
وعقب…
“واللهِ حتى بعد التعهد ما اضمنك…….انا لحد دلوقتي
مش مصدق انها عايزه ترجعلك…….”
رد خالد بغضب مكبوت…….
“بتحبني وانا بحبها…….”
رفع عزالدين حاجبيه للاعلى وقال هازئاً بمناكفه….
“تحبها انت ماشي….هي تتحب من غير حاجة…لكن انت بقا…….بتحب فيك إيه……دا اللي هيجنني….”
شهد خالد والده مجدداً وقد أحمر وجهه من
كثرة السيطرة على انفعاله امام لوح الثلج هذا…..
“شايف يابابا الاستفزاز…..بالله عليك دا رد ناس عقله……”
ضحك فؤاد وهو ينهض من مكانه ويبدو انه استمتع بتلك الجلسة جداً……عقب فؤاد وهو يخرج من الصالون…..
“انتوا الاتنين عيال ومخكوا قد كده…….عمتا مبروك ياخالد………اتفق مع آية على معاد فرحكم لازم تعلموا فرح محصلش وفي افخم مكان…انا هطلع اهني آية
وباركلها وقعد مع حفيدي…..وخليكوا انتوا كده نقار
ونقير مع بعض زي الديوك………”
جز خالد على اسنانه ونظر نحو عز الدين بغضب…
وما كان من عز الدين إلا ان القى عليه نظرة
هازئة باردة بها لمحه من الاستمتاع المريض
حينما يستفز هذا المخلوق !…..
……………………………………………………………..
خفق قلب آية بسعادة وابتسمت وهي تعانق خالها
الذي بادلها العناق وربت على ظهرها وهو يقول بمحبة…..
“وأخيراً يا آية…..تعرفي فرحتي النهاردة ماتسويش
عندي كنوز الدنيا كلها….مبروك ياحبيبتي…مبروك
علينا وجودك وسطنا من تاني…….”
ردت اية وهي تتوسد صدره باشتياق ابوي…..
“دي اكتر حاجة مفرحاني اني هرجع اعيش معاك تاني ياخالو…….”
ربت فؤاد على كتفها قائلاً بنبرة أبويه
دافئة….
“عارف ياحبيبة خالك…..بس انا عايزك تفرحي انك مش بس هترجعي تعيشي معايا لا انت هتعيشي مع جوزك وابنكم وسطكم…….هتبني حياة جديدة وتعتبر علاقتكم هتبدا صح من هنا……..”فصل فؤاد العناق ومسك فكها بين اصابعه وقال بجدية حانيه……
“اسمعيني يا اية…..مدخليش الكره بينكم…..ولا تحطي الماضي في سكتكم…..اللي عدا عدا….واحنا ولاد النهاردة……ليكي تحسبي في الجاي لكن اللي فات مش بتاعك وطالما قبلتي بيه وسامحتي فيه
يبقا ملكيش حق تفتحي فيه من تاني……سمعتيني
يا اية…….”
اومات آية برأسها بتفهم وهي تحفر كلماته في راسها
كنوع من الحفز لها في القادم من حياتها معه فهي
تعرف نفسها حتى ان سامحت وحاولت البدا من جديد سيكون الماضي معها كثغرة صغيرة تشكل نقطة ضعف بداخلها……
هذا الحديث كان امام عينا حنين التي كانت تشارك آية الجلسة وتمسك الصغير علي بين يداها…..
وقد شردت حنين في حديث فؤاد… وكان الحديث مسها هي اكثر من آية وحاولت هي أيضاً نسيان الماضي كما اخبرتها آية مراراً ، وسمر تكرراً… حتى
حديث هذا العجوز الطيب كان كطوق نجاه من شيطانها…….
اتجه فؤاد نحو حنين وسلم عليها ببشاشة….
“ازايك ياحنين يابنتي….عامله إيه…..”
ردت عليه بخجل وكان علي الصغير الجالس
بين احضانها يعبث بخصلات شعرها بشقاوة……
“الحمدلله………إزاي حضرتك انت وصحتك……”
اجاب بمرح…..
“الحمدلله……حديد…”
ثم ابتسم فؤاد بعد ان لاحظ شقاوة حفيده فقال….
“تعالى هنا ياستاذ انت….انت اي مشكلة مع الشعور بظبط اي حد جايبه من شعره كده……..”حمله فؤاد وظل يلاعبه قليلاً ثم نظر اليهن وقال…..
“انا هنزل قعد انا والاستاذ دا تحت…..حتى خالد يشوفه لحسان كان بيسأل عليه…..”
مر فؤاد بجوار آية وقرص وجنتها بلطف وهو
يقول بابتسامة دافئة…..
“مبروك ياعروسة………”
احمرة وجنتي اية بخجل واطرقت براسها حتى مر فؤاد واغلق باب الغرفة خلفه……
اتجهت اليها حنين وباركت لها وهي تعانقها بمحبة…
“الف مبروك يا آية…….الف مبروك…….”
بادلتها اية العناق ثم ابتعدت عنها وهي تقول….
“الله يبارك فيكي ياحنين…….تعرفي انا لحد دلوقتي مش مصدقه اني وفقت ارجعله…….”
اخترق صوتٍ خشنٍ حديثهم…..
“حتى انا مش مصدق عملتك السودة…..”ظهر عز الدين من خلف الباب وهو ينظر لها بعتاب وغيرة..
ضحكت اية وهي تتجه اليه ثم القت نفسها في احضانه وهي تقول بشقاوة…….
“حبيبي الغيران….اللي بقالي اسبوع بقنع فيه عشان بس يقابله…….”
ابتسمت حنين وهي تراقبهم بسعادة…و…وبعضاً
من الغيرة التي خرجت عن السيطرة !……
ابعدها عز الدين عنه وهو يقول بنبرة مغتاظه….
“لولا خاطرك بس……انا مكنتش وفقت ترجعيله أبداً……”
رفعت حاجبها وهي تسأله بدهشة…..
“لي بس بتقول كده ياعز….انت مش حاسس انه اتغير؟…….”
اوما برأسه بتأكيد وهو يضيف….
“باين انه اتغير….وباين انه بيحبك و مش جاي مجبور من خالك زي اول مرة….بس برضو خايف عليكي…..”نظر لها بحنان يشتبك معه خوف ابوي……..
بثت آية الطمأنينة في قلبه وهي تخبره…..
“مختفش ياحبيبي……اختك جامده ومحدش يقدر يكسرها…. وانا متاكده انه مش هيكسر ثقتي فيه تاني……..انا واثقه فيه ياعز ويمكن اكتر من
الأول كمان….. ”
ربت على وجنتها بمحبة وهو يقول……
“ربنا يسعدك يايويا………ويخيب ظني فيه…….”
ثم اضاف بصعوبة……
“للاسف لازم تنزلي تقعدي معاه دلوقتي عشان تتفقوا
على تجهيزات فراحكم……..”
ضحكت آية على ملامحه المقتضبة وقالت بانصياع……
“تمام هنزله……..وسيبك مع حنين…. “رمقت حنين بمكر وغمزة لها في الخفاء…..
حينما خرجت شقيقته اتجه هو الى حنين ومد يده اليها كي تقترب وبالفعل اقتربت منه بإبتسامة جميلة تنطق بالحب……ضمها الى أحضانه وارتاحت راسها على صدره العريض النابض بالقوة….همست حنين وهي تمرغ وجهها في صدره…
“بحبك اوي ياعز……..”تنهدت هائمة واضافت….
“بموت فيك…….”قبل قمة راسها وهو يقول ببحة عميقة متأثرة بكلماتها المعبرة عن حبها إليه….
“وانا بعشقك ياعيوني………بعشقك ياحنيني…..”
………………………………………………….
قد اتى عيد الأضحى المبارك حامل معه صباح يختلف عن غيرة……تكبيرات العيد…. صلاة العيد اضحية العيد….. وخير وبركة وفرحة العيد
ولمة العائلات ووجبة العيد وطقوس العيد…..
وهنا العيد………إتي ببهجة تختلف عن غيرها….
خرجت من الجامع وهي ترتدي عباءة جميلة والحجاب يزين وجهها فاصبحت كالبدر في كماله….
خرج هو ايضا من مصلى الرجال ورمقها تسير برفقة اصدقائها…….
رفعت حبيبة عينيها عليه وهي تضحك مع صديقتيها
فوجدته يقف في احد الزوايا وكان مرتدي جلباب ابيض ناصع ومصفف شعره للخلف بجاذبية…..
زاد جمالا وحلاوة بالجلباب…. ودت في تلك اللحظة لو تلتقط له صورة وتحتفظ بها فهو نادراً ما يرتدي هذا الجلباب….تقريباً هذهِ ثاني مرة تراه به…..فاول
مرة كانت منذ اشهر لمحة إياه بصدفة وهو يخرج من صلاة الجمعة مرتدي إياه……..
تغازلت به وقتها عنوة عنها عبر الهاتف معه….. وظل هو طوال اليوم يضحك ويناغشها بعبث صبياني……
مرت حبيبة بجواره برفقة صديقتيها
( هنا ، وشذى)وهن بئر اسرارها كما هي تماماً معهن وهن على علم بتلك الصداقة التي ستنتهي يوماً بزواج كما اخبرتهم……..
قال احمد الذي كان يستند على السور خلفه…
“استني يانسه…..الكيسه دي وقعت منك…..”
مد لها كيس أسود متوسط الحجم اخذته وهي
تنظر اليه بدهشة وعلى ثغرها ابتسامة براقة….
اشار أحمد على راسها وهو يقول باعجاب قبل ان يذهب…
“شكلك حلو بالحجاب……”ابتعد عنها سريعاً حتى لا يلاحظ احد وقوفه معها…
نظرت شذى اليها ولكزتها بخبث…..
“يابيبه ياجامد…..افتحي ورينا الهدية……”
لكزتها هنا من الناحية الأخرى وهي تنظر للكيس بفضول…….
“ايوا افتحيه ياحبيبة….عايزه اشوف جايب إيه……”
ضحكت حبيبة وهي تفتح الهدية بنفس الحماس والفضول……..تهلل وجهها بسعادة وهي تمسك الهدية بين يداها وكانت عبارة عن دمية محشوة على شكل
خروف بفرو أبيض ناعم ومكتوب على احد جوانب
الخروف بالخيط الأسود المطرز
(عيدك مبارك حبيبة…)
علقت شذى باعجاب….
“واو…..حلو اوي…..مبروك عليكي يابيبه……”
اضافت هنا باعجاب اكبر…..
“جميل يابيبة ذوقه حلو الواد…..دا غير حلاوته بالقفطان……..حاجة تانيه……”
ضحكت الفتيات معاً فلكزت حبيبة هنا وهي تضحك…
“اتلمي ياهنا بتعكسيه قدامي……..”
ضيقت شذى عينيها وهي تقول بمكر….
“بس ياهنا……. بنتنا بتغير على الكراش…….”
دفعتهم الاثنين وخرجت من بينهن
وهي تقول بانزعاج……
“انتوا الاتنين اغلس من بعض انا مروحه…..”
قالت شذى من خلف ظهرها بجدية….
“هنفتح الشات على العصر كده ابقي ردي ها…
لحسان انتي دايما بتدخلي اخر واحده…. ”
وقفت حبيبة واستدارت اليهن وهي تقول….
“على حسب ما اخلص…. النهاردة فته ولحمة وليله كبيرة……. وكلنا كمان متجمعين عند عمي راضي عشان ابراهيم هيدبح الأضحية زي كل سنه…وبتبقا ليله بقا مانتوا عارفين…..”
ارجعت شذى راسها كنوع من التذكر وخيبة
الأمل…….
“ااه فعلاً فكرتيني….. طب اقولك خلي الشات على بليل نكون خلصنا كلنا اللي ورانا…..”
اومات حبيبة باستحسان للفكرة…..
“ايوا كده تمام اوي……سلام بقا….”لوحت بيدها مودعه اياهن وتابعت سيرها وهي تعانق الدميه بداخل الكيس وعلى شفتيها ابتسامة مراهقة حالمة بغد أفضل….
……………………………………………………………..
قطع ودج الاضحية بسكين الحاد فتناثر دمها بغزارة
أسفل قدميه……..
ابتسم والده بفخر وهو يقف جواره…..
“هتشفيها وتقطعها زي كل سنه ولا اجيب الجزار يقوم بالشغل دي عنك……”
رد ابراهيم وهو يغسل يده في دلو الماء…..
“وانا روحت فين ياحاج….. كبرت عليك ولا إيه… زي كل سنة هشفيها وقطعها……والجزار كده كدا جاي
هندبح تاني عشان نوزع على العمال في المصنع….”
ربت والده على كتفه وهو يقول…..
“ربنا يباركلي فيك يابني…..انا هدخل اقول لامك تحضر البلستكات اللي هنحط فيها الحاجه…..”
قال ابراهيم وهو يفك الرباط من على اقدام الأضحية……
“قولها تجيب حاجة دلوقتي عشان احطلها الكبده
دي تعملها……”
دخل والده البنيه حيثُ شقتهم…..
علق الأضحية في مدخل البيت حتى يتمكن من تشفية الفرو عن الجلد……..
غسل يده مجدداً بانتظار والده…وفي وقت انتظاره مسك هاتفه وارسل لها رسالة صباحية محتواها….
(صباح الخير…..)…..(كل سنة وانتي طيبة…..)
اتى ردها بعد لحظات عبر رسالة…..
(وانت طيب……..انت في المصنع؟….)
كتب وهو يستند على الحائط وعلى ثغرة ابتسامة نادرة مخصصه لها وحدها…..
(في البيت……..بدبح…….ماتيجي تساعديني……)
اجابت بمناغشة…..
(لا………كلت كبدة ولا لسه……)
كتب اليها……
(لسه……. إيه ابعتلك……)
ردت بتلقائية……
(ياريت…….زوزو لسه هتنزل تجيب والجزار لسه مدبحش أصلا…… وهي مصممة تجبها صبحه……)
ثم اضافت بمرح بعد ان قرأت رسالتها بعد
الإرسال……..
(بس عمتا عادي كده كده هنفطر كبدة….بالف هنا
كلي معاك………اوعى تنساني……)
اجابها برسالة تنطق عشقاً…..
(هو في حد يعرف ينساكي برضو……)ارسلها وادخل هاتفه بجيبه بعد ان رأى والده يتقدم منه بالاشياء التي سيضعون بها اللحم……
بعد مدة طويلة من التقطيع وتوزيع وتنضيف مكان ذبح الأضحية……دخل الشقة ومنها على الحمام أخذ
حمام بارد….واطال بداخل… حتى نادت والدته عليه بنفاذ صبر…….
“الفطار يابراهيم……بنحط يابني والكل مستنيك….”
كان يمشط شعره امام مرآة الحمام حينما اخبرها بفتور…
“افطروا ياحاجه……..انا طالع اهوه…….”
بالفعل خرج بعد دقيقتين ووجدا الكل يجتمع على سفرة الطعام عمه حامد وزوجته وحبيبة ابنتهم
وكذلك شقيقتيه وزواجهن واولادهم الصغار…
وأخيراً والديه…….
كانت السفرة مليئة بما لذ وطاب…..فتحت شهيته على الطعام فشارك في الجلسة ومد يده يغمس اللقمه في الكبدة وحينما وضع اللقمة في فمه تذكرها
سريعاً فلم يشعر بالذة في الاكل رغم جوعه ورغم ان الاكل بالفعل شهي فمن طبخت بنفسها هي امه وهو ياتي عندها ويرفع القبعة لحلاوة اكلتها ومن بعدها
حبيبته !……
سألته والدته بحيرة وهي تراقب توقفه عن الأكل…
“مالك يابراهيم…الاكل مش عجبك ولا إيه….”
قال ابراهيم وهو يبتسم بتودد اليها….
“ودا سؤال تسأليه برضو يامي…تسلم ايدك…”
ردت بحنان واهتمام الأم……
“تسلم ياحبيبي….بس انت مبتكلش ليه…..”
مالى عليها وسالها بخفوت……
“في كبدة جوا يامي……”
اومات له على الفور بكرم وهي تقول
باستفهام……
“الخير كتير…………..عايز تبعت لمين……..”
“سمر……”نطق اسمها بهمساً وتراقب…..تبدل وجهها
في لحظة وامتقع وهي تنظر له بحنق وقالت بنفس
الخفوت حفاظاً على هيبته امام الجميع…….
“وبعدين معاك يابراهيم……….احنا قولنا إيه…..”
همس لها بخفوت وهو يقنعها بتملق صغير يتدلل
على والدته……
“دي ملهاش دعوة ياحاجه……احنا جيران والنبي وصى على سابع جار…….انا عايز ابعتلها طبق كبده
محصلش حاجة يعني……ولا عايزه تزعليني وتسدي نفسي عن الأكل…. “نظر لها بابتزاز عاطفي….جعلها ترضخ وهي تزفر وتسبل عينيها بطيبة…….
“بتمسكني من ايدي اللي بتوجعني ماشي يابراهيم……..هتبعت مين بيه…..”
مسك يدها وقبلها وهو يقول بهمس…..
“اي عيل من تحت هيطلع ليها…”
نهض من على السفرة وهو يقول للجميع…..
“كلوا ياجماعه زي مانتوا ……انا شويه وجاي…….”
راقبته نوال وهو يبتعد عنهم ويدلف للمطبخ….
تنهدت وهي تجزم بداخلها بوهن…..
“والله سحرالك…………وسحرالي معاك…….”
حضر لها طبق من الكبدة وغطاه جيداً حتى يظل ساخناً….. ثم خرج من المطبخ للأسفل وعند عتبت الباب نادى أحد الصغار الذين كانوا يلهون بالكرة امام باب منزله…….
“جودة……….خد……”
“عايز ايه……”اتجه اليه الصغير بتزمر…….
صفعه ابراهيم على مؤخرة رقبته وهو يقول…
“ياض اتكلم بأدب….. عشان ممدش ايدي عليك….”
“ياعم الكورة ياعم…..”لوح الصغير بيده وهو يراقب اصدقاءه وهم يلعبون الكرة بدونه…..
اطبق ابراهيم على كتفه وهو يخبره….
“ياعم هو العب هيطير…..تاخد عشر جنيه……وطلع الطبق دا فوق عند سمر…. ”
برقة عينا الصغير بالفرح ومد يده
بحماس….
“ماشي هات العشر جنيه……”
ضرب ابراهيم كفه الممدود وقال….
“لا صايع يالا……….لما تنزل ابقى خدها……”
ضيق الصغير عيناه وقال بعفرته…..
“افرض رجعت في كلامك……”
رفع ابراهيم حاجبه بدهشة وعقب….
“ارجع في كلامي !….قطعت برزقك ياجودة….روح
انت ونادي الواد طارق…….”
اخذ الصغير منه الطبق سريعاً وقال…..
“لا طارق مين المصلحة دي بتاعتي…..هطلع الطبق ونزلك هوا…..حضر الخمستاشر جنيه…..”
رد ابراهيم بنبرة خافته محذرة…..
“عشرة جنيه وكلمة زيادة وهيبقوا خمسة ولو زودت مفيش حاجة وهطلع الطبق عافيه……”
اوما الصغير بطاعه وتملق…..
“ياعم خلاص ياعم عشرة عشرة…..احنا ولاد حته واحده برضو……”
اوما له ابراهيم وهو يشير له برحيل….
“جدع يلا اطلع……وكفايه لماضه…. ”
“ماشي…..”ركض الصغير للاعلى وصل عند باب الشقة وطرق عليه….فتحت سمر الباب فوجدته امامها رفعت حاجبها بشك وهي تنظر اليه ثم
للطبق بين يداه……
” خير ياجودة…… ”
القى بين يداها الطبق بسرعة وهو ينزل على السلالم…..
“هيما بعتلك ده…… سلام……”
صاحت بحنق منه…..
“استنى يالا……. متصربع على إيه…..”
رد الاخر وهو يلوح يده اليها باستهانه….
“العشرة جنيه يامي هو انا بوصل طلبات ببلاش
ولا إيه…..”
ضحكت سمر وهي تغلق الباب ثم وضعت الطبق على السفرة وكشفت عن الغطاء لتغزو رائحة الكبدة انفها
بالذة….مدت يدها واخذت قطعه صغيرة ووضعتها بفمها ثم مسكت الهاتف وارسلت……
(شكراً على الكبدة……..مكنشي ليه لزوم التعب دا كله
كده كدا كنت هاكلها……)
رد برسالة مختصرة……
(بالف هنا ياسمر…….)اغلقت الهاتف بوجوم
ثم نظرت لطبق الكبدة بحزن……..وغمغمت
بعدها بتيه
“وبعدين معاك يابراهيم…….احترت معاك……واللهِ احترت……. ”
……………………………………………………………..
جلس هو وصديقه في احد المطاعم الشعبية… أخذُ
طاولة مستديرة امام المطعم مباشرةً في الهواء الطلق…… كغيرهم او الأكثرية من الزبائن تجلس
بالاسفل………
نظر كرم حوله على كم الجمع المتواجد في المكان سواء بداخل او بالخارج او عند الكاشير……
“دي ناس كلها برا تقريباً……”
رد أحمد بتاكيد وهو يمسك المنيو بين
يداه….
“امال ياسطا مش عيد لحمه……وانت عارفنا شعب
بيحب الزيطه……و زيطه بنسبالنا اكل وانتخه…. ”
ضحك كرم وهو يهز راسه بتأكيد ثم سأله….
“صحيح مقولتش ليه ليوسف ان احنا خارجين….
مش كان جه وقضا اليوم معانا…..”
زم احمد شفتيه وعقب باستهجان….
“على اساس اني ممانع قولتله ياسيدي… الباشا مرضاش يجي انف سيادته…. نفسه مش حلو زينا…”
قال كرم وهو يضع يده على بطنه…..
“ابن ذوات بقا هنقول إيه بطنه متستحملش
الاكل بتاعنا…… المهم بمناسبة اننا نفسنا حلوة
اطلبلنا طبق مخاصي وطاجن حلالي….”
عاد احمد للمنيو وانصاع لطلبه مضيف…
“ماشي دول تبعك انا هطلب عكاوي وبمبار….”
اضاف كرم بسرعة وقد سال لعابه بتذكر….
“ولحمة راس الراجل ده عليه لحمة راس
بتجيب من الآخر…”
اردف احمد بفتور….
“كمان عنده طاوجن مجرمه……احنا نطلب صنفين من الطواجن دي ونجرب…..بس انت متاكد ان احنا هناكل الاكل دا كله…. ”
نظر كرم لاسعار العالية في المنيو وقال
باستنكار…
“ياسطا اللي يبقا هخلي يعبهولي وروح بيه البيت…. انت مش شايف الاسعار…….”
ابتسم أحمد وهو ينتبه اكثر للاسعار واسترد الحديث……
“تحويشت الشهور هتضيع في المسمط……”
ربت كرم على كتف صديقه وهو يواسيه بمزاح….
“شد حيلك ياجدع احنا اللي بنعمل الفلوس.. وبعدين
حاجتين لازم تدلع نفسك فيهم لبسك وكرشك…. غير كده قول على الدنيا يلا السلامه……”
هز احمد راسه ومثل التاثر وهو يقول بمرح…
“حبيبي…. وشقي… وحكم ابو صحاب
الغالي……هات بوسه…. “مالى عليه احمد وقبله
من الجهتين ثم نظر اليه بحسرة وقال……
“يلا بينا ندلع كرشنا……”
ضحك كرم وهو يشير للنادل بان يتقدم منهم….
اثناء انتظارهم للطعام أجرى أحمد اتصال بحبيبة
التي اجابته سريعاً على غير العادة وكان من حولها
اصوات متداخلة وكانها بالخارج لذلك سالها بعد السلام…….
“انتي برا ولا إيه…..”
اجابت من الجهة الاخرى وهي تبتسم…
“آآه كنت مع صحابي في مشوار ومروحه….”
عقد حاجبيه وسالها….
“فين يعني………ومشوار إيه……”
ردت بتردد….
“مش مشوار…….. خروجه……”
لاح الحنق بنبرة صوته فقال….
“آآه خروجه احنا بقينا بنخبي اهوه…..”
شرحت حبيبة الامر ببساطه…..
“الموضوع جه خبط لزق…مكنتش متاكده ان بابا هيوافق على خروجي اول يوم العيد ولما قولتله
وافق….فاستغليت الفرصة ولبست ونزلت علطول…
وبعدين انت كنت عايزني استاذنك ولا إيه….”
على العبس وجهه فرد باقتضاب….
“مش بظبط بس على الاقل اكون عارف…..”
ردت عليه بتمرد…..
“اديك عرفت….انا اصلاً في ميدان(…..).. هركب وروح……”
اتى صوته بلهفة……
“طب مانتي قريبه مني…….عدي عليا….”
تساءلت بحيرة
“انت فين…..”
اجاب….
“في مسمط (…..)…..”
تساءلت وهي عاقدة الحاجبين…..
“بتعمل إيه في المسمط…..”
رد هازئاً……
“بشتري ورد…….”
هتفت حبيبة بضجر…
“والله……….بتتريق حضرتك….”
رد بعبث صبياني……
“اسألي اسئله عدله عشان ارد عليكي عدل…اللي
في المسمط بيعمله إيه بياكله……..”
اخرجت تنهيدة ثقيلة وهي تقول….
“ماشي………..انا هاجي بس مش لوحدي…..”
مط شفتيه ببغض….
“مين معاكي……صحباتك الاتنين …..”
اجابت بنفي موضحه…..
“لا دول روحه من شويه………..انا ونور…..”
عقد حاجبيه بتعجب وعقب وهو ينظر
لكرم…..
“نور !…اهلاً…. انتوا اتصحبتوا امتى؟…..”رفع كرم عيناه عليه وقد اعطى تركيزة كله للمكالمة بعد ان
نطق صديقه اسمها…
عقبت حبيبة بغرابة من امره…..
“مالك في ايه….من اول مرة قابلتها خدت رقمها وبنتكلم….. في حاجة ولا إيه …..”
اضاف أحمد مختصراً…..
“لا عادي……..بقولك هاتيها وتعالي…….”
قالت حبيبة بتردد….
“بس مش هنتاخر يا احمد……”
“ربع ساعه يابطتي…. سلميلي على نور لحد ما شوفها…..”اغلق الخط وهو ينظر لكرم ثم غمز له
بمكر……اشاح كرم راسه وهو يقول باقتضاب
“كان لازم يعني تقولها تعالي…….انت اي معندكش
دم….”
رفع أحمد حاجبه بسخرية وهو يقول بجزع…..
“ياعم في إيه هو احنا قعدين في كباريه ما تظبط كلامك دا مطعم ومتروس بشر……اهدى مش هتاكلك
يعني لو شوفتها وقعدت معاها شويه…..اموت وفهم بتوتر من هنا ليه…..واي الكسوف ده…وربي مانت نافع…. واللي هيجنني انك برا مقضيها وتيجي
قدامها وتلبس برقع الحيا……. ”
“عشان هي مش زيهم…..”اكتفى كرم بتلك الجملة…
اجاب احمد بتفهم موضحاً…..
“وانا مقولتش انها زيهم لا هي ولا حبيبة…بس لو فضلت كاتم في قلبك كده هتتعب……ياسطا عيش وحلم مش يمكن تبقا من نصيبك في يوم من الأيام……”
امتقع وجه كرم وقال باستخفاف…..
“آآه ماللي ميعرفش يقول عدس….بقولك إيه انا
ونور موضوعنا معقد……..مش زيك انت وحبيبة جيران وصحاب والبيت في البيت……يعني لو خالك راح لابوها مش هيقوله انت عارف بنتي بتصرف كام في شهر…….”
ضحك أحمد ساخراً وهو يعقب….
“ياسطا انت قديم اوي….. اي الفيلم الهابط ده…..
هو انت شويه ياجدع دا…….”
قاطعه كرم بنبرة خانقه….
“آآه شويه يا احمد…….. بنسبالهم انا شويه…..”
ربت أحمد على ركبته وهو يغير مجرى الحديث…
“بس انسى ومتزعلش نفسك…. انا غلطان أصلا
اني اتكلمت….. عمتا انا مش مرتبها مع حبيبة لحسان دماغك ترمي على كده……كلها صدفه…..فاستحمل وجودها الربايعه دي وهما كده كده هيمشوا حبيبة علطول مستعجله بذات اول ما بتشوفني…….”
ابتسم كرم عنوة عنه وهو يرمقه بتشفي
قائلاً…..
“تعرف اني شمتان فيك…..”
اوما أحمد وهو يضع هاتفه بجيبه…..
“يحقلك……دا انا شمتان في نفسي….اللي هو ازاي ياجدع مرمط نفسك ووقعت على بوزك بشكل ده لا
واي يا كرم وصلت معاها لدرجة اني لو مكلمتهاش
بليل ادخل انام…….. وكاني بسهر عشانها…..”القى عليه أحمد نظرة ساخطه وأضاف…..
“الله يسامح اللي تسني عين خلاني اعتزل
الشقاوة بدري بدري……..”
نظر كرم للناحية الاخرى وهو ينفي عن نفسه
التهمه…
“مش انا ياعم………دا يوسف…….”
قال احمد باقتضاب…..
“انت وهو عينكوا مدورة…….على راي زوزو…..”
“ماشي…..”رفع كرم عيناه فلمح اياهم يتقدمنا
منهم اشار كرم عليهن بعيناه وهو يقول……
“الكتاكيت وصلوا……”
رفع أحمد عيناه ونهض من مكانه وهو عاقد حاجبيه
ولاح على وجهه الصدمة وقد فغر شفتيه للأسفل
وللحظة ظن ان فكه لامس الارض وهو يتاملها
بهذا الشكل الجديد عليها كلياً…..
مالى كرم على اذن أحمد وهو يهمس بتسأل فضولي….
“امتى حبيبة اتحجبت……”
رد أحمد وعيناه لا تبرح وجهها الابيض الملتف حوله حجاب جميل انيق عليها…. وبحشمة الحجاب ولبس المحجبات زادت جمالاً وجاذبية مضاعفة…..
“مش عارف…..هي بجد لبست الحجاب
ولا انا بيتهيالي…….”
وقفت حبيبة امامهم والتي كانت ترتدي فستان فضفاض انيق والحجاب يخفي شعرها ويزيد بهاء ملامحها………
كذلك على الجهة الاخرى وقفت نور والتي كانت ترتدي بنطال جينز وكنزة صيفية انيقة وتعقد
شعرها الاسود الطويل على شكل ضفيرة طويلة
تصل لبعد مؤخرتها وتتدلى خلفها بجمال سحر
من يعانقها بعيناه محتفظ بصورتها في قلبه ومخيلته……
تبادلت نور النظرات مع كرم وهي تبتسم تلك البسمة المنبهرة بوجوده وكانه احد الشخصيات التاريخية
او بطل من أساطير خرافية التقت به عن طريق الصدفه !….تلك النظرة تغضبه رغم انها تأثر على قلبه بشدة………
ابتسمت حبيبة وهي تسلم على احمد بابتسامة رائعة……
“ازيك يا احمد….مش هتقولنا قعده…ولا هتفضل مبحلق كتير……”
سالها وهو واقف بمكانه…..
“انتي اتحجبتي……”
لم تمحي ابتسامتها وهي تجيب بهدوء….
“تقريباً من اسبوع…….”
لاح العبوس على وجهه فقال….
“من اسبوع ولسه عارف دلوقتي……”
ردت ببساطه….
“حبيت اعملها مفاجأه…….ها اي رأيك……”
ابتسم عنوة عنه وهو يتاملها…….
“زي القمر…..اوعي تكون فترة وبعد كده تقلعيه..”
هزت راسها بنفي وهي تقول…..
“لا طبعاً انا لبساه عن اقتناع وهيئة نفسي نفسياً للموضوع………بصراحه دي الخطوة الوحيدة اللي مسافة ما خدتها حسيت اني مرتاحه اكتر من
الأول……..”
قطع كرم وصلت النظرات والحديث المتبادل
وهو يقول بمرح….
“بارك الله فيكي ياخت حبيبة…..مبروك….”
كشفت حبيبة عن اسنانها وهي تبتسم اكثر….
“الله يبارك فيك ياكرم….. عامل إيه… كله تمام…”
“تمام الحمدلله….. ازيك يانور…..” تلك المرة مد يده لنور فسلمت عليه بخجل وعيناها السوداء تشع بالاعجاب والانبهار نحوه…..
“الله يسلمك ياكرم……. مبسوطه اني شوفتك…..”
رد بصدق وهو يسحب يده من يدها
بالاجبار….
“وانا اكتر والله…….”
احمرت وجنتيها واسبلت جفنيها بخجل…تنحنح
احمد وهو يقول بمرح…..
“اهلا بنور المجرة……نورتي المسمط (….) احلى واحد يعمل لحمة راس……”
لم تفهم نور ماذا يقصد لكنها قالت وهي تعطي لمحة
سريعة عن المكان ……”I like جداً……”
قال احمد بخبث صبياني….
“ولسه لم تدوقي الاكل like من هنا لبكرة…..”
بالفعل اتى الطعام وتم رص الاطباق والطواجن ذات الروائح الشهية والشكل الذيذ الذي عنوة عنك يسيل لعابك لأجله…….فكل مالذ وطاب على الطاولة….
قال احمد بجدية وهو يجبرهم على الجلوس…
“حظكوا حلو كلوا معانا عشان تفتحه نفسنا….”
امتنعت حبيبة وهي جالسه على مقعدها امام الطاولة…….
“لا انا مش عايزه احنا لسه وكلين مش كده يانور…”
بلعت نور ريقها وهي تشتهي الاكل بعد تلك الروائح
الغنية باشياء لذيذة لا تعرف لها هوية !….
“هو احنا لسه وكلين بيتزا… بس أكيد لازم اجرب الاكل ده راحته حلوة وانا اول مره اشوف الاصناف دي……..” اتخذت نور مقعداً ومدت يدها في احد الطواجن وبدأت الأكل…. وكذلك احمد بدأ يأكل
بشهية مفتوحه…… إلا كرم الذي توقف مكانه وهو
يراقب نور تاكل والغريب انه كان يحاول السيطرة على ضحكته امامها… فهو يتلهف لردت فعلها
بعد معرفة هواية الصنف…
همهمت نور باستمتاع وهي تضع الشوكه مجدداً بطاجن الشهي، غريب الهواية……
“جماعه i like it بجد…. دا اي ده……”
انتبه أحمد الى ما تشير اليه ثم توقف الطعام بحلقه بعد ان لاحظ هواية الصنف مما جعله ينظر لكرم الذي كان قد قارب على الانفجار من شدة كتم الضحكة…….
حتى حبيبة لم تفهم ردة فعلهم الغريبة تلك
وكانت هي الاخرى جاهله معرفة الصنف…..عقبت حبيبة بشك….
“مالكوا بتضحكه على إيه…..هي قالت حاجه غريبة ما تقوللها اي ده…. متعرفوش يعني و بتاكله وخلاص…….”
رد احمد وهو يكبح ضحكته وحرجه كذلك
منهم…
“قدريها كده…… عشان مينفعش نقول…..”
لاح التعجب أكثر على ملامح حبيبة
وسألت بغرابة…
“لي يعني هو عيب…….دا اكل يعني…. ”
قالت نور وهي تمضغ الطعام باستمتاع…
“أحمد ممكن اعرف اسمه عشان اخلي الشيف
يعملنا منه……”
كتم احمد ضحكته بيده هو وكرم في نفس اللحظة…….
صاحت حبيبة بغيظ….
“في اي ياجماعه مالكم…. اسمه اي الصنف ده
انا عايزة اعرف انا كمان…….”
استسلم أحمد وهو يخبرها ببراءة….
“دا… حلالي… ولي جمبه مخاصي…. فهمتي ولا…”
امتقع وجه حبيبة ومطت شفتيها بقرف….
“يع الله يقرفكم……….. حد يطلب الطلبات دي….”
قال أحمد ببراءة وهو يشير على صديقه ……
“عمتاً انا مليش في الحاجات دي…. دي طلبات كرم…”
رفعت حبيبة سبابتها نحو كرم بصدمة وكانه ارتكب
جريمه في حق البشرية…..
“انت ياكرم معقول…..”
رجع كرم في مقعده وهو ينظر لهم بتوجس….
“في اي ياجدعان هو انا طالب خمرة ولا ايه…دا حلالي ومخاصي….”
توسعت عينا حبيبة بدهشة وكانه سبها علناً…..
“وبتقولها في وشي كمان……”
نظر كرم الى أحمد بتردد….
“في يا أحمد…… هو انا شتمتها…..”
قال احمد بمرح….
“في اي ياحبيبة ما تسيبي الراجل يدلع كرشه…”ربت على كتف صديقه وهو يقول بمزاح….
“كُل ياسطا وانا هطلبلك طبق تاني على حسابك…”
برمت حبيبة شفتيها بتقزز وهي ترمق كرم
مجدداً بازدراء…عقب كرم بعد نظرتها تلك…..
“تقريباً انا شبعت بعد البصه دي…….”
هتفت نور وهي تأكل بشهية مفتوحه….
“كرم ممكن تطلب واحد كمان….. هاخده وانا ماشيه…”
نظر لها كرم وقال بجدية…..
“نور كفايه انتي لسه متعرفيش اي ده…..”
وضعت نور الشوكه بفمها وقالت بتلذذ….
“بس طعمه حلو…….. قول اي هو……”
صاحت حبيبة بضيق منهم….
“ممكن تسبوها تاكل ومتقرفوهاش…..”
توقفت نور عن الأكل وهي تنظر لحبيبة
بتوجس….
“يعني اي ياحبيبة هو انا باكل إيه…..”
اشار احمد بيده ساخراً وهو ينظر لحبيبة….
“اديكي انتي اللي قرفتيها…. اشرحي بقا…..”
قالت حبيبة بحرج وتردد……
“بتاكلي……….لا….لا مليش دعوة… ”
مطت نور شفتيها ومسكت هاتفها وكتبت اسماء الاطباق الذي ذكرها احمد على احد المواقع….وبعد
ثواني من البحث توسعت عينيها بصدمة ووضعت يدها على فمها والاخرى على بطنها ونهضت
بسرعه لاقرب حمام في المطعم…..
وبخ أحمد حبيبة قائلاً….
“عجبك كده…… البت عيت من الصدمة…..”
اتى صاحب المطعم عليهم وكان رجل ضخم البنيه
حاد الملامح…… سالهم بحيرة بعد ان لمح نور
تمسك معدتها وتجري على الحمام…..
“في حاجة يابشوات……. الاكل تمام ولا في حاجة نقصه؟……”
رد كرم وهو ينهض من مقعده نحو الرجل….
“لا تمام يامعلم…… كله زي الفل……”
اوما الرجل براحة قليلاً……
“طب الحمدلله….”ثم استردّ حديثه بتشكيك….
” بس عدم المؤاخذة يعني الانسه الصغيرة مسك بطنها من إيه….. دي شكلها عايز ترجع
هو اكلنا مش عجبها ولا إيه…..”
نهض أحمد واقترب من الرجل واشار بابهامه كنوع من الاعجاب بطعام واضاف مع تلك الحركة البسيطة…..
“لا ازاي دا الاكل كده… ياراجل دي حلفت عليا بطلاق
لاجبها بكرة تتغدى هنا…… قال مش عجبها قال…..”
ابتسم الرجل براحة وهو يربت على كتف احمد
بقوة المته…….
“طمنت قلبي ياستاذ……عنينا لحضرتك… احنا موجودين هنا اربعه وعشرين ساعة….. زي مانت شايف زبينه كتير…… وبيجه من اخر الدنيا عشان ياكلوا عندنا….. ”
اتت نور في تلك اللحظة وهي تمسك بطنها باعياء
ثم قالت بتقزز……
“انا استحال اكل القرف دا تاني…انا بطني بتوجعني أوي…….”
استدر اليها الرجل وقد أحمر وجهه من
الصدمة والغضب……
“قرف !…….. اكلنا احنا قرف……”
قالت نور بشجاعه مفرطه….
“آآه قرف…ازاي يجيلك قلب تطبخ ال…ال….مش قادره انطقها……انا مش مستوعبه اني في ناس بتطبخ الحاجات المقرفه دي وتقدمها للناس….”
اقترب منها كرم وحاول منعها هامساً بتحذير….
“ابوس ايدك اسكتي هنتعلق زي الخرفان على باب المطعم….”
اقترب الرجل خطوتين من نور وكان وجهه لا يبشر بخير وهو يقول بانفعال……
“اكلنا احنا قرف…..بتقولي على نعمة ربنا قرف… ”
وقف أحمد امامه ومنعه من التقدم منها وهو
يحاول تهدئة الجو المشحون قائلاً …..
“عليا الطلاق بتلاته مانت مقرب….انا هاخدها دلوقتي وهطلع بيها على اقرب ماذون اطلقها ورجع اكمل اكل…..”
صاح الرجل بشر في وجوههم….
“مفيش تكمله….. امشوا اطلعوا برا……”
امتعضت شفتي نور وهي تدير ظهرها اليه بكبرياء……
“برا برا…….يعني بتطردنا من ماكدونالدز ……”
حينما ابتعدوا عن المطعم قهق أحمد عالياً وشاركه كرم باستثناء الفتيات اللتينِ كانوا ينظرنا لهم
بغيظ….توقف كرم عن الضحك بتدريج وهو يمسح
عيناه التي دمعت من كثرة الضحك ثم قال
لصديقه بحسرة……
“ألله يخربيتك يا احمد قولتلك بلاش تجبهم…ادينا دفعنا قد كده جوا ومدوقناش من الاكل…..لا وخرجين بنضحك على خبيتنا…. ”
وضعت حبيبة يدها بخصرها وهي تحتبس غضبها
بقوة….
“قصدك اي بالكلام دا ياكرم….مكنتش عايزنا نيجي…..سامع يا احمد كلام صاحبك وقلة ذوقه…”
اقترب أحمد من كرم وخبطه بظهر يده في صدره
وقال بصعوبة بين ضحكاته…..
“دي المرة الاولى والاخيرة اللي هقولك فيها عندك حق……وانا غلطان فعلاً اني قولتلها تعالي…”
احتدت نظرات حبيبة بصدمة وعقبت بتحذير
خطير…….
“قصدك اي يعني احنا اللي بوظنا الخروجه…..”
زمجر كرم عابساً…..
“بوظتوها بس !…دانتوا خلتوها خل….”
أضاف احمد بوجوم……
“مِش وحياتك مِش ومدود كمان….انا مني لله…..”
القت حبيبة عليهم نظرة غاضبه ثم نظرت الى نور وقالت بكبرياء…..
“يلا يانور نمشي…. دول اصلا عيال قلالة الذوق….”
سارت للامام وبجوارها نور… وقف احمد امامها وهو يقول بغيظ……
“احنا عيال !…… طب بما اننا عيال مفيش مرواح…”
رفعت حبيبة حاجبها بخطر وتوجس منه….
“لو مبعدتش همسك تلفوني دلوقتي حالاً وكلم ابراهيم…”
رد احمد هازئا بمزاح ثقيل….
“يامه………. يامه خفت ياعيد………..”
رفعت حبيبة حاجبها وزمجرت بمقت….
“أحمد……. ابعد عني وبطل رخامه…..”
اثناء وقوفهم امام بعضهم بتحدي صدح صوت بائع الايس كريم المتجول بالعربة الصغيرة خاصته….بـ
“العجيييييببييييييييـبـة……….”
قال أحمد بمرح صبياني…
“تعالي اجبلك عجيبة…..”
امتنعت بغضب…
“مش عايزه…..”
مسك يدها بالاجبار قائلاً……
“تعالي بس…. هات نور يكرم…. امسك ايديها بس وعديها السكه عشان العربيات……”
حاولت حبيبة سحب يدها من بين يده المطبقه
عليها بقوة…..
“بلاش تمسك ايدي انا هعرف اعدي…..”
“ياصغنن سيب ايدك…. مش مسكها احب فيها… سبها والخامس صوابع هيرجع سته……..” ضربته في كتفه
وهي تضحك عنوة عنها…… ظل هو محتجز يدها بالاجبار داخل يده ومر الرصيف للناحية الأخرى معاً حيثُ عربة الايس كريم التي تقف بجوار احد الحدائق العامه…….
في الخلف مد كرم يده لنور فاعطته يدها وهي تبتسم بجمالاً وعيناها تلمع بانبهار يشعل وجدانه
ويزيد عذابه كلما التقى بها كلما جمعته الصدف
معها….. كلما نظر لعينيها السوداء الامعه قسمات وجهها الاغريقية وشعرها الطويل بمبالغة جذابة تلفت الانتباه….. جمالها جمال الاميرات وكانها
خرجت من حكاية للتو وهبطت عليه بعدها….
قالت نور باستغراب وهي تراه شارد بمكانه يتاملها
بقوة وكانه يتعرف عليها من جديد !…….
“وقف لي ياكرم….. مش هنعدي السكه……”
فاق من شروده بحرج وقد احمر وجهه وهو يوما
بتأكيد…..
“آآه طبعاً هنعدي يلا بينا……”مر الطريق كذلك معها وهو يشبك يده بيدها بقوة…….
وصل أحمد وحبيبة الى عربة الايس الكريم وكان بائعها رجل عجوز بشوش الوجه له ابتسامة حانيه دافئه تذكرك بجدك وبأهل الكرم ، بالمحبه في زمن
اشتقنا للعيش به……. كان الرجل يشغل الراديو
وكان يذاع عبره أغنيه قديمة… طراز كلاسيكي
لكن الموسيقى وبحة الصوت ومشاعر المغني
تجذبك فتجعلك تقف جوار البائع تاكل الايس
الكريم وانت تستمع للمذياع ببال رائق
وكان الكون توقف عند هذا الراجل الطيب
وعربته الصغيرة !…..
اكل احمد من الايس كريم وهو ينظر لحبيبة التي اتخذت مكان بجواره ووقفت معه وهما يسمعنا….
(خايف إني أحب، وخايف ينسى الحب يوم يقابلني
خايف أجرب خايف أهرب، خايف أقرب يبعد عني
ناس من الحب شافوا أسية وناس اتهنوا
خايف يقسى الحـب عـليّ خايـف منه
ناس من الحب شافوا أسية وناس اتهنوا
خايف يقسى الحـب عـليّ خايـف منه
أندم لو حبيت وقسيت، وأندم لو عمري ما حبيت
أندم لو حبيت وقسيت، وأندم لو عمري ما حبيت
بس لو ألاقي اللي أحبه، واللي قلبي يروح لقلبه
بس لو ألاقي اللي أحبه، واللي قلبي يروح لقلبه
واللي ترتاح روحي جنبه، يومها عمري ما أبقى خايف….)
اسبلت حبيبة جفنيها بخجل وهربت من عيناه…. ام
هو فنظر امامه بصمت….. فهو حقاً يخشى الحب ويخشى ان يهرب منه يوماً !……
……………………………………………………………
وقفت رحمة امام اختها بتحدي سافر….
“مش هتخرجي يارباب…….. والله مانتي خارجه….”
كانت رباب تقف بجوار زوجة عمها…وكانت ترتدي عباءة ووشاح على راسها مستعدة للخروج من
الشقة بصحبة زوجة عمها….هتفت بانزعاج…..
“بتحلفي عليا يارحمه…بتحلفي على اختك
الكبيرة…”
تشرسة عينا رحمة وشفتيها كذلك وعصف صوتها
بانفعال…..
“آآه بحلف عليكي….. وطالما انتي كبيرة وعقله اوي كده واخده بعضك انتي ومرات عمك وراح لسمر في بيتها تجري شكلها ليه انتي جرا لمخك حاجة… دا لو ابراهيم عرف هيطربق الدنيا فوق دماغنا…..”
قالت رباب باستهانه…….
“لما يعرف يحلها الف حلال… وبعدين انا مش راحه اتخانق معاها انا هجبلها من الآخر وعرفها ان احنا مش موافقين عليها بينا من تاني… وتبعد بقا عن اخويا وتبطل شغل الدجلين بتاعها ده……”
ضربت رحمة على فخذيها وهي تقول بدفاع…..
“سمر مبتسحرش…… اخوكي بيحبها…..”
وضعت رباب يدها بخصره وهتفت هازئة….
“الله…. دا انتي موافقه انها ترجعله بقا…” شهدت رباب عليها الجميع واولهم والدتها التي تجلس على المقعد تتابع الموقف بعدم رضا….
“شوفتي يامه…. مش قولتلك بنتك موافقة على الجوازة حتى لو من واحده خاينة باعت اخوها
واتجوزت واحد قد ابوها لجل الفلوس…..”
ردت رحمة ببرود….
“انا مقولتش اني موافقه وحتى لو رفضه….. دي برضو حاجة متخصناش هما احرار…..”
هدرت نوال بحرقة لابنتها وهي تنهض….
“احرار يعني اي يارحمة…. عايزة اخوكي يتجوز ارمله……”
اندهشت رحمة وهي ترد على امها…..
“لا اله إلا الله مالها يعني اذا كانت ارمله ولا
مطلقه….. ومع ذلك هو حُر معاها….. احنا مالنا…”
تحدثت صفاء وهي تبرم شفتيها باستنكار….
“سيبك منها يا رباب…. رحمة وحبيبة ميتخيروش عن بعض……. يلا بينا نلحق ننزلها عشان نطلع قبل ما اخوكي وعمك ما يجوا من برا……”
اومات لها رباب وخرجت بصحبة زوجة عمها……
زفرة رحمة بكبت وهي تصرخ في امها…..
“عجبك كده…. المشاكل والنصايب كلها هتيجي من تحت رأسهم…. حرام عليكي ياماما… من امتى وانتي قلبك قاسي كده…….” مالت رحمة على امها ومسكت يداها وقالت بحزن…..
“يرضيكي يكسروا بخطرها……حتى لو اذتنا وحتى
لو تستاهل دا لي نرد الأذى بأذى…. فرقنا عنها اي بس ياماما….. ردي عليا…..”
نفضت نوال يداها عن ابنتها ونهضت بوجهاً احمر والاسى يعلو ملامحها المجعدة….. دخلت غرفتها واغلقت الباب عليها…..
ظلت رحمة تتنقل من هنا لهناك اكثر من نصف ساعة ثم وجدت الباب يطرق…… ركضت سريعاً عليه وظنت انها رباب وزوجة عمها لكنها وجدت اخر شيءٍ تتمناه الآن ابراهيم وعمها حامد……..
لاحظ ابراهيم توترها وشحوب وجهها بل وشرودها
وهي تقف متسمرة امام الباب تسد المكان عن المرور…..قال ابراهيم بخشونة…..
“وقفه كد ليه يارحمة وسعي خلينا ندخل….”
ابتعدت عن الباب وهي تتنحنح
بحرج…..
“ها……….. حاضر….. معلش…. اتفضلوا…..”
لوى ابراهيم شفتيه وهو يدخل الشقة ويجلس على اقرب اريكة في الصالة…….ثم قال لعمه ساخراً….
“بتعزم علينا في بيتنا شايف ياعمي….. شويه وهما الاتنين هيطردوني برا……”
قهقه حامد وهو يربت على ركبة ابراهيم….
“انت الخير والبركه وكبير العيلة بعد ابوك…..”
قال ابراهيم بنبرة خشنة مفعمة بالمحبة….
“ربنا يبارك في الحاج راضي…. وبعدين مفيش كبير غيرك دا انت زيه عندنا……” نظر لاخته الشاردة وشاحبة كذلك…اخبرها بفتور….
“اعملنا شاي يارحمة……”
لم ترد رحمة وظلت مكانها ثابته وعيناها بمكان
آخر
نظر ابراهيم لعمه حامد باستفهام والاخر بادله النظرة بحيرة…… نهض ابراهيم ومسك ذراع اخته بلطف وهو يسالها بخوف..
“مالك يارحمة…. هي امك تعبانه ولا إيه…… السكر علي عليها تاني……”
انتبهت رحمة اليه فقالت بوجل…..
“لا امك كويسه يابراهيم……بس ا……”
عقد حاجبيه من التلعثم والتردد البادي عليها فقال بنفاذ صبر…..
“انطقي علطول يا رحمة في ايه….”رمقها بنظرة اجفلت حواسها لبرهة……
قالت رحمة بخوف منه بعد تلك النظرة
المرعبة….
“بص انا هقولك بس وغلاوة امك عندك ما تعمل هليله وسمعني…..”
صرخ ابراهيم في وجهها بنفاذ صبر وقد برزة عروق عنقه بشكلاً مخيف واحتدت عيناه الحادة عليها…
“انطقي في إيه ومتلعبيش باعصابي……”
قالت رحمة بارتعاد وهي تنظر له بتردد….
“رباب ومرات عمك راحوا لسمر بيتها عشان
عشان يخلوها تبعد عنك وتفك العمل اللي
عملهولك……”
جفلت ملامحه وهو يترك يد اخته…..
“عمل اي اللي يتفك…..هو اي هبل وخلاص….ماشي يا رباب…. “صاح بتلك الكلمات بتوعد وهو ينوي الخروج من الشقه لكنه وجد عمه حامد يصيح بغضب خلفه….
“استنى يابراهيم يابني انا جاي معاك…..”كان وجه حامد مكفهر وهو يخرج خلف ابراهيم…….
……………………………………………………………..
قبل هذا بنصف ساعة…..
كانت تجلس بغرفتها ممددة على الفراش تتلامس
الاساور الذهبية…الأربع اساور اللواتي كانوا هدية
منه….حتى المصوغات الخطبة مزالت تحتفظ بهم ولم يطلبهم منها….حتى هي لم تفكر باستعادت جهازها المفروش في شقته….وكانهما يتعهدان في الخفاء على الرجوع مهما طالت المسافات بينهما !…..
كم ترهقها تلك العلاقة المعقدة وفي نفس الوقت لا تجد مفر منها…..مع انها تعرف ان المفر الوحيد
هو النسيان لكن النسيان معه هو ظلم له فهو لا يُنسى ولن ياتي مثله ولو بحثت في الارض كلها سيبقى ابن العم راضي واحد فقط ومكانه بقلبها……
ابتسمت سمر بسعادة وهي تتأمل بريق الاساور
بين يداها…… غاليين عليها ليس لشيء غير انهم
هدية منه…. ويحملنا اجمل الذكريات بينهما…..
طرق باب الشقة في تلك الاوقات وضعت الاساور في العلبة واغلقتها وتركتها على الفراش ثم اتجهت لباب الشقة وكانت والدتها بالمطبخ تطهو الطعام…
صاحت زينب لها……
” افتحي الباب ياسمر… ايدي مش فاضيه….. ”
“هفتحه يازوزو خليكي…..” قالتها وهي تفتح الباب لتجد رباب وصفاء زوجة عمه في وجهها…..
نظرت اليهن ملياً قبل ان تقول بترحيب فاتر….
“اهلاً وسهلاً….. نورتوا….. اتفضلوا…..”
دخلت رباب وبعدها صفاء… اغلقت سمر الباب وهي تبتسم بنفس الفتور فهي تشعر ان تلك الزيارة تحمل
اشياء لن تعجبها فنظرات رباب لها تغيرت عن السابق اصبحت تحمل نظراتها ازدراء وغل غريب… اما صفاء فهي منذ الوهلة الاول ونظراتها نحوها لم تتغير
دوماً تحمل البغض والحقد والاستهانه …….
فلماذا تظن الخير واعيناهما تكشف خبايا قلوبهم…
بدات سمر بمهارة بدأ الحديث كي يكون الابرة التي
تغرز في البلون فينفجر سريعاً بدون بذل
مجهود……..
“أهلاوسهلاً…..كل سنة وانتوا طيبين…معقول جايين تعيدوا عليا…..اتفضلوا جوا ربع ساعة والاكل هيبقا جاهز…….احضرلكم عصير على مالاكل يجهز…..”
وقفت رباب في منتصف الصالة وهي ترفع راسها وتقول بقرف…..
“احنا مش جايين نضايف ولا جايين نعيد عليكي…”
قالت سمر بتأهب وهي تعقد ذراعها امام
صدرها ببرود…
“امال جايه لي بقا يا رباب…..خير…. ”
تولت صفاء المهمة وهي تقف جوار رباب وكانهن يشكلنا جيش قوي امامها مصممين على
كسرها !…..
“جايين نقولك كلمتين تسمعيهم من سكات…..”
حلت سمر عقدة ذراعها وقالت بغضب مكتوم….
“انتي ليكي تقولي الكلمتين اللي تعبينك اوي كده وانا بقا ارد اسكت دي بتاعتي….جيبوا اللي عندكم لحسان مش فاضيه……”
عضت صفاء على شفتيها بغيظ وهي تقول….
“اسمعي يابت انتي شغل السحر وشعوذة اللي بتعملي على ابننا لا هيقدم ولا هيأخر…..ابراهيم
مستحيل يتجوز واحده زيك…….ويوم ما يتجوز هيتجوز واحده بنت بنوت لسه مدخلتش دنيا..”
لاح الالم على عينا سمر وكانها اصابتها بلكمة قوية
في معدتها ….ومع ذلك ظلت صامته ولم تهتز ملامحها
الجامدة امامهم حتى وهي تسمع رباب تاكد
بكراهية نحوها……
“آآه ولعلمك….ابراهيم قريب اوي هيتجوز….وامي نقت العروسة بنفسها بنت ناس ومحترمة وعينيها مليانه……”
بهت وجه سمر لكنها قالت بسخط رغم شعور المرارة…….
“الف مبروك……برضو مش فاهمه جينلي ليه… ”
قالت صفاء بلسانها الشيطاني…..
“عشان تشليه من دماغك…وتفكك منه بقا مش في راحه والجايه تفضلي لزقه فيه…….”
قالت رباب باهانه لاذعة……
“الراجل بكرة يتجوز ويبقا معاه واحده رقبتها برقبة اي واحده عرفها قبلها…هتصونه وتخاف عليه…هيبقا اول فرحتها وهتبقى اول فرحته….”
تقدمت منها صفاء تنهي الحديث السام وهي تضع يدها على كتف سمر قائلة بازدراء……
“ابعدي عن ابراهيم ياختي…وربنا يسهلك بعيد عننا…….”
“شيلي ايدك ياوليه عن بنتي….”صاحت امها بتلك الكلمات وهي تتجه اليهم بوجهاً مكفهر وقالت
بانفعال….
“اللي اختشوا ماتوا ولا إيه…جايين تتعاركوا معانا في بيتنا……..طب وعز وجلالة الله لاكون….”مالت
زينب واخذت الخف في يدها منعتها سمر
وهي تصرخ……
“بس يامه……. دول ضيوف وفي بيتنا……”
احتضر شيطان زينب وكانت تود الهجوم عليهم
ونبش لحمهم باظافرها لكن سمر وقفت امامها
وكانت حائل بينهم……
“ضيوف بعد اللي قالوا…….دول عالم وسخه…لا عندهم ادب ولا مراعيه لظروفك….احنا مبنعملش
اعمال لحد يارباب….احنا ميلزمناش ابنكم ياصفاء خدي لبنتك وزيتكم في دقيقكم انتوا عيله في بعض…..انا بنتي مش بيره ولا بتدلل….دانا بنتي
ست البنات الله اكبر عليها يتمناها اغنى واجدع
جدع فيكي يابلد……قال ابعدي عن ابراهيم هو
اللي خلقه ياختي مخلقش غيره…….ولا تكون
بنتي ربطاه بحبل….فوقي ياوليه يام عقل تعبان
دا راجل مش عيل صغير……بتقله منه ومن نفسكم
جتكم نيله…..اطلعوا برا…….يلا من غير مطرود…”
طرق الباب في تلك اللحظة وكان صوت ابراهيم يصيح من الخارج…..
“افتحي يارباب…… يومك اسود…..”
ضربت رباب صدغها وهي تهمس لزوجة عمها
بفزع…..
“يالهوي يامرات عمي ابراهيم برا…..”
صاح حامد ايضا من خلف الباب بغضب لاول
مرة…..
“افتحي ياصفاء….. وكفاية فضايح….”
توسعت اعين صفاء بهلع وهي تتمتم بتعجب…
“حامد !!!!…….”
اتجهت زينب الى الباب وفتحت إياه…. وقبل ان تفتح زينب فمها وتوبخ إياهم……. صرخت سمر فيهم بغضب وكانها انفجرت حينما رأته خصوصاً مع تذكر العروس التي سيتزوجها قريباً ومع ذلك يظل يوعدها في الخفئ بالعودة اليها برسائلة المتواصلة واهتمامه المستميت…
“خد اهلك وامشي اطلع برا يابراهيم……”
وقف مكانه وهو يعقد حاجبيه بدهشة من هجومها العنيف عليه وعينيها التي تشع كره لاول مرة
نحوه…..
اتجهت اليه ووقفت امامه بغضب وهي تصيح باهانه…..
“خد اهلك وطلع برا….. مرات عمك واختك جايين يفكه العمل اللي عملاه ليك… وانا فكيته خلاص
ودلوقتي تقدر تجوز وتعيش وانا مش هربطك
بحبل تاني…….”
فك عقدة حاجبيه وقال بصوتٍ غاضب مكبوت….
“اظبطي كلامك ياسمر……. ابراهيم مفيش مرا تقدر تربطه ولا تمشي على هواها……”
قهرت رجولته بعبارتها وقالت بقسوة….
“بس انت فعلاً مربوط بيا وماشي على هوايا.. بدليل انك لحد دلوقتي لسه معايا ومش قادر على بعدي…”
“سمر……” صاح باسمها امام الجميع وهو يرمقها بعينين قاسيتين ترى جهنم من خلالهم…….
كانت في حالة من الجنون والانفعال مما جعلها تصرخ دون تفكير……..
“إيه الحقيقة بتوجع…..تقدر تعيش من غيري…..لو تقدر روح اتجوز ورضي امك واهلك وريحهم…..
ولا استنى…. انت كده كده ضربت عصفورين بحجر
لم وفقت على اللي امك اختارتها ليك…وفضلت في نفس الوقت معايا….. مش كده….”صاحت باهانه أكبر
” اوعى تكون مفكر انك كده راجل لما تضحك عليا
وتيجي عليا عشان ترضي اهلك……”
ارتجفت ملامحه لوهلة بغضب شديد وعيناه
تطوفان على وجهها بصدمة…….اوجعت قلبها تلك النظرة ببساطه جعلتها تدرك حقارة ما قالته للتو
اليه على مرأى الجميع….
“وانتي شايفاني مش راجل……..”
بهتت ملامحها وعقد لسانها وقد احتجزت عينيها الدموع…. وبداخلها كانت تود الاعتذار إليه……
قال وقتها بتوعد شق قلبها لنصفين……
“ماشي ياسمر…. ورحمة حبنا اللي دفنتي بكلامك
ده لكل ده يتردلك….. يمكن ساعتها تحسي باللي حسيته الاول ودلوقتي……..”ابعد عيناه عنها غير راغب في رؤيتها الآن…..
ثم نظر لاخته بعينين صلبتين مرعبتين وصاح بغضب…
“يلا قدامي…….”
سارت رباب امامه وهي مطرقة الرأس بحرج من اخيها وعمها……..
رفعت صفاء عينيها على حامد الذي القى عليها نظرة متحفزة خطرة جعلتها تمكث راسها وهي تخرج
معه…….
حينما اغلقت زينب الباب خلفهم وقعت سمر على الأرض تبكي بحرقة وصدى توعده يتردد باذنيها
مطاردها بضراوة…. وناتج الوجع والخوف لاول
مرة منه……
اتجهت اليها والدتها وجثت على ركبتها بصعوبة ثم سحبتها لاحضانها وربتت عليها بحنان وهي
تواسيها بحسرة الأم…….
“كفياكي دموع ياضنايا…..انسيه بقا….مجاش من
وراه غير وجع القلب…..ريحي نفسك وريحي
قلبي عليكي….انسي ياضنايا……انسيه
وارحمي نفسك من اللي انتي فيه…..

يتبع..

لقراءة الفصل التالي : اضغط هنا

لقراءة الرواية كاملة اضغط على : (رواية غمرة عشقك)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى