Uncategorized

رواية بنى سليمان الفصل الأول 1 بقلم زينب سمير

 رواية بنى سليمان الفصل الأول 1 بقلم زينب سمير

رواية بنى سليمان الفصل الأول 1 بقلم زينب سمير

تمهيد

بسم الله نبدأ .. 
بنّي سليمان •• ملحمة شياطين الأنـس ••
_التمهيـد  .
.. ! ما قبل العاصفة ! ..
‘ واذا جاء يوم حق وتوزع الحُب، فيعاود نشر الحَب بين الطيور من جديد متساوياً ‘
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . 
عَلي صوت المذياع بأرجاء القصر بالقرأن الحكيم الذي كان يرتله القارئ ‘ مشاري راشد العفاسي ‘ بصوته الخاشع، كان الصمت يعم ارجاء البهو الا من بعض شهقات كانت تخرج في كل حينا والاخر، من سيدة القصر السيدة الوقور ‘ سوزان سليمان ‘ بالفعل كانت ملامحها متماسكة الي حد كبير، لكن بدون ذنب كل فنية والاخري تنفلت منها شهقة وجع جديدة دون انتباه منها، فالميت رفيق الدرب، الذي حيت معه عمرا كاملا من حزن .. وجع .. وهناء ! 
قلبها المفطور من قبل علي ابنائها لم يستطيع ان يتحمل صدمة فقدانه التي اتت فجأة، لم تكن بالمفاجأة ابدا فقد كان السيد ‘ عبد الحميد سليمان ‘ مريض لمدة شهرين فاتوا وحالته في غاية الخطورة ايضا، لكن لانها تبغض فكرة الفراق ظنت انه سينهض ويهب الي الحياة مرة اخري، لكن كل هذا لم يحدث ..
خرجت من بين شفاتيها المغلقتين شهقة بكاء اخري متألمة، بدون شعور سقطت من عينيها دمعة بها الاف القصص التي تُحكي بداخلها بحروف وجعها علي زوجها الحبيب، لم تشعر سوي بكفا يربت علي ظهرها المنحني الذي لم يعتاد الانحناء في وجود زوجها مسبقا وصوت ‘ سلمي ‘ يقول:-
_ماما الحاجة كفاية كدا عينك من العياط .. حَمرت 
قالتها سلمي ‘ زوجة حفيد سوزان ‘ بشفقة وهي ترمقها بحزن علي حالها، فمنذ علمها بالخبر وحتي تمام دفنه، والسيدة سوزان مازالت تبكي بلا توقف، تتماسك ولم يجدو تماسكها نفعا فتعاود البكاء، هكذا منذ التاسعة صباحا ولحتي حل المساء علي الاجواء ..
خرج صوتها متحشرجا ضعيفا وهو الذي ما كان يخرج الا قويا .. صارما في بعض الاحيان:-
_عبد الحميد مات ياسلمي، مش هشوفه تاني ياسلمي
وعادت تبكي، لكن تلك المرة سلمي اخذتها بين احضانها تربت عليها وهي تشاهد ضعفها بتألم عليها
رغم ان سلمي لم تكن يوما ذات قلب حنون .. عطوف، تستطيع جيدا ان تخفي عواطفها، لكن حالة السيدة سوزان بالفعل كانت تستسحب شفقتك وان كنت كارها لها .. 
علي مقعد ساكن بالقرب منهم سكن جسد السيدة ‘ منال ‘ زوجة ابن السيدة سوزان رحمه الله منذ عدة اعوام فاتت ايضا، تبكي بحزن علي رجلا كان لها ابا بعد اب 
خرج صوتها بداخل نفسها يهمس وهي تنظر الي سقف المنزل بوجع:-
_مين هيلم شمل العيلة من بعدك ياعمي ؟ 
فما تعلمه .. بل المتاكدة منه
ان هناك حربا سَـ تُقام بهذا القصر وتندلع، حربا قريبة لـ الغاية، بل هي علي بعد لحظات منهم، فبعد الكبير يبقي الصغار، وجميع صغار هذا المنزل، لا يوجد وصف قد يصف مـدي تهوراتهم .. !
                              . . . * . . .
كانت الساعة تصل الي العاشرة ليلا، حيث تحشدت شعوبا من رجال العائلة ورجال الاعمال، وعدة فروع اخري .. في الحديقة الملتفة حول القصر، علي طول مـمـر وُجدت عدة مقاعد كان امامها يقف عدة رجال تعرف من هيأتهم وسلامهم علي الذاهبين والحاضرين انهم اقرب الاقربون الي الميت، كان اخر ثلاثة من ناحية البوابة الخارجية هم الاقرب
الاول كان الحفيد الاول .. الواقف يتعامل بكل آلية ودون ردود افعال تُذكر بـملامح من جليد، يسلم علي الحاضرين يتقبل كلمات نعيهم بلا اجابات تُذكر
والثاني اجابته كانت تخرج احيانا بصوت يَكاد يظهر، والاخير كان اكثرهم تمالكا لنفسه ولاحزانه رغم انه الاصغر، فكان هو من يرحب ولو قليلا بالحاضرين
المشهد كان مهيبا 
بالداخل صوت المذياع يغط علي مجلس النساء، وهنا صوت إحدي المشايخ يرتل بصوته القوي فيـزلـزل قلوب الجالسين
ظلوا يستمعون ويستقبلون، يودعون .. الي ان حلت الثانية عشر ليلا، فلم تبقي الا تلك الثلاث وجوه 
جلس ‘ عابد ‘ علي مقعده وهي ينطق بتألم واضح:-
_رجلي لو حد قطعها مش هحس بيها
تابعه في الجلوس ‘ واجد ‘ اخيه الاكبر وزوج سلمي وهو يهتف بتأكيد:-
_كان يوم ميتوصفش 
نظر عابد لـ ابن عمه الذي مازال واقفا ك صنم بلا حراك .. يسأله:-
_مش هتعلق انت كمان ؟
لم يبدو انه سمعه، فقد كان غارقا في بحور اخري بعيدة عن بحور اؤلئك، يفكر في الف شئ وشئ، يجمعهم شئ واحد وهو فقدان السيد عبد الحميد سـ يؤثر فيهم بلا شـك !
تنهد عاليا بتعب واضح، نظر لأثنتيهم ناطقا، بينما يستعد ليغادرهم:-
_هطلع اوضتي 
نطقها باختصار وغادرهم، ليبقا الاثنين ينظران لاثره الذي اختفي منه بعيون محتلفة الانظار، لا تُفهم .. لا تُقرأ .. بها لمعات لا تتفسر ايضا 
واجد بملامح وجه لا تَظهر ما معني حديثه:-
_اللي جاي لو كان مش ولا بـد، القصر دا هيتقلب لـ قلعة حجيم، قابلوني لو حد عرف يطفيها
نظر لـ نافذة ابن عمه العلوية التي أُضيت .. متابعا بسخرية بيّنة:-
_حتي سليمان باشا .. مش هيعرف ولا هيقدر يقف قدامها
النيران محتبسة في جوفها الان، لن تخرج حتي يؤذن لها، ولن يؤذي حتي يأتي السبب .. والسبب كانت الوصية … !
                             . . . * . . .
بالصباح عادت تلك الاحداث من جديد، زوار وبكاء، نحيب وصراخ، حزن دامي .. حتي ساد الصمت علي ارجاء القصر بعد عشرة ايام من يوم الوفاة 
صباح ذلك اليوم كان مختلفا، سبقه ليل ممطر بغيوم كثيفة حتي ان السماء اسودت، عندما هبطت الامطار ظن الجميع ان تلك الغيوم سـ تتبلد وتختفي مع ظهور اضواء النهار، لكن لم يحدث ذلك ومازال الصباح مغيما بعتومه وظلامه، يزهق كل لحظة واخري صوتا من الرعد يدخل بالقلب مخاوف عـدة ومشاعر متضاربة 
لكن رغم هذا .. بغرفة مكتب القصر، علي مقاعده، ارتصت افراد العائلة علي مقاعد جلدية تجاور المكتب، وامامهم السيد ‘ رفعت ‘ المحامي لــ تلك العائلة، ينظر لهم بنظرات متحيرة، لا يعلم ما سيقوله كيف ستكون نتيجته فيما بعد، وردهم عليه كيف سيكون شكله، مهما تصور لم يجد تصوراً قد يقترب من ان يكون حقيقيا ..
بالنهاية ..
الوصية سـ تُقال، فلا جدوي من التأخير !
تنحنح وهو ينقل ابصاره بينهم، بدايةٍ بالسيدة سوزان تليها منال فـ سلمي .. علي اريكة اخري قبع سليمان فـ واجد فـ عابد 
ملامح سوزان كانت ذابلة، تقف علي شفرة الموت من كثرة الحزن، منال ملامحها لا تُقرء كـ الباقيين جميعا
خرج صوت رفعت اخيرا يقرأ الوصية:-
_ ‘ اقـر انا عبد الحميد سليمان وانا بكامل قواي العقلية والجسدية، وبدون ضعطا من احد، ولا تأثُر بـ أي مواقف من جميع الوارثين بوصيتي والتي ستوزع كما ارغب .. واعلم انها علي حق، وبالطريقة المستحقة ان تُوزع علي وارثيني .. أن تُوزع اسهم امبراطورية شركات سليمان بين احفادي الثلاثة بتلك النسبة : لـ حفيدي الكبير سليمان نسبة 50 % من الاسم، لـ كلا من حفيداي واجد وعابد نسبة 25 % من الاسم ‘
توقف رفعت عن قراءة الوصية عنـد ذلك الحد، لينظر الي وجوههم رغبة في معرفة ما يحدث داخلهم عن طريق ملامح وجههم، سوزان كانت كما هي بلا ملامح جديدة تُذكر، انغص جبين منال قليلا، عابد ضاقت حاجبيه بتركيز وعيون وامضة ببعض الضيق بل كثير من الضيق، واجد ملامحه كانت ك جمرة من نار يظهر عليه جيدا كيف يحاول ان يتماسك كي لا ينفجر
اما سليمان .. فكان باردا ك التلج ولم تتحرف فيه قيـد شعرة حتي بالحزن او بالفرح
وعاد يتابع رفعت حديثه وقرائته لـ الوصية:-
_ ‘ يوزع القصر سليمان بين جميع سكانه بتلك الطريقة : لـ  واجد نسبة 20 % منه، لـ عابد 20 %، لـ سوزان زوجتي 5 %، لـ منال زوجة ابني 5 % سليمان حفيدي الاكبر 50 %، يُكمل باقي ورث احفادي كل من عابد وواجد بأمتلاكهم جميع مباني العائلة ومنازلها المختلفة، علي ان تكون مزرعة سليمان لـ سوازن زوجتي ومنال زوجة ابني وفقط .. ‘
كاد رفعت ان يتابع حديثه لكن اوقفته صيحة غاضبة من واجد وهو ينهض عن مقعده، بنهضته نهض الجميع عَـدا سليمان، ظل جالسا علي مقعده كما هو واضعا قدما علي الاخري بتريث و… برود
خرج صوت واجد متشنجا:-
_اية الهبل دا، انا لا يمكن اسمح بالكلام الاهبل والعبيط دا ابدا، هو عبد الحميد باشا فاهم هو عمل اية ولا لا ؟ الباشا مخلي سليمان هو اللي ليه حق التصرف في كل حاجة كدا
نطق رفعت متنحنحا وهو ينقل ابصاره بين الجميع بقلق:-
_دي رغبته ياواجد باشا، واعتقد دا اللي هو عايزه فعلا !
اقتربت سلمي من زوجها تحاول ان تهديه بعبارات خافتة، لكن ثورته لم تهدأ بل زادت مع نطق عابد المعترض ايضا بنقم:-
_دا مش عـدل ، هو كدا زيه زينا كلنا، بل بالعكس ازود مننا كمان
وضح رفعت الوصية لهم:-
_باقي ورث حضراتكم كل عمارات وبيوت……
لم يكاد يتابع حتي اشاح واجد بيديه بعصبية و:-
_بيوت اية وعمارات اية، دا كلام فارغ، 1 % بس من القصر دا بكل الهري اللي هو كاتبه لينا، هو بيستهبل ولا اية ؟
كادت سوزان ان تنطق اخيرا؛ لتنهره، لكنها ما ان كادت تفعل حتي وجدت سليمان اخيرا يترك جلسته ويقف بطوله الشامخ مقتربا من واجد وهو ينطق بعيون محذرة:-
_انا سايبك تتكلم وهسيبك لحد ما ترتاح وتطلع كل غضبك بس كلمة واحدة هتقولها علي جدك مش هتعجبني، عند هنا .. انا هعرف كيف اوقفك عند حَدك ياواجد
عابد متدخلا بسخرية، وهو يرمقه بنظرات بُث فيها الكره فجأة:-
_دلوقتي بقيت مش قادر تستحمل عليه كلمة ! طبعا ما انت اللي طلعت من الليلة دي بكل ثمين، دا مش بس تقف وترد علي كلام واجد، دا انت مفروض تعمله تمثال في القصر هنا وتقف قدامه كل يوم تشكره، ما هو اللي رفعك علينا 
ترك سليمان نظرات عينيه تبتعد عن واجد وتتجه نحو عابد، ليرمقه بنظرات متفحصة تحتوي علي معانٍ كثيرة و:-
_للاسف ياعابد انت دايما شايفني مرفوع عليكم من غير حاجة اصلا
ازدادت نظرات عابد حقدا نحو سليمان، بينما تابع واجد بعصبية:-
_دا باعتبار اصلا اني هوافق علي الكلام الاهبل دا
نطق رفعت بصوت مرتفع قليلا .. يهتف بــ بنـد من بنود الوصية:-
_’ ومن يرفض تلك القسمة بأي شكل من الاشكال، فأمر انا بألا توزع تلك الورثة بأي شكل اخر، وتتوجه جميعها لــ جمعيات الاعمال الخيرية تحت أشراف سليمان ‘
قال رفعت الكلمة الاخيرة وهو يطالع واجد باستفزاز ومكر مخفي، لم تزيد تلك الكلمات سوي غضب واجد وعابد اكثر
فتوجه واجد نحو باب الغرفة، ناويا الخروج بعدما قال بغضب:-
_قسموها، بس وديني لاطربقها علي دماغكم في الاخر 
وخرج، تاركا خلفه وجوها تحمل الاف التعبيرات 
جمع رفعت اشياءه ونطق موجها حديثه الي السيدة سوازن قبل ان يغادر، بعبارة لها مفعول لاهب في الايام القادمة:-
_شغل سليمان باشا هيكون تحت اشرافك بمعني هتشوفي هل يستحق يدير الشركة ولا لا، كذلك تحكمه بامور البيت لو كان جدير بيها فالوصية هتمشي علي نفس السيان علي مـر العمر، لو مكنش جدير فـ في كلام تاني 
بتلك العبارة الصغيرة، انفتحت باقة امل في وجهه الاخوة، التي من اليوم بلا شك ستشكل خليفا قويا ضـد ابن العم ..

رواية بنى سليمان الفصل الأول 1 بقلم زينب سمير

.. ! بداية حرب صامتة ! ..
‘ من يظهر الحب ويخفي الكراهية ك ثعلب مكار لا يستحق ان يحيا بين البشر ابدا ‘
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . 
ارتفعت اصوات زقزقة العصافير بارجاء الشارع الهادئ، المطل علي ناصيته عـدة محالٍ فخمة ومطاعم، علي نهايته ومن اطرافه سكنت بعض الشركات التجارية، كبيرة كانت او صغيرة، المكان كان هادئ بالساعة السابعة والنصف صباحا، فقط عـدة خطوات تخطو فيه كل حينا والاخر، فمعاد العمل لم يأتي بعد، علي بداية الشارع ظهرت فتاة تسير بخطوات متمهلة، رائقة علي اقل من المهل، خطوات رشيقة من جسد مثالٍ، مرتسمة علي شفتيها بسمة رائقة ادت الي ابتسام عينيها الفيروزية بلا سبب، تتماشي بيتهادي وغنج فتتحرك ضفيرتيها الكبيرتان علي جانبيها بدلال واضح معها، كانت خصلاتها بنية فاتحة تميل الي اللون ‘ الكافية ‘ ضفيرتيها علي طريقة ‘ السنبلة الفرنسية ‘ فكانت تبدو ك طفلة بجسد انثوي ممشوق، زاد من براءة هيئتها، فستانا بسيطا من عدة الوان فاتحة وزاهية ك الوان الربيع، من اقمشة ثقيلة لتناسب موسم الشتاء القارس، كان قصيرا يصل الي ركبتيها، لكن ما منع وصول البرد لها جوارب سوداء شفافة اللون قليلا ..
وصلت اخيرا لمكانها المنشود، وقفت امام احدي المحالٍ المنتشرة في المنطقة، واخرجت من حقيبتها مفاتيحا خاصة بفتح قفل المحل، فتحته ..
ودخلت ، اشعلت الضواء المحل فظهرت قنينات العطر بكل مكان، موزعة بطريقة راقية، في شكل متهادي، تصاعديا بتدريج من الرائحة الأرق الي الأقوي ..
توجهت نحو زجاجة عطر معينة وفتحتها، قامت برش قليل منها عليها، وفي الأرجاء، ثم وضعتها مكانها مرة اخري وهي تهمس بنبرة باسمة بــ حيوية:-
_عطور بيسان لو اكتشفها حد بيفهم .. بلا شـك هتدخل بيها العالمية
وابتسمت بفخر، رغم علمها تماما ان ذلك حلماً من المستحيل ان يتحقق، فعطورها التي تقوم هي بصناعتها بنفسها، لا احد يعلم بها سواها، وبعض المشتريين العزاز فقط، لكن الباقيين فـلا يتطلعون لها، هم فقط يأتون ليشترون قنينات يعلمون اسمها ويحفظونها علي ظهر قلب .. لانها ببساطة ماركة عالمية !
                             . . . * . . .
استراحت السيدة سوزان علي مقعدها بـ بهو المنزل، المقعد كان هزازا لكنه مريحا لها، بجوارها كانت تقف الخادمة ‘ وجيدة ‘ كبيرة خدم هذا القصر، والتي تجمعها علاقة وطيدة مع السيدة سوزان، وضعت وجيدة كوب من الشاي الأخضر علي طاولة مجاورة لـ مقعد السيدة سوزان وهي تهتف بمرحها المعتاد:-
_احلي شاي اخضر لأحلي ست في البيت
ابتسمت سوزان لمرحها بسمة وقورية مازال فيها حزناً لم ينضب، تحاول ان تنزعه عنها وجيدة بلا كلل او ملل، فسنوات عمر وجيدة التي تتعدي الأربعون لم تنجح في جعلها تتخلي عن مرحها ونشاطها الذي امتازت بهم منذ طفولتها لحتي هذا عمر، ولحبها لـ السيدو سوزان هي تكرث كامل مرحها نحوها هي، لتحاول ان تضحكها ولو قليلا، فـ بـلا فماً مبتسما تنعص الحياة بلا شك وتتحول الي كأبة لا مفـر منها ..
هتفت سوزان وهي تأخذ جراب نظارتها من علي الطاولة وتقوم بفتحه:-
_منال مصحيتش ؟
وجيدة مجيبة عليها:-
_لا ياسوزان هانم، دور البرد اللي وخداه كان قوي والدوا اللي اخدته باين كان في نسبة مهدء، فـ دا مع دا خلاها تنام من الساعة عشرة امبارح ومتصحاش لدلوقتي
ثرثارة، هذة صفة لا يمكن ان تتخلي عنها وجيدة ايضا، لاتنسي
اؤمات بحسنا وارتدت نظارتها، امسكت جريدة الصباح الموضوعة كذلك علي الطاولة وبدأت بقرأتها، بالماضي كانت تفعل تلك العادة مع زوجها الحبيب، لكنها الان تفعلها بمفردها، ليس بالماضي البعيد بل من قبل عـدة ايام مـرت، بالله تستطيع ان تقوم بعدهم علي يدها، تنهدت وهي تقرأ اول خبر بالجريدة بعنوان ‘ ما ذُكر جديدا عن احوال عائلة سليمان ‘ وتابع العنوان ثرثرة بلا هدف عن احوالهم
تجاهلت الحكاوي التي تُقال عنهم والمقترحات التي يقترحها الجميع عن حالهم، واغلقت الصفحة الاول بضيق وفتحت اخري، اثناء ذلك .. ارتفع صـدا صوت حذاء من الاعلي، يثير برتيبة نحو درجات السلم، وبدأ بنزوله بخطوات قوية، رفعت ابصارها هي ووجيدة فرأوا سليمان، حفيدها البكر يهبط الدرج وعلي ملامحه منذ الصباح الباكر الجمود والبرود .. الممزوج بالضيق المحتوم فما يوجد خلفه من اعمال؛ تعكر صفو اي شخص
وصل لهم اخيرا، فقالت وجيدة سائلة:-
_احضرلك الفطار ياسليمان بية ؟
سليمان بنبرة هادئة:-
_لا يادادة انا مش هفطر، عايز بس فنجان قهوة علي السريع
اؤمات بنعم وهي تغادر المكان سريعا لتقوم بتنفيذ طلبه، مال هو نحو يـد جدته وتناولها بين كفيه العريضين ليقوم بطبع قبلة حنونة عليها، ابتسمت وهي تملس خصلاته بحب صادق، بينما سأل هو بصوته الجاد:-
_خدتي الدوا بتاعك ؟
اؤمات بنعم فقال بتحذير:-
_الدوا دا الدكتور قال ممنوع الهزار في مواعيده، وانا محذر وجيدة من انها تنساه بس لو حصل ونسيته اتمني انتي متنسيش 
سوزان بضحكة طفيفة:-
_حاضر يابابا مش هنسي
لانت ملامحه قليلا معلنة عن بسمة بسيطة بالكاد تُـري، مضيفا علي حديثه بنبرة متألمة:-
_انتي امي التانية ومش عايزك تسيبيني ابدا
ابتسمت بحنان وقد التمعت الدموع بعيونها عندما ذكرها بوالدته وبالتالي والده رحمهم الله، فتنهدت بتألم قائلة:-
_طول ما ربنا مادد فيا الروح والقوة هفضل معاك ياسليمان، هو في حاجة مخلياني اصلا ماسكة في الدنيا غيرك !
الحديث كان ملئ بمشاعر نابضة بالحب والوجع، ان تاثر بها لن يستطيع ان يواجه ما ينتظره من اعمال متراكمة، لـذا .. نفد بهدوء من الحوار مستغلا مجئ وجيدة بفنجان القهوة الذي اعطته له ثم تابعته بسؤال موجها لـ سوزان:-
_نعمل اية علي الغدا ياسوزان هانم ؟
تناول فنجانه علي عجل وغادر، تاركا خلفه السيدة سوزان تملي طلباتها لـ وجيدة ..
انتهت سلمي من توضيب حلية ابنها ‘ ادهم ‘ الدراسية علي جسده الصغير، ابتسمت وهي تلعب في خصلاته السوداء ك حال جميع رجال العائلة بحب، امسكته جيدا من اسفل ذراعيه واهبطته من علي الفراش الي الارض، ناولته حقيبته المدرسية وهي تقول بحب:-
_يلا ياادهومي علشان الباص زمانه جاي 
اردف بشفتين مزمومتين بضيق:-
_بـس انا مش عايز اروح
امسكته من يـده تحثه علي السير بجوارها لـ الخروج من الغرفة:-
_انهاردة اخر يوم في الاسبوع، نروحه وبكرة وبعده اجازة
ادهم بقلة حيلة:-
_يعني لازم اروح ؟!
اؤمات بنعم فتحرك معها الي الاسفل بخطوات بطيئة متضايقة ..
ما أن لمح سوزان حتي ترك يداي والدته وتوجه نحوها، قبل إحدي وجنتيها وهو يقول بمرح:-
_تيتااا سوزي
قبلته علي وجنتيه وهي تردف ضاحكة:-
_عيون تيتا سوزي من جوه
هتف سألا اياها بأهتمام:-
_عمو سليمان فين ؟
 سوازن مجيبة عليه:-
_راح شغله ياحبيبي
تضايقت ملامحه لسماعه ذلك الخبر، الا انه لم يكاد يبرح بغضبه حتي عَلي صوت زمار الباص من الخارج، ليعلن عن وصوله، فحثته سلمي لـ الخروج، وهي تسبقه الي الخارج بالحقيبة المدرسية الخاصة به
سار خلفها هو بخطوات تـود لو ان تعاود الرجوع مرة اخري، فالمدرسة ك سجن بالنسبة له، لا يحبها ولن يحبها ابدا ذات يوم، هو متاكدا من ذلك الشئ جدا
ظهرت سلمي من جديد بعدما ودعت ادهم، فسألتها الاخري باهتمام:-
_واجد لسة نايم ؟
جلست علي مقعد بالقرب منها وهي تجيبها:-
_لا .. صاحي، كان بيلبس، شوية وهتلاقيه نازل
اؤمات بحسنا دون ايجاب وبقي الصمت يعم المكان، وكل منهن تحلق في سماء افكارها بعيدا عن الاخري ..
                              . . . * . . .
فتح عابد عينيه بضيق لسماعه لصوت المنبة المزعج علي الصباح، مـد يده ليغلقه لكنه ابعثها بالمكان الخطأ فبدل من ان تمسك المنبة القت بكوب الماء علي الارضية، صاح بغيظ وهو يسمع صوت التهشيم، نهض عن فراشه بالاخير وهو مازال يستمع لصوت المنبة، امسكه اخيرا واغلقه بقوة، همس بعدها بغضب محادثا نفسه:-
_انا لو كنت نمت امبارح بدري ومسمعتش فيديوهات الحيل دي، مكنتش كسرت الكوباية وهسمع كلمتين من وجيدة….
لم يكمل عبارته ووجد الباب يُفتح، وجيدة تظهر من خلفه وهي تسأل:-
_اية صوت التكسير دا ياعابد ؟
كي لا يسمع أحاديثا لا فائدة لها، توجه نحو مرحاضه وهو يقول بنبرة سريعة:-
_الكوباية اتكسرت، لميها بقي عقبال ما اطلع من الحمام، وجهزيلي لبسي
تنهدت بضيق وهي تبدأ بتنفيذ ما قاله، عابد سيظل عابد، الفتي المشاكس، الذي لا يأتي من خلفه سوي المشقة، لكنه لم يكن مشاكسا ببراءة، بل كان يحمل كثيرا من الخبث، الذي تعلم هي به للاسف ..
علي الساعة الثامنة اخيرا، كانت تخرج سيارة عابد من بوابة القصر، وقد سبقتها سيارة واجد منذ عشرة دقائق تقريبا، متجهان سويا نحو مقرا واحد 
                   ‘ مقر : الـ سليمان جروب ‘
بالمقــر .
دخل سليمان لمكتبه الذي كان لجده سابقا وخلفه سكرتيرته ومساعدته الخاصة ‘ عليا ‘ جلس علي مكتبه بعدما نزع معطفه الاسود عنه واضعا اياه علي علاقة الملابس التي بجوار المكتب، هتفت هي بنبرتها السريعة المعتادة:-
_مستر سليمان احنا ورانا شغل كتير اوي، كل التعاقدات اللي كانت علينا من شهر وفاتت، والتعاقدات اللي معادها الايام دي، والشغل اللي كان لازم يتم تسليمه من شهر واتأجل، والشغل اللي…..
قاطعها واضعا يده امام وجهها ليصمتها:-
_اشـشـش، اتكلمي انتي بـس براحة وجهزيلي مواعيد جديدة وكله هيخلص انهاردة، بس متتكلميش بسرعة .. سامعة ؟
قال اخر كلمة بتحذير فـ اؤمات بحسنا وهي تطلق زفيرا عاليا بعد مجهودها الذي بذلته منذ لحظات
سليمان وهو يفتح جهاز الـ ‘ لاب توب ‘ الخاص به:-
_نبدا مع اول معاد ؟
عليا وهي تنظر لاوراقها:-
_معاد مع شركة ‘ W . A . S ‘ الجديدة، مع صاحبها مستر ‘ وليد امجد السامري ‘
سليمان:-
_هو موجود يعني ؟ 
عليا:-
_هو اتصل من ساعتين وانا قولتله ان حضرتك جاي، فقال هيكون هنا علي عشرة
اؤما بتفهم و:-
_تمام لما يجيي دخليه
وضعت امامه عـدة ملفات:-
_دي حوافز وشيكات لازم تتمضي
قام بامضتها بعد ان قرأها بعينيه قراءة سريعة، وضعت ملف اخر:-
_دا ملف الألأت اللي هيتم استيرادها من اليابان، فيها كل اللي طلبناه ومميزاته والميزانية المطروحة .. اقراه علشان لو عجبك نبعت فاكس بالطلب وتروح حضرتك تاكده 
اخذه منها وهو يؤمي بحسنا
وضعت اخر أمامه:-
_دا ملف بعته الاستاذ أُسامة خاص بالحسابات
اخذه منها، كادت ان تتحدث .. فقال بضيق:-
_كفاية ياعليا، لما اخلص دول ابقي ابعتي الباقي
اؤمات بحسنا وهي تعتذر بنبرة خافتة، ثم استأذنته وغادرته بهدوء، ليبقي هو غارقا بين اوراقه الكثيرة يقرأها ويدرسها بكل تركيز ..
جلس واجد علي مكتبه وعلي مقعد اخر جلس اخيه عابد، الاثنان يسود الصمت عليهم، يطالعون الفراغ بعيون مفكرة، قطع الصمت واجد اخيرا بنبرته المليئة بغضبه المكبوت:-
_من الصبح الملفات نازله تـرخ علي الباشا واحنا هنا بنهش دبان، وهنفضل طول عمرنا كدا، ملناش فايدة وهيطلب مننا تنفيذ الشغل زينا زي غيرنا .. لـو سكتنا
عابد بنبرة سائلة:-
_طيب هنعمل اية ؟
صمت قليلا يفكر، قبل ان تتنير برأسه فكرة مكارة، فأستراح علي مقعده وهو يهتف بخبث:-
_نثبت انه ميستحقش مكانه دا، وقراراته اللي بياخدها بنفسه وبـس هتضيع الشركة، فتحس سوزان هانم انه مش جديد بالادارة ونعيد تقسيم الأسهم
عابد:-
_وانت ايـش عرفك ان دا اللي هيحصل فعلا لو اثبتنا عدم جدارة سليمان ؟
واجد بسخرية:-
_اومال اية اللي هيحصل ؟ هيكتبله كل حاجة بأسمه وهو عارف انه مش جدير ! اكيد يعني المـرة دي هيصلح بنود الوصية الغبية اللي فاتت
عابد بقلق:-
_واجد .. انت عايزنا نعمل اية ؟
انتصب واجد في جلسته، التمعت في عينيه بواد الشـر وهو يهمس بحسيس افعي سامة:-
_نوقع الشركة ومعاها سليمان، علشان عبد الحميد باشا يعرف حتي وهو في تربته انه كان غلطان لما خلي الباشا يكوش علي كل حاجة
عابد بتسأل وقد تَزرع الشر بقلبه ايضا:-
_يعني هنبدا نعمل اية ؟
واجد بنبرة ماركة .. خبيثة:-
_لا .. انا بدأت مش لسة هبدأ
وراح يقص عليه مخططاته السابقة والتالية، بأنفاس تفوح منها روائح الكرة المختفي خلف بسمات خفيفة تبث في قلبك الاشمئزاز بـلا شـك، والاخر يستمع له وتزداد الكلمات من سعادته، وهو يتخيل امامه سقوط سليمان تدريجيا امام عيونهم .. 
                             . . . * . . .
نهض سليمان عن مكتبه يستعد ليغادر المكان، ارتدي معطفه علي بذلته، بينما يغلق ازراره انفتح الباب ودخلت ‘ عليا ‘ معها اوراقاً تحتاج الي امضاء
_انت هتمشي يامستر ؟!
سليمان وهو يأخذ هاتفه من اعلي الطاولة:-
_انتي شايفة اية ياعليا ؟
مـدت يدها بالاوراق نحوه:-
_الاوراق دي محتاجه امضة حضرتك 
قام بامضاءها فتابعت بتسأل:-
_هو احنا هنعمل اية مع مستر وليد علشان مفهمتش
نظر لها بقلة حيلة، فعليا رغم اجتهادها الواضح الا انها تملك ذاكرة سمكة و:-
_هنسلمله شحن ملابس بالتصميمات الجديدة كمان تلت اسابيع 
عليا بزهول:-
_تلت اسابيع بس ؟
سليمان بنفاذ صبر:-
_اومال ناخد وقت قـد اية ؟ سنة ! كل الشغل اللي متراكم لازم يخلص علشان كدا لازم الوقت يبقي ضيق علشان نتلم ونشتغل
عليا نؤيـدة لحديثه:-
_معاك حق، لازم انت تتلم وانا….
نطق بعيون ضيقة بتركيز:-
_اية !
فهمت اخيرا ما قالته فوضعت يدها علي فمها وفـرت سريعا من امامه، وقفت عند الباب وقبل ان تغادر اردفت بتذكر وهي تضرب بيدها علي جبهتها:-
_نسيت افكرك ان عيد ميلاد ‘ حسـان رشـدي ‘ انهاردة يامستر
نطق بسخرية:-
_انتي نسيتي بس انا فاكر، علشان كدا مروح ياعليا ..
تصادف وقت خروجه من المكتب بخروج واجد وعابد من مكاتبهم ايضا، تصادفت نظرات الشباب  الثلاث معا، كانت نظرات تجمع ما بين التحدي والشـر، كلا منهم ينظر بثقة متأكداً أنه سيفوز علي الأخر في حرب صامتة، لم يعلنوا عنها بالجهر حتي، لكنهم بداخلهم يعلمون انها بدأت، تُـري .. بتلك الحرب .. اي فريقا سيفوز ؟ اي كفة ستميل ؟ من سينتصر ؟ ومن سيخسر ؟ انتظر .. وتابع بصمـت واستمتاع 
                               . . . * . . .
بالساعة التاسعة مساءا، فُتح باب القصر الداخلي وطـل منه سليمان بطلته المثيرة، مرتديا حلية كحلية اللون، وقميص ابيض ناصع، خصلاته السوداء المصففة بعناية، كل شئيا فيه كان علي اكمل وجه، صـف إحدي الحراس السيارة امام الباب اخيرا، فهبط سليمان درجات السلم التي تفصل بينه وبين السيارة، ثم ركـب السيارة متجها بها نحو منزل ‘ حسان رشـدي ‘
تبعه بعد ذلك بنصف ساعة تقريبا، عابد ثم واجد، فالاثنان معزومان علي الحفل ايضا، كلا منهم غادر بسيارة مختلفة، بوقت مختلف، فلا شئ يجمعهم قـط، حتي في صفاتهم الوجدانية ..
بمنتصف الطريق تذكر سليمان شيئا هاماً، هل سيدخل الحفل فارغ الايدين ؟ فـ لا بـد من هدية يدخل بها، ما الذي قـد يشتريه لـ حسان يفي بالغرض ؟ تذكر ما يحبه حسان فقرر مع اول محل يجده يبيع ما ابتغاه سيقف عنده، ليشتري الهدية ..
يتبع..
لقراءة الفصل الثاني : اضغط هنا
لقراءة باقي حلقات الرواية : اضغط هنا
نرشح لك أيضاً رواية ابن الجيران للكاتبة سهيلة سعيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى